في زمنٍ باتت فيه الشهرة تُقاس بسرعة الانتشار، وتحولت فيه منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة أساسية لصناعة النجومية، يبدو الحفاظ على المسافة خياراً نادراً. فوسط عالم فني تحكمه أحياناً حسابات المشاهدة و”الترند” أكثر مما تحكمه الأسئلة الفنية والجمالية، يختار بعض الفنانين السير في اتجاه مختلف، يقوم على التمهّل والتجربة والتعامل مع الفن بوصفه مشروعاً معرفياً وإنسانياً لا مجرد وسيلة للظهور.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت الدراما السورية تحولات كبيرة على مستوى الإنتاج والموضوعات وآليات التلقي، ما فتح نقاشاً واسعاً حول طبيعة الأعمال التي تُنتج اليوم، ومدى قدرتها على ملامسة أسئلة المجتمع وهمومه، في مقابل تنامي الأعمال التي تراهن على الأثر السريع والانتشار الآني. وبين المسرح والتلفزيون والسينما، برزت تساؤلات متزايدة حول دور الفنان وحدود مسؤوليته، وحول ما إذا كان المطلوب منه أن يكون مجرد مؤدٍ للنصوص أم شريكاً في صناعة الأفكار والأسئلة التي يطرحها الفن.
ضمن هذا السياق، يقدّم الممثل السوري أسامة حلال تجربة مختلفة امتدت لأكثر من عقدين، حافظ خلالها على حضوره الفني بعيداً عن الصخب الإعلامي والرقمي. تجربة لم تُبنَ على السعي إلى النجومية أو ملاحقة الأضواء، بل على البحث المستمر عن المعنى، والإيمان بأن قيمة العمل الفني لا تُقاس بحجم تداوله اللحظي بقدر ما تُقاس بقدرته على البقاء وترك أثرٍ لدى الجمهور.
في حوار خاص لـ”963+”، يتحدث أسامة حلال عن علاقته بالفن والمسرح، ونظرته إلى الدراما السورية اليوم، وأزمة النصوص والإنتاج، وتأثير ثقافة “الترند” على المشهد الفني، كما يستعيد محطات من تجربته الشخصية التي بدأت من مكان لم يكن التمثيل فيه هدفاً أو مشروعاً واضحاً، قبل أن يتحول إلى رحلة طويلة من الأسئلة والبحث والتجريب.
فيما يلي الحوار كاملاً:
بعد أكثر من عشرين عاماً في الوسط الفني، ما الصورة التي تعتقد أن الناس كوّنوها عنك؟
ربما أكثر فكرة تُقال عني أنني شخص غير اجتماعي كثيراً، أو بعيد عن الأوساط، سواء الفنية أو غير الفنية. وهذا صحيح إلى حدّ ما.
أنا لست من الأشخاص الذين يحبون الوجود الدائم في التجمعات أو المناسبات. حتى السوشيال ميديا، حضوري فيها قليل جداً، وربما هذا ما جعل البعض يظن أنني غائب.
لكنني في الحقيقة لا أرى الأمر بهذه السلبية. أنا أفضّل أن أكون حاضراً في عملي أكثر من حضوري في الصورة العامة.
اليوم معظم الفنانين يعتمدون على السوشيال ميديا للتواصل مع الجمهور، لماذا أنت بعيد عنها؟
لا أعرف… ربما لأنني من جيل مختلف. جيل لم يكبر على فكرة “المحتوى اليومي” أو الظهور المستمر. أشعر أن بعض الأشياء تحتاج مسافة، تحتاج صمتاً. ليس كل شيء يجب أن يُقال فوراً.
أنا لا أرفض السوشيال ميديا، لكنها ليست مساحة أرتاح فيها. علاقتي بالفن ليست مرتبطة بعدد المتابعين أو التفاعل، بل بما أقدّمه فعلياً
البعض يقول إن الجيل السابق من الممثلين كان أكثر حضوراً وتأثيراً في التلفزيون، ونفتقدكم اليوم؟
هذا لطف كبير طبعاً، لكن المشكلة ليست في الأشخاص. المشكلة في طبيعة الإنتاج اليوم. هناك تغيّر كبير في شكل الدراما، وفي طريقة التفكير بالعمل الفني.
تقصد أن الدراما تغيّرت للأسوأ؟
ليس بالضرورة “للأسوأ”، لكنها تغيّرت. في السابق كانت هناك مساحة أوسع للعمق، حتى عندما كانت المواضيع قاسية، كانت تُقدَّم بطريقة أذكى، طبقات أكثر، بناء أهدأ.
اليوم أحياناً يتم تقديم الفكرة بشكل مباشر جداً، أو قاسٍ أكثر من اللازم، فيشعر المشاهد أنه مُجبر على التلقي بدل أن يدخل في التجربة.
هل ترى أن المشكلة في الرقابة؟
ليست الرقابة وحدها. هناك مشكلة في الكتابة، وفي طريقة التفكير بالعمل. أحياناً نفتقد “المنتج الفني” الحقيقي، ليس المنتج بمعنى المال فقط، بل الشخص الذي يفكر بالمشروع ككل: النص، الإخراج، التمثيل، والإنتاج.
اليوم كثير من الأعمال تُبنى على فكرة الترند، على ما سيُتداول، لا على ما سيبقى.
تقصد أن “الترند” يقتل القيمة الفنية؟
الترند لا يخدم الفن دائماً. ربما يخدم لحظياً، أو مادياً، لكنه لا يصنع عملاً فنياً حقيقياً. الفن يحتاج وقتاً، يحتاج صمتاً، يحتاج تفكيراً. أما الترند فهو سريع ينتشر بسرعة وينسى بسرعة.
لو خيرناك بين مسلسل جماهيري ضخم أو عرض مسرحي يعبر عنك، ماذا تختار؟
لا أضع قاعدة ثابتة. إذا كان المسلسل أفضل من المسرح، أختار المسلسل. وإذا كان المسرح أفضل، أختاره. بالنسبة لي المهم هو الفكرة.
أنا اليوم أشعر أنني أتحمل مسؤولية كفنان أمام الجمهور. وجودك في مساحة عامة يعني أنك مطالب بأن تقدم شيئاً له معنى، ليس مجرد ظهور.
كيف تنظر إلى المسرح مقارنة بالتلفزيون؟
المسرح بالنسبة لي هو مساحة الحرية الأكبر. في المسرح أنا أستطيع أن أكون المخرج، والكاتب، والممثل، وصاحب السؤال.
في التلفزيون أحياناً لا نجد نفس العمق. ليس دائماً طبعاً، لكن هناك مشاريع لا تطرح أسئلة حقيقية، بل تكتفي بالسطح.
أما المسرح فهو مساحة مواجهة مباشرة مع المجتمع، مع الأسئلة، مع الذات.
هل هذا يعني أنك ترفض التلفزيون؟
لا أبداً. أنا لم أرفض التلفزيون يوماً. لكنني مررت بمرحلة بدأت أسأل فيها نفسي: ما دوري كممثل؟ هل أريد أن أكون مجرد ممثل يؤدي نصاً؟ أم أريد أن أكون جزءاً من صناعة السؤال نفسه؟
لهذا وجدت نفسي أكثر في المسرح، وفي الكتابة، وفي المشاريع التي أستطيع أن أضع فيها رؤيتي.
هناك حديث عن أزمة كتابة في الدراما السورية، ما رأيك؟
المشكلة ليست فقط في الكتابة. المشكلة في المنظومة كلها. نحن بحاجة إلى صناعة متكاملة، إلى منتج فني حقيقي.
الكتابة وحدها لا تكفي، والإخراج وحده لا يكفي، والتمثيل وحده لا يكفي. كل هذه العناصر تحتاج أن تُبنى معاً داخل مشروع واحد.
ماهي نصيحتك للشباب الذين دخلوا الوسط الفني مؤخراً؟
أنصحهم أن يجربوا كل شيء. في هذه المرحلة، يجب أن يعملوا في المسرح، التلفزيون، السينما، أي شيء.
هذه الفترة هي فترة اكتشاف. لاحقاً لن يكون هناك ذات الوقت والطاقة.
المهم أن يعرفوا لماذا يعملون، لا فقط أن يعملوا.
هل مررت بمرحلة تفكير بالاعتزال؟
يصمت قليلاً قبل أن يجيب: ليست اعتزالاً بمعنى الانسحاب، لكنها مرحلة إعادة تفكير. الحياة ليست سهلة، خاصة عندما تكون مسؤولاً عن عائلة، وعن حياة، وعن واقع اقتصادي صعب.
لكنني لا أرى نفسي خارج الفن. ربما أغير الشكل، لكن الفكرة تبقى.
وبالمناسبة أنا لم أفكر يوماً أن أكون ممثلاً، ولم يكن مشروعي دخول عالم التمثيل.
ماذا تقول اليوم بعد كل هذه السنوات
أقول إن الفن ليس وظيفة. هو سؤال مستمر. وكل مرحلة من حياتي كانت محاولة للإجابة عنه، أو للهروب منه أحياناً.
لكن في النهاية… نحن لا نهرب من الفن، نحن نعود إليه دائماً بشكل مختلف.










