في ظل تصاعد ظاهرة أعمال الانتقام التي تُنفَّذ خارج إطار القضاء في سوريا، يفتح هذا الحوار نقاشاً أوسع حول الأبعاد القانونية والاجتماعية لهذه الممارسات، وما تثيره من تحديات تمسّ سيادة القانون والسلم الأهلي في مرحلة حساسة من تاريخ البلاد. كما يتناول الإشكاليات المرتبطة بغياب العدالة السريعة والفعّالة، وانعكاسات ذلك على ثقة المجتمع بالمؤسسات القضائية، وحدود التوازن بين مطالب الضحايا بالإنصاف وضرورة الالتزام بضمانات المحاكمة العادلة، إضافة إلى المخاطر التي قد تنشأ عن ترسيخ ثقافة الثأر بوصفها بديلاً عن العدالة المؤسسية.
وفي حوار خاص أجراه “963+” مع المحامي والباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام “فراس حاج يحيى”، للوقوف على الأبعاد القانونية والاجتماعية لظاهرة أعمال الانتقام خارج إطار القضاء، وانعكاساتها على الأمن المجتمعي ومستقبل العدالة في سوريا. كما يتناول الحوار مسؤولية المؤسسات الرسمية في مواجهة هذه الممارسات، وآليات حماية سيادة القانون والتحديات المرتبطة بتحقيق العدالة للضحايا دون التفريط بضمانات المحاكمة العادلة، إضافة إلى السبل الكفيلة بمنع ترسيخ ثقافة الثأر وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة في مرحلة تتطلب ترسيخ الاستقرار والمصالحة الوطنية.
وفي مايلي الحوار كاملاً:
كيف يقيّم القانون ما شهدته الأيام الأخيرة من عمليات انتقامية خارج إطار القضاء، وهل تُصنّف كجرائم فردية أم كتهديد مباشر للنظام العام والسلم الأهلي؟
من الناحية القانونية، لا يمكن تبرير أي فعل عقابي أو انتقامي يجري خارج إطار القضاء، مهما كانت الدوافع أو حجم الألم الذي يقف خلفه. فحق الملاحقة والعقاب في الدولة الحديثة يعود حصراً إلى القضاء والمؤسسات المختصة، وليس إلى الأفراد أو الجماعات.
في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن سوريا خرجت من سنوات طويلة من الانتهاكات والعنف، وأن كثيراً من الضحايا وذويهم ما زالوا ينتظرون الحقيقة والمحاسبة مع تباطؤ انطلاق عملية العدالة الانتقالية في سوريا. لذلك من المهم التفريق بين تفهم مشاعر الغضب والألم لدى الضحايا، وبين إعطاء شرعية قانونية لأفعال الانتقام. فالأول واجب إنساني، أما الثاني فيقود إلى تقويض فكرة العدالة نفسها.
برأيي، الخطر لا يكمن فقط في هذه الأفعال كجرائم فردية، بل في تحولها إلى ظاهرة أو إلى وسيلة بديلة عن القضاء. عندها نكون أمام تهديد مباشر للسلم الأهلي وسيادة القانون، لأن المجتمعات لا تُبنى على الثأر بل على عدالة مؤسسية قادرة على محاسبة الجناة وإنصاف الضحايا في الوقت نفسه.
ما التأثير القانوني والمجتمعي لهذه الأفعال على مفهوم “سيادة القانون” في سوريا، خاصة في ظل الحديث عن مرحلة جديدة يفترض أن تقوم على المؤسسات؟
سيادة القانون لا تعني فقط وجود قوانين ومحاكم، بل تعني قبل كل شيء أن الجميع يخضع للقانون وأن الدولة وحدها تحتكر سلطة تطبيقه. لذلك فإن أي ممارسة للعقاب خارج المؤسسات القضائية تُضعف ثقة الناس بفكرة الدولة نفسها، حتى لو كانت مدفوعة بمشاعر مفهومة لدى بعض الضحايا.
سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية للانتقال من منطق القوة والغلبة إلى منطق المؤسسات. وأخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو أن يقتنع الناس بأن العدالة لا تأتي من القضاء بل من المبادرات الفردية أو الجماعية. عندها نخسر أساس الدولة الحديثة قبل أن ننجح في بنائها.
لذلك فإن حماية سيادة القانون ليست مسألة قانونية فقط، بل هي شرط أساسي للاستقرار وبناء الثقة بين السوريين في المرحلة المقبلة.
إلى أي مدى يمكن أن يؤدي التساهل أو التبرير الشعبي لهذه العمليات إلى ترسيخ نمط من “العدالة الموازية” أو الفوضى القانونية؟
التاريخ يعلمنا أن أخطر ما يواجه المجتمعات الخارجة من النزاعات ليس الجريمة نفسها، بل تحولها إلى سلوك مقبول أو مبرر اجتماعياً. عندما يبدأ الناس بالاعتقاد أن العدالة يمكن أن تتحقق خارج القضاء، نكون أمام بداية ما يسمى بالعدالة الموازية، وهي في الحقيقة ليست عدالة بل استبدال للقانون بمنطق القوة وردود الفعل.
المشكلة أن هذا المنطق لا يتوقف عند حالة واحدة أو فئة واحدة، بل يتوسع تدريجياً ليشمل الجميع. فمن يبرر تجاوز القانون اليوم ضد خصمه قد يجد نفسه غداً ضحية لتجاوز مشابه.
لهذا السبب كانت كل تجارب العدالة الانتقالية الناجحة في العالم حريصة على الفصل بين حق الضحايا في العدالة وبين حق الأفراد في أخذ العدالة بأيديهم.
كيف يمكن تحقيق التوازن بين مطلب الضحايا بالعدالة السريعة، وبين ضرورة ضمان محاكمات عادلة تمنع الانزلاق نحو الانتقام؟
أعتقد أن هذا هو التحدي الأكبر الذي تواجهه سوريا اليوم. فالضحايا لا يطالبون بالانتقام بقدر ما يطالبون بالاعتراف بمعاناتهم وكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين. وكلما تأخرت العدالة أو بدت بعيدة المنال، ازدادت مشاعر الإحباط والغضب داخل المجتمع.
لكن في المقابل، لا يمكن بناء عدالة حقيقية على حساب ضمانات المحاكمة العادلة. لأن العدالة التي لا تحترم القانون تتحول سريعاً إلى شكل آخر من أشكال الظلم.
التوازن المطلوب هو تسريع إجراءات المحاسبة وكشف الحقيقة وتفعيل مؤسسات العدالة الانتقالية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة. هذا ما نجحت فيه تجارب مثل جنوب أفريقيا والمغرب بدرجات متفاوتة، وهو ما تحتاجه سوريا اليوم أكثر من أي وقت مضى.
ما مسؤولية الجهات الرسمية أو المحلية في منع هذه الأفعال، ومتى يُعد التقاعس عن ضبطها إخلالاً بواجب حماية الأمن والاستقرار المجتمعي؟
مسؤولية الجهات الرسمية والمحلية هنا أساسية، لأن حماية الأمن والسلم الأهلي ليست مسألة اختيارية، بل هي من صميم وظيفة الدولة. أي سلطة عامة، سواء كانت مركزية أو محلية، عليها واجب منع الاعتداءات، وحماية الأشخاص، وضمان أن تتم الملاحقة والمحاسبة عبر القضاء لا عبر الشارع أو ردود الفعل الفردية.
ويصبح التقاعس خطيراً عندما تكون الجهات المعنية على علم بوجود تهديدات أو توترات محلية، ثم لا تتدخل بالسرعة الكافية لمنع العنف أو احتوائه. في هذه الحالة لا نتحدث فقط عن ضعف إداري، بل عن إخلال بواجب حماية النظام العام، لأن ترك الأمور تتطور قد يفتح الباب أمام دورات ثأرية يصعب ضبطها لاحقاً.
لكن في المقابل، يجب ألا يكون تدخل الدولة أمنياً فقط. المطلوب.
ما هي المخاطر طويلة الأمد لانتشار ثقافة الثأر خارج إطار القانون على وحدة المجتمع السوري وإمكانية تحقيق مصالحة وطنية حقيقية؟
الخطر الأكبر أن يتحول الثأر من رد فعل على جرح حقيقي إلى ثقافة سياسية واجتماعية دائمة. عندها لا يعود المجتمع منقسماً فقط بين ضحية وجلاد، بل تبدأ دوائر أوسع من الخوف والاتهام والانتقام المتبادل. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في سوريا، لأن البلد خرج من حرب طويلة، والنسيج الاجتماعي أصلاً منهك ومثقل بالذاكرة والدم والتهجير والمفقودين.
من الناحية القانونية، الثأر خارج القضاء يضرب مبدأ المسؤولية الفردية، وهو مبدأ أساسي في العدالة الحديثة. أي أن من ارتكب جريمة يُحاسب هو، لا عائلته ولا طائفته ولا منطقته ولا جماعته الاجتماعية. إذا فقدنا هذا المبدأ، ننتقل من عدالة جنائية إلى عقاب جماعي مقنّع، وهذا يفتح الباب أمام تفكك المجتمع بدل ترميمه.
ما الخطوات القانونية العاجلة التي يجب اتخاذها لاحتواء هذه الظاهرة، وإعادة الثقة بمؤسسات العدالة، ومنع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً؟
في المراحل الانتقالية لا يكفي أن تقول الدولة للناس: لا تنتقموا. عليها أن تثبت لهم أن العدالة بدأت فعلاً. لأن الفراغ بين الجريمة والمحاسبة هو المساحة التي يولد فيها الثأر. لذلك أول خطوة عاجلة هي إعلان مبدأ واضح: لا شرعية لأي عقاب خارج القضاء، ولا حصانة لأي متورط في الانتهاكات.
ثانياً، يجب فتح مسار قضائي وانتقالي سريع ومرئي. تحقيقات شفافة في الحوادث الأخيرة، مكاتب لتلقي شكاوى الضحايا في المحافظات، حماية للشهود، تصنيف قانوني للمتورطين، وإحالة الملفات الجدية إلى قضاء مختص. العدالة الانتقالية لا تعني الانتظار الطويل، بل تعني عدالة منظمة، متدرجة، ومرئية للناس.
.ثالثاً، لا بد من تحويل العدالة من خطاب إلى مؤسسة حاضرة في حياة السوري.










