لم تكن الصحافة في سوريا، خلال عقود حكم البعث، مهنة تعمل داخل فضاء عام مستقل، بقدر ما كانت جزءًا من البنية السياسية والأمنية للدولة. لكن ما بدأ طويلاً بوصفه نظاماً للرقابة والإخضاع، انتهى بعد 2011 إلى واقع أكثر عنفاً، تحوّل فيه العمل الصحافي إلى نشاط شديد الخطورة، يدفع أصحابه نحو الاعتقال أو القتل أو المنفى أو الانكفاء الكامل عن المهنة.
إعلام تحت السيطرة
منذ ترسخ حكم البعث، خضع الإعلام السوري لسيطرة سياسية وأمنية مباشرة، فيما كرّس قانون المطبوعات لعام 2001 احتكار الدولة للإعلام عبر قيود صارمة على الترخيص والملكية والمحتوى، ما حوّل الصحافة إلى مساحة محدودة لا تسمح إلا بهوامش ضيقة من النقد ضمن معادلة الولاء أو الصمت.
وفي هذا السياق، يقول المحامي محمد حسام السرحان، عضو مجلس الإدارة في مركز الكواكبي للعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان وعضو نقابة المحامين فرع إدلب، لـ”963+” إن حرية التعبير وحرية الصحافة في سوريا “لم تكونا يوماً محل نقاش حقيقي”، مشيراً إلى أن المؤسسة الإعلامية قبل عام 2011 كانت خاضعة بشكل كامل لسيطرة السلطة الحاكمة.
ويوضح السرحان أن السلطة لم تكن تسمح بتوظيف أي صحفي “لا يسير في خطها السياسي والإعلامي”، كما لم يكن مسموحاً بنشر أي رأي أو مقال يخالف توجهاتها الرسمية، مضيفاً أن “أي صوت يخرج عن الإطار المرسوم كان يواجه خيارات محددة، أبرزها الفصل من العمل أو الاعتقال أو الفصل التعسفي”.
الرقابة كآلية حياة
شكّل المرسوم التشريعي 50 لعام 2001 إطارًا حاسمًا لتقييد الإعلام في سوريا قبل 2011، إذ فرض قيودًا واسعة على المحتوى ومنع حتى المطبوعات غير السياسية من تناول الشأن السياسي، ومنح وزارة الإعلام صلاحيات واسعة في الترخيص وتغيير الإدارات، ما دفع الصحافيين إلى العمل ضمن الإعلام الرسمي أو هامش رقابي ضيق أو الانسحاب، ورسّخ “التهذيب الذاتي” عبر خطوط حمراء واضحة شملت الجيش والأمن والرئاسة والطوائف والفساد، فغلب على الإعلام إعادة إنتاج خطاب السلطة بلغة غير صدامية وخدمية.
ويقول محمد الحلاق، نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية ونائب رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق سابقاً، لـ”963+” إن الإعلام السوري خلال فترة حكم البعث كان يعمل ضمن “خطوط حمراء كثيرة”، مشيرًا إلى أن التصريحات الصحفية والمحتوى الإعلامي كانا يخضعان لتدقيق ومراقبة صارمين قبل النشر أو البث.
ويوضح الحلاق أن كثيراً من التصريحات التي كانت تُمنح للصحافة “لم تكن تخرج كما قيلت أصلاً”، بسبب عمليات التدقيق والرقابة، مضيفاً أن التحقيقات الاستقصائية التي كان يعمل عليها الصحفيون “بعد جهد وتعب كبيرين” كانت تتعرض أحياناً للمنع أو التأخير الطويل، ما يفقدها قيمتها وتأثيرها.
ويضيف أن القيود لم تكن تقتصر على مضمون الأسئلة والأجوبة فقط، بل شملت أيضاً الأشخاص الذين يُسمح لهم بالظهور الإعلامي، موضحاً أنه تعرض شخصياً في بعض الأحيان للاعتذار عن استضافته في برامج إعلامية بعد موافقات أولية، بسبب مواقف أو حلقات سابقة اعتُبرت غير مرغوبة من قبل الجهات المشرفة.
ويشير الحلاق إلى أن الظهور الإعلامي كان يتم “على فترات متباعدة”، وأن المتحدثين كانوا يدركون وجود حدود لا يمكن تجاوزها، مضيفاً: “كنا نحاول أن نتحدث بحذر، وأن نوازن في الكلام، لأن كل شخص في النهاية سيعود إلى بيته، وكان الجميع يدرك حساسية تجاوز الخطوط الحمراء”.
ويؤكد الحلاق أن الصحفيين أنفسهم كانوا يواجهون ضغوطاً ومشكلات مستمرة، لافتاً إلى أن كثيراً من المواد الصحفية كانت تُمنع من النشر بعد وصولها إلى رؤساء التحرير أو الجهات الرقابية، حتى بعد الانتهاء من إعدادها وتدقيقها.
وهذا الواقع جعل سوريا تدخل سنوات الحرب بقطاع إعلامي ضعيف الاستقلال، محدود الخبرة في النقد الحر، ومرتبط إلى حد بعيد بالمؤسسة الرسمية.
2011.. التحول من الرقابة إلى الاستهداف
مع اندلاع الاحتجاجات السورية عام 2011، تغيّرت العلاقة بين السلطة والصحافيين بصورة جذرية. فالمراسل أو المصور الذي كان يخضع سابقاً للرقابة، أصبح يُنظر إليه بوصفه شاهداً محتملاً على الانتهاكات، أو ناقلاً لرواية مخالفة للرواية الرسمية.
وسرعان ما تحوّل العمل الصحافي إلى نشاط محفوف بالمخاطر. الاعتقال، والإخفاء القسري، والتعذيب، والقتل، أصبحت مصائر متكررة للعاملين في الإعلام، في وقت وصفت فيه منظمة “مراسلون بلا حدود” سوريا بأنها واحدة من أخطر البيئات في العالم على الصحافيين.
وفي هذا السياق، يقول السرحان إن المشهد تغيّر بصورة أكثر عنفاً بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، إذ “انتقلت السلطة من سياسة كتم الصوت إلى سياسة تصفيته جسدياً”، مؤكداً أن استهداف الصحفيين السوريين والأجانب أصبح “مباشراً ومنهجياً”.
ويبيّن أن الانتهاكات شملت “القصف المركز على أماكن وجود الصحفيين، وقنص الطواقم الميدانية التي ترتدي شارة الصحافة، إضافة إلى تصفية كل من يقع في قبضة الأجهزة الأمنية أو الميليشيات التابعة لها بعد تعرضه للتعذيب”.
الاعتقال والإخفاء
كان الاعتقال أحد أكثر المصائر قسوة، لأنه غالباً لم يكن محدداً بزمن، وقد ينتهي بالإخفاء القسري أو الموت تحت التعذيب.
ووثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، منذ عام 2011 وحتى 2024، مقتل 717 صحافياً وعاملاً في المجال الإعلامي، إضافة إلى 1358 حالة اعتقال وخطف، مع استمرار وجود 486 شخصاً على الأقل رهن الاعتقال أو الاختفاء القسري.
وتشير هذه الأرقام إلى أن استهداف الصحافيين لم يكن حالات فردية معزولة، بل نمطاً مستمراً ارتبط بسنوات الحرب. كما رصدت لجنة حماية الصحافيين تعرض إعلاميين للاعتقال ليس فقط بسبب التغطية المباشرة، بل أحياناً بسبب الاشتباه بعلاقتهم بالتصوير أو نقل المواد الإعلامية.
ولفت السرحان إلى أن الاستهداف “لم يقتصر على الصحفي نفسه”، بل امتد، بحسب تعبيره، إلى عائلته وممتلكاته، عبر “مصادرة أملاك الصحفيين، وإصدار أحكام غيابية بحقهم، واعتقال أفراد من أسرهم كوسيلة ضغط وانتقام”.
ويؤكد أن هذه الممارسات حولت سوريا خلال سنوات الحرب إلى “واحدة من أخطر دول العالم على الصحفيين”، وفق توصيفات وتقارير المنظمات الدولية المعنية بحماية حرية الصحافة.
القتل بوصفه إسكاتاً للشهادة
لم يكن الاعتقال وحده المصير السائد، بل تحوّل القتل أيضاً إلى وسيلة لإسكات الشهود على الحرب.
وبحسب تقارير حقوقية، تعرض صحافيون للاستهداف عبر القصف أو الاغتيال أو القنص أو الموت تحت التعذيب، على يد أطراف متعددة في النزاع، فيما كانت الحصيلة الأكبر مرتبطة بالنظام السوري وفصائل مسلحة أخرى خلال سنوات الحرب.
وهذا الواقع غيّر موقع الصحافي نفسه؛ فلم يعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبح بالنسبة لأطراف الصراع عنصراً يمكن استهدافه لمنع وصول المعلومات إلى المجتمع.
ومع تضييق المجال داخل سوريا، انتقل جزء كبير من العمل الإعلامي السوري إلى الخارج. غادر صحافيون إلى تركيا ولبنان والأردن ودول أوروبية، وبدأوا العمل عبر منصات مستقلة أو شبكات إعلامية عابرة للحدود.
وهذا التحول منح بعضهم هامشاً أوسع من الحرية التحريرية، لكنه فرض في المقابل تحديات جديدة، بينها الاعتماد على التمويل الخارجي، وصعوبة الوصول إلى المصادر، وعدم الاستقرار القانوني، إضافة إلى الضغوط النفسية المرتبطة بالعيش والعمل في المنفى.
ويقول الحلاق إن سنوات الحرب وما رافقها من تضييق ومخاطر دفعت أعداداً كبيرة من الصحفيين السوريين إلى مغادرة البلاد، موضحاً أن كثيرين “غادروا سوريا ولم يعودوا إليها”، واتجهوا للعمل في مؤسسات وصحف خارجية بدل الاستمرار ضمن الصحافة السورية.
وبذلك، لم يكن الخروج من سوريا نهاية للخطر، بل انتقالاً إلى شكل آخر من العمل تحت الضغط، لكن بأدوات مختلفة.
وفي المقابل، اختار بعض الصحافيين الانسحاب الكامل من المجال الإعلامي. لم يغادروا البلاد، ولم يُعتقلوا، لكنهم توقفوا عن العمل الصحافي بفعل الخوف أو انهيار البيئة المهنية.
ويعود ذلك إلى عوامل متعددة، منها الخشية من الاعتقال أو الانتقام من العائلة، فضلاً عن تدهور سوق العمل الإعلامي داخل البلاد، وتراجع الأجور، وانهيار المؤسسات الصحافية التقليدية.
وفي هذا السياق، لم يعد الانكفاء مجرد قرار فردي، بل نتيجة مباشرة لبيئة باتت تعاقب تداول المعلومات وتكافئ الصمت.
وأكبر التحولات التي شهدتها الصحافة السورية تمثلت في انتقالها من مهنة مرتبطة بمؤسسات الدولة إلى ممارسة مشتتة بين الداخل والمنفى والمنصات الرقمية.
فقبل الحرب، كان الصحافي يعمل غالباً ضمن مؤسسة معروفة وحدود واضحة، أما بعد 2011، فأصبح كثير من الإعلاميين يعملون كأفراد أو فرق صغيرة، أو متعاونين مع منصات دولية من خارج البلاد.
ورغم أن هذا الواقع أتاح تنوعاً أكبر في الروايات والموضوعات، فإنه جعل المهنة أكثر هشاشة، وأقل استقراراً، في ظل غياب الحماية القانونية والمؤسساتية.










