عاد ملف المقاتلين الأجانب في سوريا إلى صدارة المشهد السياسي والأمني، عقب سلسلة تطورات متسارعة شهدتها البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، تمثلت في تصاعد الجدل حول مستقبل آلاف المقاتلين الأوزبك والآسيويين والأجانب المنخرطين سابقاً ضمن فصائل مسلحة، بالتزامن مع تحركات تقودها السلطات الانتقالية لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية.
وتزايدت حساسية هذا الملف بعد تسريبات وتقارير تحدثت عن توجهات لدمج أعداد من المقاتلين الأجانب ضمن تشكيلات عسكرية رسمية، الأمر الذي أثار مخاوف إقليمية ودولية من تداعيات هذه الخطوة على مستقبل الاستقرار في سوريا والمنطقة.
وترافقت هذه التطورات مع حملات أمنية شهدتها مناطق في شمال غربي سوريا، خاصة في إدلب، استهدفت عدداً من المقاتلين الأجانب، وسط حالة استنفار أمني وتوترات داخل بعض الفصائل المسلحة.
كما أعادت هذه الأحداث طرح تساؤلات معقدة حول حجم نفوذ المقاتلين الأجانب داخل البنية العسكرية الجديدة، ومدى قدرة السلطات السورية على ضبط هذا الملف وتحويله من تهديد أمني عابر للحدود إلى ملف سيادي يخضع لمؤسسات الدولة والقانون.
وفي ظل الضغوط الدولية المتزايدة على دمشق لإيجاد تسوية واضحة لهذا الملف، تتباين الرؤى بشأن مستقبل هؤلاء المقاتلين، بين من يرى ضرورة دمج جزء منهم ضمن مؤسسات الدولة بشروط محددة، وبين من يحذر من مخاطر استمرار وجودهم، سواء على مستوى الأمن الداخلي أو على صعيد العلاقات الإقليمية والدولية لسوريا.
تهديدات السيادة والاستقرار
يقول الدكتور محمود حسين، الخبير بالشؤون الدولية والعربية لـ”963+”، إن عودة ملف المقاتلين الأوزبك والأجانب إلى الواجهة ترتبط بالتطورات الأخيرة في سوريا، حيث تسعى الحكومة السورية إلى تعزيز سيطرتها على الأراضي السورية وإعادة بناء مؤسسات الدولة. ويضيف أن الضغوط الإقليمية والدولية على دمشق لحسم هذا الملف قد تصاعدت، ولا سيما من جانب الدول الساعية إلى ضمان استقرار المنطقة.
ويشير إلى أن المقاتلين الأجانب يمتلكون نفوذاً واسعاً داخل بعض الفصائل المسلحة في سوريا، خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، إلا أن حجم تأثيرهم داخل المؤسسات الأمنية السورية ما يزال محدوداً.
ويرى د. محمود أن وجود المقاتلين الأجانب يشكل تهديداً مباشراً للسيادة السورية، إذ يمكن أن ينعكس سلباً على الاستقرار الداخلي ويعرض الأمن القومي للخطر. كما يوضح أن السلطات السورية قد تتجه إلى أحد ثلاثة خيارات للتعامل مع هذا الملف، تتمثل في دمج هؤلاء المقاتلين ضمن الجيش السوري، أو ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية، أو تفكيك تشكيلاتهم المسلحة.
ويلفت إلى أن القوى الإقليمية والدولية تنظر بقلق إلى ملف المقاتلين الأجانب، باعتباره عاملاً مؤثراً في الاستقرار الإقليمي، مشيراً إلى استمرار الضغوط على سوريا لحسم هذا الملف، خصوصاً من قبل الدول التي تعتبر إنهاءه ضرورة لضمان أمن المنطقة.
ويتابع أن وجود المقاتلين الأجانب قد ينعكس بصورة سلبية على الأمن الداخلي والمجتمع المحلي في المناطق السورية، إذ قد يؤدي إلى اندلاع صدامات وتوترات جديدة.
وفي ختام حديثه، يعتقد د. محمود أن حسم هذا الملف يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار في سوريا، لكنه يستدرك بأن ذلك يتطلب تعاوناً إقليمياً ودولياً يضمن عدم عودة المقاتلين الأجانب إلى الأراضي السورية مجدداً.
تعقيدات المرحلة الانتقالية
يقول الدكتور عبد القادر نعناع، أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية لـ”963+”، إن المرحلة الانتقالية في سوريا تشهد العديد من الملفات الشائكة والمستعصية التي تتطلب حلولاً جذرية، وفي مقدمتها ملف المقاتلين الأجانب، ومن بينهم الأوزبك. ويشير إلى أن عددهم، وفق تصريحات رسمية، يبلغ بضعة آلاف، بعدما وصل في ذروة العقد الماضي إلى نحو 40 ألف مقاتل.
ويضيف أن الحجم الفعلي لوجود هؤلاء المقاتلين ما يزال غير واضح لوسائل الإعلام، إلا أن بعض التسريبات غير الرسمية ترجح بقاء ما يقارب 10 آلاف مقاتل أجنبي، معظمهم من دول آسيا الوسطى.
ويعتبر أن وجود هؤلاء المقاتلين في سوريا يرتبط بعاملين أساسيين؛ أولهما أيديولوجي يتمثل في السعي إلى إقامة “دولة إسلامية” في سوريا لتكون منصة جهادية نحو الشرق الأوسط والعالم، وثانيهما أمني يتعلق بتوفير ملاذ آمن لهم بعيداً عن ملاحقة دولهم التي تتهمهم بالإرهاب. ومن هذا المنطلق، يرى أن هذا الوجود يشكل تهديداً للسيادة السورية ضمن شروط محددة.
ويشير إلى أن أول هذه الشروط يتمثل في وجود قبول دولي، ولا سيما من جانب الولايات المتحدة، إذ تتحدث تسريبات عن موافقة واشنطن على دمج نحو 3500 عنصر أجنبي في الجيش السوري، معظمهم من الأيغور والأوزبك. ويعتقد أن هذا الأمر قد يُفهم في إطار إعادة توظيف هذه العناصر مستقبلاً في صراعات إقليمية أو دولية بوصفهم وكلاء في حروب غير مباشرة.
أما الشرط الثاني، فيتعلق، بحسب نعناع، بوصول بعض هذه العناصر إلى مواقع قيادية داخل الجيش السوري الجديد، ما قد يؤدي إلى التأثير في إدارة البلاد وفق توجهات غير وطنية، وبناء شبكات ولاء على هذا الأساس.
ويستطرد موضحاً أن العقيدة العسكرية السورية الجديدة لم تتبلور حتى الآن بصورة واضحة وشاملة، كما أن معايير الانتساب والترقيات داخل الجيش ما تزال غير شفافة، فضلاً عن أن الجيش السوري الحالي لا يزال يتألف من فصائل لم تنخرط بالكامل ضمن عقيدة عسكرية وطنية جامعة.
وينوه إلى أن تراجع العامل الأيديولوجي الذي برر وجود هؤلاء المقاتلين في سوريا قد يدفع بعضهم إلى التمرد على الواقع السوري الحالي، خاصة أن انفصال “جبهة النصرة” عن تنظيم “القاعدة” عام 2016 كان “تنظيمياً أكثر منه فكرياً أو عقائدياً”.
ويضيف أن ذلك يفتح الباب أمام احتمالات استمرار الارتباط العقائدي، وربما التنظيمي، لبعض هذه العناصر مع تنظيمات جهادية، ما قد يجعلها رأس حربة لتلك التنظيمات داخل سوريا، خصوصاً مع تصاعد الامتعاض من توجهات القيادات السابقة لـ”هيئة تحرير الشام” نحو تخفيف خطابها الديني المتشدد.
ويتابع أن عدداً من الدول الإقليمية يبدي تحفظات ومخاوف واضحة تجاه استمرار هذا الوجود، لا سيما أن معظم المقاتلين الأجانب ملاحقون من بلدانهم الأصلية، الأمر الذي يؤثر بصورة مباشرة على طبيعة العلاقات السورية مع عدد من الدول الإقليمية.
ويشير إلى أن السلطات الانتقالية السورية تبدو حتى الآن ملتزمة بخيار دمج غالبية هؤلاء المقاتلين ضمن القوات السورية، بالتوازي مع تفكيك تدريجي لتشكيلاتهم الخاصة، وربما تحييد أو اعتقال الشبكات الأكثر خطورة بينهم، إلا أنه يلفت إلى أن حجم عمليات التجنيس التي تمت أو قد تتم مستقبلاً ما يزال غير واضح.
كما يوضح أن حجم نفوذ هؤلاء المقاتلين داخل المؤسسات الأمنية لم يتحدد بصورة دقيقة حتى الآن، رغم تداول بعض الأسماء الأجنبية، مثل الأسترالي والمصري والأردني. ومع ذلك، يرى أن النفوذ العام ما يزال خاضعاً لسيطرة القيادات السورية أكثر من كونه نفوذاً مستقلاً، رغم وجود بعض الفرق العسكرية ذات الغالبية الأجنبية.
ويؤكد نعناع أن نجاح الحكومة المؤقتة في تحويل هذا الملف من عبء أمني عابر للحدود إلى ملف سيادي يخضع للمؤسسات السورية والرقابة البرلمانية، يشكل اختباراً أساسياً لنجاح مشروع إعادة بناء الدولة السورية خلال المرحلة الانتقالية. ويستدرك بأن الفشل في ذلك قد يقود إلى صدامات أكثر خطورة ذات طابع جهادي عقائدي، في ظل دولة ما تزال هشة أو حتى فاشلة.
وفي ختام حديثه، يشدد على أن الوصول إلى تسوية سلمية تراعي معايير حقوق الإنسان يتطلب بناء تسوية منسجمة مع القانون الدولي، إلى جانب إصدار قانون سوري جديد للتجنيس يعتمد معايير شفافة تطبق على جميع الحالات المشابهة، بما يجعل عمليات التجنيس شرعية وإنسانية.
كما يلفت إلى إمكانية الاستفادة من تجارب سابقة مشابهة، مثل البوسنة وليبيا والعراق والشيشان، ضمن نهج وطني مستقل عن الأبعاد الجهادية الدولية، بما يمنع تحول هذه الجماعات إلى قوى سياسية أو عسكرية أو اقتصادية موازية للدولة السورية.










