في اليوم الذي اجتمع فيه وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي السبع والعشرون في بروكسل، صوّتوا على قرار لم يكن أحد يتوقع أن يُرى في عقد من الزمن: إعادة تفعيل اتفاقية التعاون مع دمشق، تلك الاتفاقية التي رُفعت عنها الأيدي عام 2011 حين اندلعت شرارة الثورة السورية وتحوّلت إلى حرب لا هوادة فيها.
اليوم، وبعد أربعة عشر عاماً على ذلك القرار، يفتح الاتحاد الأوروبي أبوابه من جديد أمام سوريا؛ ليس بدافع المشاعر وحدها، بل بحسابات اقتصادية وجيوسياسية دقيقة يكشف عنها هذا التحقيق.
في خضم القرار: ماذا حدث في بروكسل؟ وماهي مشروطية الانفتاح: وما الذي تطلبه أوروبا في المقابل؟
صوّت مجلس الاتحاد الأوروبي، الذي يضم وزراء خارجية الدول الأعضاء، الاثنين 11 أيار، مايو 2026، على استئناف العلاقات التجارية الرسمية مع سوريا وإعادة تفعيل اتفاقية التعاون المُعلَّقة منذ عام 2011. ووصف المجلس القرار بأنه “خطوة مهمة نحو تعزيز العلاقات الثنائية” وإشارة سياسية واضحة على التزام أوروبا بدعم التعافي الاقتصادي السوري.
المحلل السياسي معن شهاب يرى أن هذا القرار لم يأتِ من فراغ، فقبل ذلك بأسابيع، في 20 نيسان 2026، تقدّمت المفوضية الأوروبية بمقترح رسمي لاستئناف الاتفاقية بشكل كامل، وهو ما مهّد الطريق أمام التصويت اليوم، وقبل ذلك في يناير 2026 زارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين دمشق، لتُعلن ثلاثة محاور لإطار التعاون الجديد: شراكة سياسية، وإطار للتعاون التجاري والاقتصادي، وحزمة دعم مالي بقيمة 620 مليون يورو للفترة 2026-2027.
يقول شهاب في تصريحات لـ”963+” إنه ووفق ما أُعلن، يشمل الدعم المالي المساعدات الإنسانية ودعم التعافي المبكر والمساعدة الثنائية، أما استئناف الاتفاقية فيعني رفع القيود عن استيراد المنتجات النفطية وبعض البضائع السورية، فضلاً عن الذهب والمعادن النفيسة والألماس.
مشيراً إلى أنه في عام 2011 تم تعليق الاتفاقية جزئياً على خلفية قمع نظام الأسد للثورة السورية، ثم مابين (2011-2024) أي 14 عاماً من العقوبات الاقتصادية وتراجع التبادل التجاري بصورة حادة، وفي فبراير 2025 تم رفع العقوبات عن قطاعات الطاقة والنقل والمصارف، وفي مايو 2025 تم رفع شامل للعقوبات الاقتصادية مع إبقاء عقوبات النظام السابق، وفي يناير 2026 زيارة فون دير لاين لدمشق والإعلان عن الإطار الجديد، ثم في 20 أبريل 2026، مقترح المفوضية الأوروبية لاستئناف الاتفاقية، وأخيراً في 11 مايو 2026 تصويت مجلس الاتحاد الأوروبي: إعادة تفعيل الاتفاقية رسمياً.
ويتابع شهاب لا ينبغي قراءة الاتفاقية بوصفها فعل “خير” دولي مجرّد من الحسابات، فالانفتاح الأوروبي ليس مجانياً ولا مطلقاً، فثمة ملف مشروطية متعدد الطبقات يتضمن حقوق الإنسان وحماية الأقليات والمرأة، وقد أعلنت المفوضية الأوروبية صراحةً أن كل خطوة تفتح بها تجاه دمشق مرتبطة بخطوة مقابلة في ملف الحريات والانتقال السياسي، وكذلك ملف الأكراد، حيث أن دعم الاتحاد الأوروبي لاتفاق يناير 2026 بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، يجعل استمرار تقدم هذا الملف شرطاً ضمنياً لتعميق العلاقة، وهناك أيضاً الإصلاح القانوني والمصرفي، فأوروبا تشترط بيئة تشريعية تحمي الاستثمار، وهذا يعني إصلاحات قضائية واقتصادية بعيدة المدى، والتأكيد على ملف مكافحة المخدرات والإرهاب، حيث صرّح المجلس الأوروبي بأن التعاون الأمني، لا سيما في مجال مكافحة تهريب الكبتاغون الذي أضحى ورماً على سمعة المنطقة، شرطٌ غير قابل للتجاوز.
ويرى شهاب أن أوروبا تتحرك من ثلاثة دوافع متشابكة، أولها ملف اللاجئين، حيث تستضيف دول الاتحاد الأوروبي قرابة مليوني لاجئ سوري، وتكلّفهم مليارات اليوروات سنوياً، ولعل إعادة الإعمار وانتعاش الاقتصاد السوري يعني إمكانية العودة الطوعية، مما يُخفف الضغط على الخزائن الأوروبية، والدافع الثاني هو وجود الممرات الاستراتيجية، فسوريا تقع على تقاطع طرق الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب، ومع تراجع الغاز الروسي عن أوروبا، تبحث القارة عن ممرات بديلة عبر الشرق الأوسط، وسوريا مفتاح هذه المعادلة الجغرافية، وأخيراً دافع المنافسة الجيوسياسية، فأوروبا لا تريد أن تترك الساحة السورية لتركيا وروسيا والصين والخليج، والانخراط الاقتصادي المبكر يمنح الأوروبيين موطئ قدم في مرحلة إعادة رسم خارطة المصالح.
بمعنى آخر كما يقول شهاب: “أوروبا لا تُقدّم هبة، بل تستثمر. والسؤال هو: هل تُحسن دمشق التفاوض على شروط هذا الاستثمار؟”
الاقتصاد: أرقام تكشف حجم الانهيار والأفق الممكن
لفهم حجم ما تعنيه هذه العودة، لا بدّ من قراءة الأرقام بصراحة، كما يقول الخبير الاقتصادي كمال الحسين في تصريح لـ”٩٦٣+” فقبل عام 2011، كان الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لسوريا، إذ كانت أوروبا تستوعب ما يقارب 22% من إجمالي تجارة سوريا الخارجية، ثم جاءت السنوات الأربع عشرة لتُجهز على تلك العلاقة، وفي عام 2024، لم يتجاوز إجمالي التبادل التجاري في السلع بين الاتحاد الأوروبي وسوريا 368 مليون يورو، في حين بلغت صادرات الاتحاد إلى سوريا 265 مليون يورو عام 2023، مقابل واردات متواضعة من سوريا لم تتجاوز 103 ملايين يورو في العام ذاته، وهذه الأرقام لا تعكس فجوة تجارية وحسب، بل تُجسّد الانهيار الكامل لمنظومة الإنتاج والتصدير السورية.
ويرى الحسين أن السؤال الحقيقي: هل تملك سوريا اليوم القدرة على ملء هذا الفراغ التجاري؟ أم أن القرار الأوروبي يسبق الواقع الإنتاجي السوري بسنوات؟
الإجابة الأمينة كما يقول “جزئياً” فسوريا تعاني من دمار واسع في البنية التحتية الصناعية والزراعية، وانعدام السيولة في القطاع المصرفي، ونقص في اليد العاملة الماهرة بفعل موجات النزوح، غير أن بعض القطاعات تُبدي مرونة ملحوظة، في مقدمتها الزيتون وزيت الزيتون، والصناعات الغذائية، أما باقي القطاعات مثل النفط والمشتقات، كان وضع ما قبل 2011 كان صادرات بمليارات الدولارات أما الوضع الراهن فإنتاج ضعيف جداً، وتقدير الأثر من الاتفاقية هو تدفق نقدي مباشر إن عاد الإنتاج، وقطاع الفوسفات والمعادن، فالأثر محدود حتى يُعاد تأهيل البنية، ولكن قطاع النسيج والملبوسات فهو جيد في المدى المتوسط.
ويؤكد الحسين أن إعادة تفعيل اتفاقية التعاون خطوة لا يمكن الاستهانة بها، فهذه الاتفاقية تعني بالملموس: إلغاء الرسوم الجمركية على معظم الصناعات السورية للدخول إلى السوق الأوروبية، ورفع القيود عن استيراد المنتجات النفطية والمعادن النفيسة والذهب، غير أن الأثر الفعلي مرهون بعوامل لا تملكها الاتفاقية وحدها: طاقة إنتاجية كافية، ومواصفات تصدير أوروبية صارمة تستوجب شهادات المنشأ والجودة والبيئة، وقطاع مصرفي قادر على تمويل التجارة وضمانات الدفع، وبنية لوجستية تُعيد الربط البحري والبري بين البلدين.
ويختم الحسين أن الاتفاقية تفتح الباب، لكن الدخول يحتاج إلى قدمين سوريتين راسختين، فهي لحظة تاريخية تحتاج إلى سياسة صناعية، والقرار الأوروبي اليوم ليس نهاية القصة، بل هو بدايتها الحقيقية، ولكن الترجمة الاقتصادية الفعلية على الأرض السورية لم تُكتب بعد، وما تحتاجه دمشق الآن ليس الاحتفال، بل خارطة طريق صناعية وتصديرية تُحدد القطاعات القادرة على الاستجابة السريعة، وبرنامجاً تأهيلياً للمؤسسات المصرفية، ومنظومة تشريعية تُيسّر الاستثمار الأجنبي دون أن تُسلّم مقاليد القرار لخارج الحدود، فأوروبا تمسك بعصا المشروطية وجزرة المليارات، وسوريا تمسك بجغرافيتها الاستراتيجية وشعبها المتعطش لإعادة البناء، والمعادلة ممكنة، لكنها تستلزم ذكاءً تفاوضياً.










