تعكس مجمل القراءات التحليلية أن الزيارة اللبنانية الأخيرة إلى سوريا تمثل مرحلة انتقالية في طبيعة العلاقة بين البلدين، تقوم على إعادة اختبار مسار التعاون من إدارة الملفات المتفرقة إلى محاولة بناء مقاربة أكثر انتظامًا وبراغماتية، في ظل تحولات داخلية وإقليمية معقدة تفرض إعادة ترتيب الأولويات الثنائية. وتشير هذه القراءات إلى أن المحور الأساسي للتحرك الحالي يتركز على الملفات التقنية ذات الطابع العملي، مثل ضبط الحدود، وإدارة ملف النازحين، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والنقل، باعتبارها نقاط تماس مباشرة بين البلدين يمكن تحقيق تقدم فيها بشكل تدريجي. وفي المقابل، يُنظر إلى هذا المسار على أنه ما يزال محكوماً بقيود سياسية داخلية في لبنان، وتغيرات بنيوية في سوريا، إلى جانب تأثيرات إقليمية ودولية واسعة، ما يجعل عملية الانتقال نحو شراكة مستقرة عملية طويلة ومعقدة أكثر من كونها تحولًا سريعًا، حيث تبدو المرحلة الراهنة أقرب إلى إعادة تشكيل هادئة للعلاقة على أساس الضرورات المشتركة والمصالح المتبادلة.
وكان قد استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم السبت، رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام والوفد المرافق له في قصر الشعب بدمشق، في زيارة وُصفت بأنها محطة جديدة في مسار إعادة تنظيم العلاقات السورية ـ اللبنانية.
وبحسب الوكالة السورية الرسمية للأنباء “سانا”، شارك في اللقاء وفدان وزاريان من البلدين، حيث جرى بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والأمني، إلى جانب تبادل وجهات النظر حول المستجدات الإقليمية والدولية.
وأكدت الرئاسة السورية خلال اللقاء وقوف دمشق إلى جانب لبنان ودعم استقراره على قاعدة الاحترام المتبادل للسيادة، فيما شدد الجانب اللبناني على التقدم المحقق في معالجة عدد من الملفات المشتركة.
وفي هذا السياق، تناولت التصريحات الرسمية والمواقف التحليلية عدة محاور رئيسية تعكس أبعاد الزيارة السياسية والأمنية والاقتصادية.
العلاقات السياسية وإعادة تموضع المسار الثنائي
يرى مراقبون أن الزيارة تأتي في إطار اختبار جديد لطبيعة العلاقة بين دمشق وبيروت، ومحاولة الانتقال من إدارة الملفات المتفرقة إلى مقاربة سياسية أكثر انتظاماً.
وفي هذا الإطار، يقول الدكتور حسان نصر فرج، المختص في العلوم الديبلوماسية والاستراتيجية لـ”963+”: إن المباحثات السورية ـ اللبنانية “تعكس تحولاً تدريجياً من إدارة الأزمات إلى بناء مقاربة براغماتية جديدة”، موضحاً أن العلاقة لم تعد محصورة بالتنسيق التقني، بل بإعادة تعريف الإطار السياسي الممكن بين البلدين.
ويضيف أن هذا التحول لا يزال محكومًا بثلاثة محددات رئيسية: طبيعة التحول الداخلي في دمشق، والانقسام اللبناني الداخلي حول العلاقة مع سوريا، إضافة إلى العامل الإقليمي والدولي الذي يجعل العلاقة “غير ثنائية بالكامل”.
ويشير إلى أن الزيارة تمثل “مرحلة اختبار” قد تفضي لاحقًا إلى قنوات مؤسساتية أكثر استقراراً، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الشراكة السياسية المستدامة.
التعاون الاقتصادي والطاقة وإعادة الإعمار
برز البعد الاقتصادي كأحد أهم محاور الزيارة، مع بحث ملفات الطاقة والتجارة وإعادة تأهيل البنى التحتية العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، أعلن وزير الطاقة اللبناني جوزيف الصدي عن خطة لإعادة تأهيل جزء من خط الغاز العربي الممتد من دير عمار باتجاه الحدود السورية بطول 30 كيلومترًا، على أن تنجز الأعمال خلال 3 إلى 4 أشهر، ضمن اتفاق ثلاثي مع مصر يشمل إعادة تشغيل أنظمة التحكم والتجهيزات الفنية.
وأوضح الصدي أن هذه الخطوة تمثل تمهيدًا لعودة لبنان تدريجيًا إلى الاعتماد على الغاز الطبيعي، مشيرًا إلى أن التنسيق مع سوريا ضروري لضمان مرور الإمدادات، بالتوازي مع اتفاقيات مع مصر والأردن.
وتزامن ذلك مع زيارة الوفد اللبناني إلى دمشق، حيث طُرحت ملفات النقل والطاقة والتجارة كأولويات في التعاون الثنائي.
الملفات التقنية والحدودية وإدارة الأزمات
شكلت القضايا الحدودية والملفات التقنية محوراً أساسياً في النقاشات، لا سيما ضبط المعابر، التهريب، والنازحين.
ويقول الخبير الاقتصادي في جامعة حلب عبد الحميد صباغ لـ”963+”: إن الزيارة تركز على “الملفات التقنية المرتبطة بضبط العلاقات وإعادة تموضع سوريا إقليمياً”، موضحاً أن الطرفين يتجهان نحو إعادة صياغة العلاقة على أساس عملي يشمل ضبط الحدود البرية والبحرية ومكافحة التهريب وتنظيم ملف النازحين.
ويضيف أن هذه الملفات تندرج ضمن “إعادة تشكيل المشرق”، حيث تسعى سوريا لتعزيز دورها الإقليمي، بينما يحاول لبنان تحقيق استقرار اقتصادي وأمني.
ويشير إلى أن الاتفاقات المرتقبة في مجالات المعابر والعمالة والحدود قد تتيح تفاهمات فنية قابلة للتنفيذ، لكنها تحتاج إلى دعم وتمويل دولي، خاصة في ملف النازحين.
وفي السياق الأمني، يوضح العميد ناجي ملاعب، الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية في بيروت، لـ”963+” أن الزيارة أسست لمسار “إعادة بناء الثقة” بين البلدين، من خلال ملفات مثل تبادل الموقوفين، حيث جرى الاتفاق على إعادة نحو 300 موقوف سوري من لبنان، مع بحث ملف يتجاوز 2500 موقوف آخرين.
ويضيف أن من أبرز نتائج اللقاءات أيضًا تعزيز ضبط المعابر الحدودية، وإعادة تأهيل البنى التحتية، وتشكيل لجان مشتركة للنقل وسكك الحديد والرسوم الجمركية.
ويشدد على أهمية إدخال تقنيات مراقبة حديثة وربط غرف عمليات مشتركة لضبط الحدود، معتبرًا أن التحدي الأساسي يتمثل في منع انتقال السلاح والذخائر، وهو ما يشكل “اختبار الثقة الحقيقي” بين الطرفين.
البعد الإقليمي ومحددات العلاقة المستقبلية
تتقاطع المباحثات السورية ـ اللبنانية مع سياقات إقليمية أوسع تشمل النفوذ الإقليمي وتوازنات القوى في المنطقة.
وفي هذا الإطار، يشير الدكتور حسان نصر فرج إلى أن العلاقة لم تعد شأناً ثنائياً فقط، بل باتت مرتبطة بتوازنات تشمل إيران وتركيا والدول الخليجية والولايات المتحدة، إضافة إلى ملفات العقوبات وإعادة الإعمار، ما يفرض سقفًا سياسيًا على أي تقارب شامل.
ويضيف أن الأزمات الاقتصادية في البلدين تدفع نحو مزيد من البراغماتية، حيث تحتاج سوريا إلى منافذ اقتصادية عبر لبنان، فيما يحتاج لبنان إلى عمقه البري السوري.
وتشير مجمل المواقف إلى أن زيارة نواف سلام إلى دمشق تمثل خطوة متقدمة في مسار إعادة بناء العلاقات، لكنها لا تزال في إطار “إدارة الضرورات” أكثر من كونها انتقالاً نهائياً إلى شراكة استراتيجية مستقرة.
ويرى المراقبون أن أهمية الزيارة تكمن في كونها تفتح الباب أمام تحويل الملفات التقنية والاقتصادية إلى مسارات مؤسساتية، قد تؤسس لاحقاً لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين على أساس المصالح المتبادلة والسيادة المتوازنة، بدلاً من منطق النفوذ أو القطيعة










