في السابع من الشهر الجاري، رفعت الشركة السورية للبترول أسعار المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين 17% و30%، في صدمة سعرية لم تتوقعها الأسواق، البنزين بنوعيه والمازوت والغاز المنزلي والصناعي، كلها تراجعت أمام الدولار دفعةً واحدة.
الأرقام تبدو باردة حين تُقرأ في نشرة سعرية، لكنها تتحول إلى مأساة حين تُقاس بأجر الموظف. الموقف الرسمي يُلخّصه مسؤول حكومي اعترف بصعوبة القرار على المواطنين لكنه وصفه بـ”الضرورة الاقتصادية” في ظل الظروف الراهنة، مضيفاً أن الشارع السوري مدعو إلى “تفهم الدوافع” رغم إقراره بأن نتائجه ستكون قاسية.
في المقابل، يُجمع الخبراء الاقتصاديون على أن القرار كان يجب ألا يأتي منفرداً، ويطالبون بحزمة إجراءات مرافقة: دعم النقل العام، وبطاقات نقل مخفضة للطلاب وكبار السن، ودعم المحروقات للمزارعين والقطاعات الإنتاجية الهشة.
فكيف انتقلت آليات الصدمة من محطة الوقود إلى سلة الغذاء، ومن مداخن المصانع إلى حقول القمح، ومن خزان الشاحنة إلى جيب العامل السوري؟ وهل وُجّهت نحو بناء شبكات أمان اجتماعية تحمي من تقع عليهم تكاليف هذه السياسة؟
اقرأ أيضاً: الشركة السورية للمشتقات النفطية تبرر تعديل أسعار المشتقات النفطية – 963+
القرار الذي هزّ السوق.. الأرقام والتفاصيل!
لم يكن السوريون قد أنهوا فنجان قهوة الصباح حين أعلنت الشركة السورية للبترول، في السابع من مايو 2026، عن تعديل شامل لأسعار المشتقات النفطية. جاء البيان الرسمي جافاً، مُعلِّقاً القرار بـ”إدارة استدامة الخدمة وضمان استمرارية التوريد”. لكن في الأسواق، كان الوقع مختلفاً تماماً.
الأسعار الجديدة جاءت برفع مباشر للقيمة الدولارية للمواد النفطية، وهو ما كشف عنه ثبات سعر صرف نشرة الشركة عند 133 ليرة للدولار، أي أن الزيادة ليست محض انعكاس لتذبذب الصرف، بل قرار إداري بامتياز، وحسب نشرة الشركة السورية للبترول — 7 مايو 2026 أصبحت الأسعار الجديدة بنسب متفاوتة في الزيادة كما يلي: مادة مازوت (ليتر) كانت 0.75 $ وأصبحت 0.88 $ أي بنسبة الزيادة 17.3%
أما مادة بنزين 90 (ليتر) فكانت 0.85 $ وأصبحت 1.10 $ أي بنسبة الزيادة 29.4%
أما مادة بنزين 95 (ليتر) فكانت 0.91 $ وأصبحت 1.15 $ أي بنسبة الزيادة 26.4%
أما مادة غاز منزلي (أسطوانة) فكانت 10.5$ وأصبحت 12.5 $ أي بنسبة الزيادة 19%
أما مادة غاز صناعي (أسطوانة) فكانت 16.8 $ وأصبحت 20 $ أي بنسبة الزيادة 19%
أسباب تراكمت حتى انفجرت
الجواب الرسمي يبدأ من مكتب وزارة الطاقة، مصادر في الوزارة أكدت أن القرار جاء نتيجة مباشرة لتقلب أسعار النفط عالمياً وارتفاع تكاليف الاستيراد، ولا سيما بعد تحرير مناطق شرق سوريا ومحاولة إعادة تأهيل حقول الجزيرة التي تتطلب ما بين سنتين وأربع سنوات، وسوريا تعتمد حالياً على الاستيراد لتغطية جزء جوهري من احتياجات الطاقة، وهو ما يكلّف الخزينة نحو 20% من الإنفاق العام، وهو رقم مرشح للارتفاع بفعل تكاليف الشحن والتأمين البحري، فضلاً عن تداعيات العقوبات وصعوبات التمويل.
الخبير الاقتصادي خالد المحمد يقول في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن ثمة معطى لا يُذكر في البيانات الرسمية، فقرار تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 الذي خفّض الأسعار بنسبة 21%، ورفع التغذية الكهربائية إلى أكثر من ثماني ساعات يومياً، هذا الانخفاض لم يدم طويلاً، إذ تبيّن أن كلف الاستيراد واصلت ارتفاعها، فأتى القرار الجديد ليلغي ما منحه سلفه، لذلك رفع أسعار المحروقات بات ضرورة مالية واقتصادية لتقليل الفجوة بين تكلفة الاستيراد الحقيقية وسعر البيع المحلي المدعوم، لكن المشكلة الأساسية تبقى في ضعف الدخول”.
ويتابع المحمد أن المحروقات ليست سلعة عادية، إنها الشريان للاقتصاد، فهي تدخل في تشغيل المصانع والمولدات والمركبات وضخ المياه والزراعة والنقل، والمشتقات النفطية تدخل مباشرة أو بصورة غير مباشرة في ما يزيد على 95 سلعة في السوق السورية.
ويشير إلى أن القطاع الصناعي يتحمل عبء مركّب، فالمصانع هي أولى الضحايا. كلفة تشغيل المنشآت الصناعية ترتفع بنسبة تتراوح بين 15% و25%، ويشمل الضرر: وقود المولدات بديلاً عن انقطاع الكهرباء، وتشغيل المعدات، وتكاليف النقل الداخلي التي تقفز بما بين 20% و30%، أما بالنسبة للورش والمعامل الصغيرة، وهي عماد الاقتصاد السوري، فالخطر أشد، فهذه المنشآت لا تملك هامش ربح يستوعب الصدمة، فتجد نفسها أمام خيارَين لا ثالث لهما: رفع الأسعار لتحميل المستهلك التكلفة، أو تقليص الإنتاج.
ويضيف الخبير الاقتصادي بأن القطاع الزراعي تلقى ضربة في العصب الغذائي للمواطن السوري، فالزراعة في سوريا لا تعمل بالشمس والمطر وحسب، بل بالوقود: محركات الري، والجرارات، وصهاريج نقل المحاصيل، وارتفاع سعر المازوت، وهو الوقود الزراعي الأساسي، من 0.75 إلى 0.88 دولار للتر يضع المزارعين أمام معادلة خاسرة: التكلفة ترتفع والأسعار البيعية لا ترتفع بالوتيرة ذاتها، وهذا يتطلب دعم المحروقات للمزارعين وصهاريج المياه تحديداً، إذ إن ترك هذا القطاع من دون حماية موازية يعني انتقال التضخم الطاقوي إلى صحن الغذاء مباشرةً.
أما قطاع النقل، فيرى المحمد أنه المُضاعِف الصامت لكل الأسعار، فقبل أن تصل الخضروات إلى بسطة السوق، تمر بشاحنة تعمل بالمازوت، وقبل أن يصل العامل إلى مصنعه، يركب سرفيساً يحتاج إلى بنزين، لهذا كان رد فعل الشارع فورياً على قرار زيادة أسعار المحروقات لأنه لامسها مباشرة بنفس اللحظة
ولم تتأخر ردود الفعل الشعبية، ضجّت منصات التواصل الاجتماعي بعبارات الاستنكار. وصف كثيرون القرار بأنه “حرب على الفقراء”، فيما طالب آخرون بتوضيح حول وجهة الأموال المُجمَّعة من هذا الرفع.
تقارير ميدانية لـ”963+” رصدت ارتفاعاً طفيفاً في أجور النقل بين المحافظات وداخل المدن الكبرى، وارتفاع أسعار بعض السلع الغذائية في اليوم الأول من تطبيق القرار.
المواطن رياض الجميل عبّر بصدق عما يشعر به كثيرون حين قال وهو يملأ خزان سيارته: “لن ينعكس هذا على مصروف سيارتنا الشخصية فقط، بل على كل شيء في حياتنا اليومية، حتى أسعار الخضروات في السوق بسبب ارتفاع أجور النقل، فالخطر الحقيقي يكمن في مزاجية السوق التي تضخّم تأثير أي زيادة محدودة في الأسعار”
اقرأ أيضاً: وزارة المالية تعلن عن تعليمات وموعد صرف زيادة أجور العاملين – 963+
من يدفع الثمن؟ الإنسان السوري في قلب العاصفة
كشفت الباحثة الاقتصادية رندا العلي في تصريحات لـ”963+” حجم الهوة بين دخل المواطن السوري واحتياجاته الأساسية، حيث بلغ متوسط الأجر في القطاع العام بلغ نحو 1.1 مليون ليرة شهرياً، بعد أن رفعت الحكومة الرواتب بنسبة 200% ـ أما الزيادة الأخيرة فلم تطبق على رواتب الموظفين إلى الآن ـ لكن خط الفقر المدقع لأسرة وصل إلى 2.74 مليون ليرة شهرياً، أي أن الأجر لا يُغطي نصف تكاليف الغذاء الأساسي وحده، ناهيك عن الوقود والنقل والإيجار.
وتتابع: والأشد وطأةً هم الفئات الأكثر هشاشة: أسر بلا معيل، وعمال بأجر يومي، وتجار صغار يدفعون للتاكسي ثمن بضاعتهم، ببساطة: كلما ارتفعت أسعار الطاقة تقلصت حصة الغذاء من دخل الأسرة الفقيرة.
وتوفر الباحثة الاقتصادية صورة إحصائية لافتة، فتقول: قطاع السكن والكهرباء والمياه والغاز وأنواع الوقود كان يمثل 58% من إجمالي التضخم الشهري في سوريا، أي أن قرابة ستة من كل عشرة نقاط تضخم في الاقتصاد السوري كانت تأتي من ارتفاع أسعار الطاقة.
وتشير إلى أن هذه التقلبات مرتبطة ارتباطاً مباشراً بسعر صرف الليرة أمام الدولار، مما يعني أن الطاقة تمارس ضغطاً تضخمياً مزدوجاً: مرة عبر ارتفاع سعر الوقود نفسه، ومرة ثانية عبر تكاليف الإنتاج والنقل التي ترفع أسعار كل ما يصل إلى يد المستهلك.
وتصف ذلك بأن ثبات الأجور وارتفاع الأسعار الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة، سنلمس له آثاراً تضخمية خلال الأسابيع المقبلة تنعكس أكثر ما تنعكس على الفئات الفقيرة بسبب ارتفاع الإنفاق على النقل والغذاء.
محذرة من أن غياب آليات حماية اجتماعية فعالة يجعل هذا القرار، كغيره من قرارات التسعير، يُعيد توزيع العبء نحو الأسفل دائماً، أي نحو من لا يملكون قدرة على التكيّف، فارتفاع أسعار المحروقات في سوريا ليس مجرد قرار تسعيري تقني، بل هو امتحان للعقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها في مرحلة انتقالية دقيقة.










