في ظل تصاعد التوتر السياسي والأمني على الحدود اللبنانية ـ السورية، واشتداد النقاش حول مستقبل العلاقة بين دمشق وبيروت، تبرز مواقف متباينة تعكس مرحلة انتقالية معقدة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والإقليمية، خصوصاً في ما يتعلق بدور “حزب الله” داخل سوريا، وتحوّل موازين القوى في المنطقة.
تحذيرات من توتير العلاقة اللبنانية ـ السورية ومخاطر الفتنة
تشير التطورات السياسية إلى حالة حذر شديد في الخطاب بين الجانبين، مع تحذيرات من محاولات دفع العلاقة نحو التصعيد أو الفتنة الداخلية، في وقت تؤكد فيه الأطراف الرسمية أن العلاقة يجب أن تبقى ضمن إطار الاستقرار وعدم الانجرار إلى صراع مباشر.
وفي هذا السياق، حذر أمين عام “حزب الله”، نعيم قاسم، من محاولات “توتير” العلاقات بين لبنان وسوريا، قائلاً: “هناك من يبث السموم لمصلحة إيجاد مشكلة بين سوريا ولبنان”.
وأضاف في خطاب متلفز: “الشعب السوري حر في قراراته وهو أمام مرحلة جديدة يختارها بنفسه وليس لنا علاقة بالأمر”.
وتابع: “البعض يعمد لإشعال فتنة سنية شيعية هذه المحاولات لن تنجح”، وفق تعبيره، مشيراً أيضاً إلى أن “القيادة السورية والشعب السوري يدركان أن أمريكا تعمل على إحداث مشكلة”.
كما يأتي هذا الموقف في ظل نفي الحزب علاقته بخلية مزعومة في دمشق، ما يعكس، بحسب مراقبين، محاولة لاحتواء التوتر ومنع توسع الاشتباك السياسي والأمني مع الداخل السوري.
اقرأ أيضاً: تقرير: محاولة اغتيال حاخام من قبل “حزب الله” تهدف لزعزعة استقرار سوريا – 963+
طبيعة العلاقة السورية ـ اللبنانية الجديدة والتحولات الأمنية على الحدود
تُظهر المعطيات أن العلاقة بين دمشق الجديدة و”حزب الله” لم تعد قائمة على التحالف السابق، بل باتت أقرب إلى تباعد سياسي وأمني حذر، يترافق مع تشدد في ضبط الحدود وتعزيز الإجراءات الأمنية من الجانب السوري.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن دمشق باتت تتبنى خطاباً داعماً لسيادة لبنان، مع تأكيدها دعم استقرار الدولة اللبنانية ومواقفها من مسألة حصر السلاح بيد الدولة، بالتوازي مع إجراءات أمنية تهدف لمنع التهريب والاحتكاك على الحدود.
وفي هذا الإطار، يلفت الباحث الأمني العميد ناجي ملاعب في تصريحات لـ”963+” إلى أن التحول الجاري في سوريا يعكس تغيراً عميقاً في بنية النفوذ الإقليمي، حيث يقول: “المرحلة الانتقالية الجارية في سوريا تُظهر مؤشرات واضحة على تحوّل سياسي وعسكري يتقاطع بشكل مباشر مع النفوذ التركي، لاسيما في ما يتعلق بإعادة تشكيل وتدريب الجيش السوري، الأمر الذي يعكس انحسارًا تدريجيًا لأي حضور متبقٍ لمحور إيران داخل سوريا”.
ويضيف: “هذا التحول قد يحدّ من فرص إعادة تموضع أو تنظيم بقايا مرتبطة بحزب الله أو النظام السابق، رغم احتمال استمرار وجود خلايا أو مخازن نتيجة عدم اكتمال الانسحاب المنظم سابقاً”.
لكنه يستبعد في المقابل أي إعادة إحياء منظمة لهذه الشبكات، موضحاً: “البيئة السياسية الجديدة في سوريا لا يمكن أن تتقبل قوى ارتبطت بعمليات تهجير واسعة وأحداث دموية خلال السنوات الماضية”.
موقع “حزب الله” في المعادلة الإقليمية الجديدة بين الانكفاء والالتزام الإقليمي
تُظهر التطورات أن “حزب الله” يتعامل مع الملف السوري ضمن حسابات دقيقة تتعلق بتفادي التصعيد الإقليمي وتجنب فتح جبهات جديدة، في ظل ضغوط عسكرية وسياسية متراكمة على أكثر من محور.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث السياسي عصام خوري في تصريحات لـ”963+” أن مقاربة الحزب ليست أيديولوجية بقدر ما هي “مهادنة للواقع العسكري”، قائلاً: “حزب الله يمارس المهادنة مع الواقع العسكري في سوريا لتجنب فتح جبهة جديدة مع إسرائيل”.
ويضيف: “الموضوع ليس أيديولوجيا لحزب الله، بل هي نوع من أنواع المهادنة لواقع عسكري تعيشه يعيشه هذا الحزب بشكل واضح، فهو في مطرقة السندان عند الإسرائيليين ولا يريد أن يفتح جبهة جديدة على حدوده الشرقية، لذا هو يبتعد عن أي اشتباكات مع الجيش السوري ويحاول المهادنة في هذا الأمر”.
ويؤكد خوري أن الحزب مرتبط بالكامل بالاستراتيجية الإيرانية، موضحاً: “استراتيجية حزب الله هي مرتبطة بشكل كامل بالاستراتيجية الموجودة في إيران هو لا يستطيع كحزب ان يخرج عن إطار ولاية الفقيه”.
ويضيف: “إذا كانت في هذه المرحلة مطلوب منهم ان يفتحوا جبهة مع سوريا فهم مضطرون لفتح هذه الجبهة بأوامر من إيران لكن الأولوية بالنسبة للحزب حالياً هو أن يضبط أماكن وجوده في الداخل اللبناني”.
كما يشير إلى أن هذا التموضع يعكس توجيهاً إيرانياً: “هذا مطلب ايراني”، في إطار الحفاظ على توازن الحزب داخل الساحة اللبنانية بدل الانخراط في توسع إقليمي مفتوح.
اقرأ أيضاً: لبنان بين خيار الدولة وسلاح “حزب الله”: من يملك قرار المفاوضات؟ – 963+
تراجع النفوذ الإيراني وإعادة تشكيل موازين القوى في سوريا والمنطقة
تشير المعطيات إلى أن التحولات في سوريا لا يمكن فصلها عن تراجع النفوذ الإيراني الإقليمي، وما يرافقه من تبدل في طبيعة الاصطفافات والتحالفات، حيث لم يعد المشهد الإقليمي يسمح بإعادة إنتاج نماذج النفوذ السابقة.
وفي هذا السياق، يقول الصحافي والباحث المختص بالشأن السوري اللبناني جاد يتيم في تصريحات لـ”963+”: “خسارة حزب الله وإيران في سوريا تعكس تحولهما من قوة تهدد بالتدخل إلى جهة تعبر عن الضعف وإقرار غير مباشر بخسارة المشروع الإيراني”.
ويضيف: “لقد خسر مشروعه في سوريا، وهذا تعبير عن خسارته لكل المشروع الذي بُني عليه المشروع الإيراني للهيمنة على سوريا”.
ويتابع: “لقد حولته إلى ذئب كاسر كان يهدد بالتدخل، فأصبح يقول بعد سقوط الأسد، وهو غير قادر على الفعل”.
كما يربط ذلك بتحول أوسع في موازين القوى: “هذا يعكس خسارته وخسارة المشروع الإيراني في سوريا”، مشيراً إلى أن إيران باتت في موقع دفاعي: “إيران في الوقت الحالي هي في حالة التقاء مصالح ضد الهيمنة الإسرائيلية مع تركيا وغيرها، ولكن هذا ليس حلفاً”.
ويضيف أن التغيرات لا تعني تموضعاً بل إعادة تشكيل قسرية لموازين القوى في المنطقة.
اقرأ أيضاً: “حزب الله” ينفي أي نشاط له داخل سوريا بعد اتهامات رسمية – 963+
مستقبل الدور الإقليمي لـ”حزب الله” واحتمالات التصعيد أو الانكفاء
تتجه التحليلات إلى أن مستقبل “حزب الله” في المنطقة مرتبط بشكل مباشر بمسار العلاقة الإيرانية–الغربية، وبقدرة طهران على الحفاظ على نفوذها أو إعادة صياغته.
وفي هذا السياق، يقول خوري: “في حال كانت في هذه المرحلة مطلوب منهم أن يفتحوا جبهة مع سوريا فهم مضطرون، لكن الأولوية بالنسبة للحزب حاليًا هي أن يضبط أماكن وجوده في الداخل اللبناني”.
ويضيف محذراً من سيناريوهات محتملة: “قد تؤدي إعادة ضخ الدعم المالي الإيراني إلى إعادة تنشيط دور الحزب في الإقليم، لكنها قد تؤدي إلى نشوء قنطونات طائفية”.
كما يطرح سيناريو معاكساً أكثر جذرية: “إذا انتصرت الولايات المتحدة بشكل كامل وغيرت النظام في إيران فإن عموم تلك الأمور ستتغير وسيتلاشى حزب الله تلقائياً”.
وفي المقابل، يشير يتيم إلى أن أي تراجع إضافي في النفوذ الإيراني سيؤدي إلى إعادة تشكيل أوسع: “إن انكسار مشروع حزب الله في لبنان وفي سوريا مرتبط بانكسار وفقدان الهيبة لهذا المحور الذي تقوده إيران”.
وتعكس هذه المواقف المتقاطعة أن العلاقة بين لبنان وسوريا، ودور “حزب الله” فيها، لم تعد محكومة بمعادلات ثابتة، بل بمرحلة إعادة تشكيل إقليمي شامل، يتداخل فيه التراجع الإيراني، والتحولات السورية الداخلية، وضغوط الجبهات المفتوحة، ما يجعل المشهد مفتوحاً على سيناريوهات الانكفاء أو إعادة التموضع أو مزيد من التصعيد المحدود تحت سقف إدارة التوتر.










