تشهد الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران منذ أواخر شباط/فبراير 2026 مرحلة جديدة من التصعيد العسكري والجيوسياسي، مع انتقال المواجهة إلى مسارح غير تقليدية بعيدة عن ساحات الصراع المباشر في الشرق الأوسط.
ففي خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة، نفذت إسرائيل ضربة عسكرية استهدفت منشآت ومرافق بحرية في الساحل الإيراني المطل على بحر قزوين، بما في ذلك مواقع في ميناء بندر أنزلي الذي يُعد عقدة لوجستية مهمة في شبكة النقل بين إيران وروسيا.
وتشير تقارير دولية إلى أن الضربة استهدفت أحد أهم خطوط الإمداد التي تربط موسكو بطهران، وهو مسار يُستخدم لنقل الذخائر والطائرات المسيّرة والمواد العسكرية عبر البحر المغلق الذي يربط الموانئ الروسية والإيرانية.
وقد استُخدم هذا المسار خلال السنوات الأخيرة لنقل طائرات “شاهد” المسيّرة والذخائر التي لعبت دوراً في الحرب الروسية في أوكرانيا وفي العمليات الإيرانية في المنطقة.
وتكتسب هذه الضربة أهمية خاصة لأنها تمثل أول هجوم إسرائيلي معروف في بحر قزوين، وهو فضاء جغرافي ظل لعقود بعيداً عن العمليات العسكرية المباشرة في الشرق الأوسط.
ويرى محللون أن الهدف منها لم يكن عسكرياً فقط، بل استراتيجي أيضاً، إذ تسعى إسرائيل إلى تقويض التعاون العسكري المتنامي بين روسيا وإيران، وإرسال رسالة مفادها أن خطوط الدعم اللوجستي التي تعتمد عليها طهران لم تعد بعيدة عن الاستهداف.
في المقابل، حذرت موسكو من خطورة توسيع نطاق الحرب إلى منطقة بحر قزوين، معتبرة أن انتقال الصراع إلى هذا الفضاء قد تكون له تداعيات إقليمية ودولية حساسة. وأكدت تصريحات صادرة عن الكرملين أن روسيا تنظر “بسلبية شديدة” إلى أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة التي تعد مجالاً استراتيجياً حيوياً لها.
وفي ظل هذا التصعيد، يتزايد الحديث عن تحولات عميقة في طبيعة الحرب الدائرة، حيث لم تعد المواجهة محصورة في الجبهات التقليدية، بل امتدت إلى خطوط الإمداد والتحالفات العسكرية وشبكات الدعم اللوجستي العابرة للحدود.
اقرأ أيضاً: إيران وأميركا: إدارة صراع مفتوح على حافة المواجهة الشاملة
كسر المحرّم الجيوسياسي
يقول ميلاد مالك الأطرش، الباحث والمحلل السياسي المقيم في اللاذقية، في حديثه لـ”963+”: إن حروب العصر الحديث لم تعد كما كانت في السابق؛ إذ يرى الأطرش أن الضربة الإسرائيلية في بحر قزوين لم تكن مجرد رسالة عسكرية عابرة، بل كانت إعلاناً صريحاً عن نهاية مرحلة كاملة من قواعد الاشتباك.
ويضيف أن وصول النيران إلى فضاء جغرافي ظل لعقود خارج الحسابات العسكرية المباشرة يدفع إلى طرح سؤال مختلف؛ فالسؤال لم يعد: لماذا حدث ذلك؟ بل ماذا تغيّر في بنية الحرب نفسها؟
ويشير إلى أن ما جرى في قزوين لا يمكن تفسيره على أنه توسع جغرافي فحسب، بل يوضح أنه يمثل انهياراً لفكرة “المناطق الآمنة” في الصراعات الحديثة.
يلفت الأطرش إلى أن بحر قزوين لم يكن مجرد مسطح مائي مغلق، بل كان مجال نفوذ شبه حصري لكل من موسكو وطهران، كما يضيف أنه شكّل ممرّاً لوجستياً هادئاً بعيداً عن أعين الصراع المباشر.
ويعتبر أن استهدافه يعني أن إسرائيل لم تكتفِ بضرب خصومها، بل قررت إعادة تعريف حدود المعركة نفسها. ويعتقد أن هذه الضربة ليست في العمق الإيراني فقط، بل هي أيضاً ضربة في مفهوم “العمق الذي لا يُمس”.
يتابع الأطرش موضحاً أن التحول الأهم الذي تكشفه هذه الضربة يتمثل في الانتقال من استهداف الجيوش إلى استهداف البنية التحتية للحرب.
ويشرح أن الهدف لم يعد قاعدة عسكرية أو مخزن سلاح، بل أصبح ممر نقل، أو شبكة إمداد، أو نقطة التقاء بين قوتين. ويضيف أن إسرائيل، بهذا المعنى، لا تحارب إيران فقط، بل تحارب النظام غير المرئي الذي يسمح لإيران بأن تحارب.
وينوّه إلى أن الخطورة تكمن في أن تدمير الشبكات أخطر من تدمير الجيوش، لأنه يضرب القدرة على الاستمرار، لا القدرة على القتال فقط.
ويشير الأطرش إلى أن الضربة، في جوهرها، لم تكن موجهة ضد إيران وحدها، بل استهدفت ما هو أعمق، وهو التشابك الروسي–الإيراني.
لكنه يوضح أن إسرائيل لعبت بذكاء عالٍ؛ فهي لم تضرب روسيا ولم تستفزها مباشرة، لكنها ضربت “المساحة المشتركة” بين الطرفين. ويعتبر أن هذا يعكس معادلة جديدة تقوم على استهداف التحالف دون استهداف أطرافه.
ويرى أن هذا النوع من العمليات يعكس فهماً متقدماً للحروب المعاصرة، حيث يصبح الضغط على العلاقات أخطر من المواجهة المباشرة مع الدول.
اقرأ أيضاً: من الجنوب إلى الحدود مع العراق: سوريا بين الضربات الإسرائيلية وصراع النفوذ الإقليمي
موسكو… توازن على حافة التناقض
يتابع الأطرش تحليله موضحاً أن روسيا تقف اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فهي بحاجة إلى إيران في مواجهة الغرب، لكنها في الوقت ذاته لا تريد خسارة التفاهمات مع إسرائيل. ولذلك، يفسر الأطرش الموقف الروسي بأنه يقوم على عدم الرد المباشر دون تجاهل الحدث، وعدم التصعيد دون الانسحاب.
ويصف هذا السلوك بأنه نوع من “إدارة التوتر بدل حسمه”، لكنه يلفت إلى أن هذا التوازن هش بطبيعته، لأن استمرار الضربات في فضاءات النفوذ الروسي قد يضع موسكو أمام اختبار مصداقية صعب.
ويعتقد الأطرش أن الضربة في قزوين ليست رسالة لإيران فقط، بل خطاب استراتيجي متعدد الاتجاهات. فهي، كما يوضح، رسالة إلى إيران بأن “الخلف الآمن” لم يعد موجوداً، ورسالة إلى روسيا بأن الشراكات الرمادية أصبحت مكشوفة، كما أنها رسالة إلى العالم بأن إسرائيل مستعدة لكسر أي قاعدة عندما يتعلق الأمر بأمنها.
ويضيف أن الردع لم يعد قائماً على التهديد فقط، بل أصبح قائماً على القدرة على الوصول إلى أي مكان.
ويشير الأطرش إلى أن ما جرى في بحر قزوين يؤكد أننا لم نعد أمام حروب تقليدية، بل أمام نمط جديد يقوم على تعدد المسارح دون إعلان، وضربات دقيقة بلا تمهيد، واستهداف غير مباشر للبنى العميقة. ويعتقد أن الحرب لم تعد تبدأ ببيان رسمي ولا تنتهي باتفاق واضح، بل تتحرك كشبكة خفية تضرب في أي مكان وفي أي وقت.
ويخلص الأطرش إلى أن الضربة الإسرائيلية في بحر قزوين ليست حدثاً معزولاً، بل علامة على دخول النظام الدولي مرحلة “السيولة الاستراتيجية”، حيث تختفي الخطوط الحمراء وتتداخل الجبهات وتصبح الجغرافيا مجرد تفصيل.
ويؤكد أنه في هذا العالم الجديد لم تعد هناك مناطق بعيدة، ولا تحالفات محصّنة، ولا صراعات يمكن احتواؤها بسهولة. ويختتم بالقول إن قزوين لم يكن ساحة حرب، لكنه أصبح كذلك.
اقرأ أيضاً: إسرائيل تصعد على دمشق: الحكومة السورية تحت ضغط متزايد في الجنوب
رسائل متعددة
من جهته، يقول حسين الديك، أستاذ العلاقات الدولية والخبير في الشأن الإسرائيلي المقيم في القدس، في حديثه لـ”963+”: إن الضربات التي نفذتها إسرائيل ضد المنشآت الإيرانية في بحر قزوين تهدف إلى إرسال مجموعة من الرسائل الاستراتيجية.
ويشير إلى أن هذا البحر يقع بالقرب من الحدود الملاصقة لجمهورية روسيا الاتحادية، وهو ما يعطي العملية أبعاداً سياسية وعسكرية تتجاوز إيران وحدها.
ويضيف أن بعض التصريحات الصادرة عن قادة سياسيين وعسكريين إسرائيليين أوضحت أن هذه الضربات جاءت رداً على بعض المساعدات العسكرية واللوجستية التي قدمتها روسيا لإيران. ويعتبر أن إسرائيل أرادت من خلال ذلك شلّ هذه الامتيازات اللوجستية في وقت الحرب.
ويتابع موضحاً أن إسرائيل تنظر إلى أي دعم عسكري أو لوجستي يُقدَّم لإيران خلال فترة الحرب على أنه مساهمة مباشرة في المجهود الحربي ضدها.
ولذلك، كما يفسر الديك، فإن إسرائيل حرصت على توجيه رسالة مزدوجة: رسالة إلى إيران، ورسالة إلى روسيا، بل وإلى دول أخرى حليفة لطهران.
ويشير إلى أن مضمون الرسالة يتمثل في أن أي دولة تقدم مساعدات لوجستية أو عسكرية أو أمنية لإيران قد تُعتبر أهدافها أهدافاً عسكرية مشروعة بالنسبة لإسرائيل، ما يعني أن تل أبيب قد تقوم باستهداف تلك المنشآت أو البنى المرتبطة بها.
كما يلفت الديك إلى أن إسرائيل أرادت أيضاً إيصال رسالة مباشرة إلى الإيرانيين مفادها أن إيران مستهدفة في كل مكان؛ سواء في الخليج العربي، أو في العمق الإيراني، أو حتى في المناطق الشمالية البعيدة عن المركز والقريبة من الحدود الروسية.
ويضيف أن بحر قزوين بحر مغلق ولا يمتلك امتدادات بحرية إلى مسطحات مائية أخرى، ولذلك فإن أي مساعدات قد تصل إلى إيران عبره ستكون على الأغلب من الدول المطلة عليه، وخصوصاً روسيا. ولهذا، يعتقد أن الضربة حملت رسالة واضحة إلى موسكو وإلى أي دولة قد تفكر في مساعدة إيران عبر هذا المسار.
وفي ما يتعلق بالتحركات الروسية، يوضح الديك أن موسكو تتصرف وفق مصالحها الاستراتيجية. ويشير إلى أن الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى قد تحمل بعض المكاسب لروسيا، خصوصاً في ما يتعلق بقطاعي النفط والغاز.
ويضيف أن ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً قد ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الروسي، كما أن بعض التخفيف في القيود المفروضة على صادرات الطاقة الروسية قد يسمح لموسكو ببيع النفط والغاز إلى دول أوروبية، وخاصة دول أوروبا الغربية.
اقرأ أيضاً: من يملأ الفراغ في جنوب لبنان؟ جدل القوة العربية يتصاعد
هواجس موسكو من الفوضى
ومع ذلك، يعتقد الديك أن روسيا، رغم استفادتها من بعض تداعيات الصراع، لا تريد أن تنزلق المنطقة إلى حالة فوضى على حدودها الجنوبية. ويشير إلى أن إيران تمتلك حدوداً غير مباشرة مع روسيا عبر بحر قزوين، ولذلك فإن موسكو لا ترغب في رؤية إيران تتحول إلى دولة فاشلة.
ويفسر ذلك بأن انهيار الدولة الإيرانية قد يفتح المجال أمام انتشار جماعات مسلحة أو تنظيمات إرهابية قد تهدد الأمن القومي الروسي. ويضيف أن لدى روسيا تجربة تاريخية مع هذه الجماعات، خاصة خلال الصراع في الشيشان في تسعينيات القرن الماضي، وهو ما يجعل موسكو حساسة تجاه أي سيناريو قد يؤدي إلى انتشار التطرف قرب حدودها.
ويعتقد الديك أن تحول إيران إلى دولة هشة قد يشجع أيضاً الحركات الانفصالية أو الجماعات المسلحة داخلها، ما قد يؤدي إلى ظهور كيانات متنازعة تقاتل بعضها بعضاً، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على الاستقرار الإقليمي وعلى العمق الروسي. ولذلك، كما يوضح، فإن روسيا تضغط للحفاظ على مؤسسات الدولة الإيرانية قائمة ومنع حدوث أي فراغ سياسي أو أمني.
أما فيما يتعلق بالعلاقات الروسية–الإسرائيلية، فيشير الديك إلى أن الضربات الإسرائيلية استهدفت مصالح إيرانية داخل المياه الإقليمية الإيرانية ولم تستهدف روسيا بشكل مباشر. ولذلك يعتقد أن هذه العمليات لن تترك تداعيات سلبية كبيرة على العلاقات بين موسكو وتل أبيب.
ويضيف أن إسرائيل، رغم كونها حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة والمحور الغربي، تحتفظ في الوقت ذاته بعلاقات سياسية واقتصادية واستراتيجية مع روسيا.
كما يلفت إلى وجود أكثر من مليون مواطن من أصول روسية يعيشون في إسرائيل ويحملون جنسيتها، وهو ما يعزز الروابط بين البلدين.
ويخلص الديك إلى أن هذه المعطيات تجعل من غير المرجح أن تؤدي الضربات الإسرائيلية ضد منشآت إيرانية في بحر قزوين إلى تغيير جذري في طبيعة العلاقات الجيدة القائمة بين موسكو وتل أبيب.










