تشكل سيادة القانون وإرساء العدالة الانتقالية في سوريا محوراً أساسياً في عملية الانتقال السياسي والاجتماعي بعد عقود من الاستبداد والحرب الطويلة التي أثّرت في بنيان الدولة ومؤسساتها وتسببت في تآكل الثقة بين المواطن والدولة.
ويرى خبراء القانون والحقوق أن الانتقال من نظام استبدادي إلى دولة مؤسسات يتطلب إعادة بناء الإطار القانوني والسياسي والاجتماعي، بما يضمن احترام حقوق الإنسان، الفصل بين السلطات، واستعادة الثقة في العدالة والقضاء كمؤسسات مستقلة ومحايدة.
ويُعدّ الدستور الجديد عنصراً محورياً في هذه العملية، إذ لا يقتصر دوره على كونه وثيقة قانونية فقط، بل يمثل ركيزة الشرعية السياسية التي تحدد المبادئ العليا للحكم وتكرّس مبادئ المواطنة المتساوية وحماية الحريات الأساسية وحماية الحقوق دون تمييز.
كما تشير التحليلات إلى أن العدالة الانتقالية ليست منهجاً واحداً أو وصفة جاهزة، بل هي مجموعة من الإجراءات القانونية والسياسية التي تتعامل مع إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، من خلال آليات كشف الحقيقة، والمساءلة، والتعويضات، وإصلاح المؤسسات، بما يساعد على منع الإفلات من العقاب وإعادة بناء نسيج المجتمع وتعزيز السلم الأهلي.
ولهذا، يُنظر إلى إصلاح المنظومة القضائية والأمنية، والمساواة أمام القانون، وإشراك المجتمع المدني في صياغة السياسات العامة، كعوامل محورية لضمان انتقال سلمي نحو دولة القانون يكون فيها كل مواطن مسؤولاً أمام القانون بنفس الدرجة، وتُحترم الحقوق وتُحصّن الحريات تحت سقف مؤسسات مستقلة وقوية.
ترسيخ سيادة القانون
يقول الدكتور ممتاز سليمان، مختص بالقانون الدولي ويقيم في لندن: إن من أهم الأساسيات السياسية والمؤسساتية لترسيخ سيادة القانون في سوريا بعد سنوات الصراع والحرب المدمرة، هو أولاً بناء الثقة بين كل أطياف الشعب السوري، وعدم وجود اللون الواحد في هرم السلطة.
ويضيف أن إعطاء الفرصة لكافة الأحزاب السياسية الموجودة في البلاد لتكون لها دور في سياسات الدولة، وعدم تحجيم أي فئة مهما كانت صغيرة في المجتمع، يُعتبر أساساً لتعزيز المشاركة السياسية.
ويرى أن تمكين كل سوري من المشاركة في بناء الدولة والمساواة حسب المهنية في مناصب الدولة، سواء كانت سياسية أو مدنية، يمثل خطوة حاسمة في إزالة القوانين السابقة المفروضة بالقوة على المجتمع السوري وإلغاء المناطقية في القاموس السياسي السلطوي.
ويتابع الدكتور سليمان موضحاً أن بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة يأتي عبر فتح أبواب هذه المؤسسات أمام المواطن، بحيث لا يشعر أن هناك حواجز بينه وبين المسؤول في أي مؤسسة حكومية، وأن تكون هذه المؤسسات ومن يترأسها في خدمة المواطن وليس عبئاً عليه.
ويؤكد أن أهم ما في الأمر هو القضاء ومؤسسات العدالة، مشيراً إلى أن الثقة تُبنى عبر العدل، فهو أساس بناء الدول، حيث يجب أن يقف المواطن وأي مسؤول في الدولة، مهما علت مرتبته، أمام القاضي جنباً إلى جنب في حال وجود أي نزاع، مع منح القضاة الصلاحية لاتخاذ القرار الصحيح وفق مواد القانون السوري، دون تدخل من السلطات الأخرى في عملهم. ويضيف: “من المعروف أن العدل هو أساس الملك منذ الأزل.”
ويشير الدكتور سليمان إلى أن العدالة الانتقالية لها دور كبير في ترسيخ وتثبيت دولة القانون، عندما يكون هناك محاسبة عادلة لكل من تلطخت يداه بدم الشعب السوري، مع تقديمهم للمحاكمات العلنية، وإتاحة الفرصة للضحايا لمشاهدة الحكم الذي سيصدر بحق مرتكبي الجرائم، بحيث لا يفلت أي مجرم من العقاب.
ويؤكد أن المحاكمة يجب أن تكون وفق القوانين السورية، بينما تلعب المصالحة الوطنية دوراً أساسياً في تثبيت دولة القانون، عندما يحصل كل مواطن على حقه دون تمييز، ويشعر أنه ينتمي إلى وطن اسمه سوريا.
ويلفت الدكتور سليمان إلى أن التاريخ يوضح أنه بعد انتهاء الحروب في أي مجتمع، يكون الحجر الأساسي لإعادة بناء هيكلية الدولة هو التعليم والإعلام، إذ لهما دور كبير في نشر ثقافة احترام القوانين وتغليب صوت العقل ووضع حد للإشاعات التي تزيد الحقد بين أبناء المجتمع.
ويضيف أن المجتمع المدني له دور واضح في بناء الدولة؛ ففي أوروبا، مثلاً، يعتبر المجتمع المدني والصحافة “السلطة الخامسة”، ولهم دور في إرساء ثقافة احترام القانون وسيادة الدولة.
ويؤكد الدكتور سليمان أن سوريا اليوم تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد بعد خضوعها للحزب الواحد الشمولي لأكثر من نصف قرن، وأنه بعد التحرير والتحرر من حقبة دموية، يجب وضع دستور جديد يضمن لكل سوري حقوقه، من كافة الأطياف والقوميات والإثنيات والأعراق.
ويضيف أنه يجب تشكيل لجان محلية من كافة المدن السورية، بمشاركة أكبر عدد من المشرعين والصحفيين ورجال السياسة والعلم والتجار، لصياغة دستور جديد يُطرح للتصويت عليه من قبل الشعب، بحيث يصبح هذا الدستور هو الذي يحدد حقوق الشعب السوري وواجباته، ويعزز شعور كل سوري بالانتماء إلى وطنه.
العدالة والدستور الجديد
يقول الدكتور محي الدين الشحيمي، أستاذ القانون ويقيم في باريس: إن مشوار ترسيخ حكم القانون في سوريا بعد الصراع هو اختبار للأولويات، ويضيف أنه ورشة تتطلب إجراءات مؤسساتية دقيقة.
ويشير إلى أن من أولوياتها صياغة دستور جديد يضمن المواطنة والشفافية، ويعيد إحياء مضمون الشراكة الوطنية بين جميع أهل البلد، ما يساهم في استرجاع الثقة وتحقيق العدالة الانتقالية للضحايا، سيما من خلال إصلاح المنظومة الأمنية والقضائية.
ويعزو الشحيمي أهمية هذا الالتزام إلى ضرورة العمل الحثيث على إنهاء الإفلات من العقاب، عبر صياغة أسس الشراكة المرنة بين السلطات والفصل الحقيقي بينها. ويؤكد أن مبدئية استقلالية القضاء وبناء مؤسسات رقابية لها دور كبير في تعزيز الاستثمار وحماية الحقوق.
ويوضح الشحيمي خطوات ترسيخ حكم القانون، فيشير إلى أن العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا يتطلب وضع آليات شاملة للمحاسبة وكشف الحقائق. ويضيف أن معالجة ملفات المعتقلين والمختفين قسرياً وضمان تعويضات المتضررين جزء أساسي من هذه الخطوة.
كما يرى أن صياغة دستور جديد يكرّس روح المواطنة هو من العتبات الأساسية للولوج إلى صدر الدولة، إذ يسهم العقد الاجتماعي الدستوري المتوازن في تأمين مبادئ المواطنة المتساوية، وتحديد صلاحيات السلطات، وتنظيم الحريات الأساسية، وضمان وحدة البلاد.
ويؤكد الدكتور الشحيمي أن ورشة إصلاح القطاع الأمني والقضائي وبناء مؤسسات أمنية مهنية خاضعة للقانون، إلى جانب إعادة هيكلة القضاء والبيروقراطية الإدارية المستقلة، وإنهاء تغول الأجهزة الأمنية على العدالة، تُعد من أهم خطوات تعزيز حكم القانون.
ويضيف أن تعزيز النزاهة الاقتصادية ومكافحة الفساد والهياكل غير الرسمية، إلى جانب ضمان بيئة قانونية متوازنة، يمثل خطوة مهمة لجذب الاستثمارات ودعم إعادة الإعمار.
وينوه الدكتور الشحيمي إلى أن شروط نجاح تثبيت حكم القانون وإنهاء الصراع، تتضمن إنهاء الإفلات من العقاب وتطبيق العدالة على الجميع دون استثناء، مع وضع آليات للرقابة على السلطة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة. ويعتبر الفصل بين السلطات وتحقيق استقلال السلطة القضائية عن التنفيذية والتشريعية من أبرز الامتحانات.
ويضيف أن الإصلاح التشريعي يشمل مراجعة وإلغاء القوانين الاستثنائية المخالفة لمبادئ حقوق الإنسان، لضمان عدم تكرار التجارب السياسية السابقة، وحماية الحقوق والحريات، مع إقرار قوانين تحمي حرية التعبير وحقوق التجمعات، وتكرّس الشراكة المواطنية المؤسسية.










