يشهد الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة حالة من التوتر غير المسبوق، في ظل تصاعد الصراعات الإقليمية وتزايد احتمالات الانزلاق إلى مواجهات أوسع بين عدد من القوى الفاعلة في المنطقة. ويبرز في هذا السياق الحرب المتصاعدة بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، حيث تتخذ أشكالًا متعددة تتراوح بين المواجهات غير المباشرة، والضربات العسكرية التي قد تمتد آثارها بشكل أكبر إلى أكثر من ساحة في الشرق الأوسط. وقد أسهمت هذه التطورات في إعادة طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الأمن الإقليمي، وموقع سوريا ضمن التحالفات السياسية والعسكرية التي قد تتشكل في المرحلة المقبلة.
وفي خضم هذه التحولات المتسارعة، تقف سوريا في موقع بالغ الحساسية، نظراً لموقعها الجغرافي الاستراتيجي وتشابك ملفاتها مع العديد من القضايا الإقليمية. فمنذ اندلاع الحراك الشعبي ضد نظام الأسد عام 2011، تحولت سوريا إلى إحدى الساحات التي تتقاطع فيها مصالح قوى دولية وإقليمية عدة، كما أن الصراع المستمر مع إسرائيل، خاصة في ما يتعلق بمستقبل هضبة الجولان، يضيف بعداً إضافياً لتعقيد المشهد السوري.
وقد أدت السنوات الماضية إلى إضعاف مؤسسات الدولة السورية واستنزاف قدراتها الاقتصادية والعسكرية، في وقت أصبحت فيه البلاد جزءاً من معادلات التوازن الإقليمي والصراع بين القوى الكبرى. وفي ظل التصعيد الحالي بين إيران وإسرائيل، والدور العسكري والسياسي الذي تلعبه الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، يبرز التساؤل حول موقع سوريا في هذه المواجهة غير المباشرة، وما إذا كانت ستبقى ساحةً لتقاطع النفوذ الإقليمي، أم أنها تسعى إلى إعادة تعريف دورها والابتعاد عن صراعات المحاور.
وتظهر بعض المؤشرات على محاولات لإعادة تموضع سوريا سياسياً واقتصادياً، سواء من خلال الانفتاح التدريجي على محيطها العربي، أو عبر البحث عن صيغ جديدة للتعاون الأمني والاقتصادي مع عدد من الدول الإقليمية، ولا سيما دول الخليج. ويأتي ذلك في ظل إدراك متزايد لدى العديد من الأطراف بأن استقرار سوريا وإعادة دمجها في النظام الإقليمي قد يشكلان عنصراً مهماً في تخفيف حدة التوترات بالمنطقة.
وفي حوار خاص مع الباحث في العلاقات الدولية طارق زياد وهبي أجاب من خلاله عن العديد من الأسئلة بهذا الإطار كان أبرزها أين تقف سوريا في ظل الأوضاع الراهنة بالمنطقة، وماهي الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام سوريا اليوم؟
وفيما يلي الحوار كاملاً:
هل يمكن أن تتحول سوريا الجديدة إلى لاعب إقليمي مستقل في الشرق الأوسط بعد سنوات من الحرب والتحولات الجيوسياسية؟
سوريا الجديدة بالمفهوم السياسي ضعيفة وخصوصاً ان الحكم البعثي أضعف الدولة إلى حد أن اسرائيل استباحت المواقع العسكرية وأصبحت الدولة الجديدة تعيد بناء قدراتها العسكرية وحتى جيشها النظامي المبني على حماية البلاد وليس التنكيل بالعباد. لذلك سوريا قد تصبح لاعباً إقليمياً ليس بالمفهوم السابق أي القدرة على المواجهة بالمفهوم العسكري ولكن التحولات الجيوسياسية لم تساعد لإخراج سوريا من هذا الإطار الانهزامي الذي تعيشه دول طوق إسرائيل.
إلى أي مدى يتعرض الاقتصاد السوري لضغوط إضافية في ظل الحرب الإقليمية الحالية وتداعياتها على المنطقة؟
باعتقادي إذا أردنا أن يتم هذا التحول السياسي لسوريا عليها أن تصبح “صين الشرق الأوسط” أي مصنع الشرق وخصوصاً أن سوريا تملك القدرة الكافية والتنافسية التي تسمح لها للوصول إلى بناء دولة جديدة صناعية وزراعية وحتى للذكاء الاصطناعي. العنصر البشري واليد العاملة في سوريا تساعدان إلى الوصول للحد من التداعيات التي تفرضها الحرب الإقليمية الحالية.
إن المشروع السوري المستقبلي يبدو، في جوهره، مشروعاً اقتصادياً وتنموياً أكثر منه مشروعاً عسكرياً. فإعادة بناء الاقتصاد، وتطوير الصناعة والزراعة، وتحسين بيئة الاستثمار، كلها عوامل أساسية لتمكين سوريا من استعادة دورها في المنطقة.
كما أن أي إصلاحات اقتصادية، مثل إعادة تنظيم النظام المالي أو تحديث العملة الوطنية، قد تسهم في تعزيز الثقة بالاقتصاد السوري وتشجيع النشاط التجاري والصناعي. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار سيظل مرهوناً بالاستقرار السياسي الداخلي، وتخفيف الضغوط الدولية، وبقدرة سوريا على إعادة التموضع بذكاء داخل النظام الإقليمي الجديد.
هل تحولت سوريا اليوم من مجرد ممر لإمدادات السلاح إلى ورقة تفاوض سياسية في الصراعات الإقليمية والدولية؟
سوريا اليوم تبحث عن البعد عن الدور الذي لعبته كجسر بين مكونات أذرع إيران وبالتحديد بين “حزب الله” في لبنان والفصائل الشيعية في العراق وصولاً إلى إيران، أعتقد ان القيادة السورية الجديدة تريد وضع حد لكل هذه التحديات والعمل مع المجتمع الدولي لإيقاف أي محاولات ليس فقط كخط لإمداد السلاح ولكن أيضاً تهريب الأشخاص المطلوبين من قبل إما لبنان أو العراق أو حتى دول الخليج مع الأردن.
في ظل الحرب الدائرة بالشرق الأوسط، هل تقف سوريا عند مفترق طريق استراتيجي قد يقود إلى تفكيك الشبكات والتحالفات القديمة في المنطقة؟
نعم، تؤكد العديد من المؤشرات السياسية إلى أن سوريا تقف اليوم أمام مفترق طريق استراتيجي قد يؤدي إلى إعادة صياغة موقعها في شبكة التحالفات الإقليمية. فبعد سنوات طويلة من الصراع، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تعريف دور سوريا في النظام الإقليمي الجديد، بعيداً عن أنماط التحالفات التي سادت خلال العقود الماضية.
بالتالي، يمكن القول إن الخط السياسي السوري الجديد قد يتجه إلى الابتعاد عن بعض المحاور التقليدية، والسعي إلى بناء علاقات أكثر توازناً مع القوى العربية، خصوصاً مع دول الخليج مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات وقطر. ويهدف هذا التوجه إلى فتح مرحلة جديدة من التعاون تقوم على المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي.
ما الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام سوريا اليوم بين الحفاظ على تحالفاتها التقليدية أو إعادة تموضعها في النظام الإقليمي الجديد؟
الخيارات الاستراتيجية ستبنى على أساس أن مستقبل سوريا سيكون دولة مسالمة وقوية رادعة لأي خلل أمني داخلي أولاً والعمل الدؤوب لرفع من جهوزية صد أي تدخل خارجي، التحالفات التقليدية وخصوصاً الحضور الروسي الذي قد يكون له دور لاحقاً في التجهيز أو التدريب إذا أرادت القيادة الجديدة تنويع مصادر شراء الأسلحة للدفاع عن سوريا. أما فيما يتعلق بالولايات المتحدة الأميركية الأمر لن يكون سهلاً لأن إسرائيل من تقرر إذا ستوقع الولايات المتحدة اتفاقيات تأهيل للجيش السوري أو تدريب للقوات النظامية. كما أن دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا تطالب بحصة من هذا المشروع الأمني.
هل أصبحت سوريا جزءاً من ملفات تفاوض متعددة بين قوى إقليمية ودولية؟ وكيف ترى ذلك؟
سوريا الجديدة كمركز وسطي وبالإمكانيات البشرية والعملية التي تملكها اليد العاملة السورية تستطيع أن تصبح قطب استقطاب اقتصادي للاستثمار والتنمية وذلك سيرفع من قدراتها الانتاجية كما سيرفع من حجم الاقتصاد والمعاملات التجارية.
لكن لا يجب أن ننسى حجم الضغوطات على سوريا وخصوصاً أن زيارة الرئيس الشرع إلى الولايات المتحدة كشفت حجم الضغوطات على سوريا من أجل الأمن الاسرائيلي علماً أن الرئيس الشرع طرح على القيادة الأميركية أن يتم تجهيز “كامب ديفيد” جديد في سوريا وهذا يعني عودة إسرائيل إلى الحدود الدولية أي إرجاع كل الأراضي المحتلة وتوقيع اتفاقية أمنية تحد من عدد الجنود السوريين في منطقة الحدود كما تتعهد سوريا بفتح قناة ديبلوماسية لفتح ممثلية سورية في تل أبيب.
هذا الطرح فاجأ الطرفين الأميركي والإسرائيلي ولذلك وصف الرئيس ترامب الرئيس الشرع بالرجل الشجاع والقوي. وعدم قبول الطرح السوري يبرهن أن هناك إرباك من الطرفين الأميركي والإسرائيلي اللذين يرغبان بضم الأراضي المحتلة والبقاء في النقاط الحديثة التي تم قضمها. في النهاية المشروع السوري هو أكثر اقتصادي من كونه عسكري وأمني ورأينا ان تغيير العملة السورية أعطى جرعة من الثقة للتعامل بالشق التجاري والصناعي.










