رغم احتفاظ شهر رمضان في مدن وبلدات محافظة درعا بطابعه الاجتماعي المعروف، إلا أن ضيق المعيشة وتفاقم الأوضاع الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة تركا أثراً واضحاً على عدد من الطقوس التي طالما ميّزت الشهر في حوران.
فمع اقتراب أذان المغرب، ما تزال البيوت تنشغل بإعداد الإفطار، لكن مشهد تبادل الأطباق بين الجيران، المعروف محلياً بـ”السكبة” أو “الطعمة”، لم يعد كما كان في السابق. هذه العادة التي كانت تعكس روح المشاركة والتكافل بين أبناء الحي، تراجعت بشكل ملحوظ، واقتصرت في كثير من المناطق على نطاق ضيق بين عائلات محددة أو بيوت متجاورة تربطها صلات قرابة مباشرة.
ويقول عدد من الأهالي إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية جعل كثيراً من الأسر تكتفي بإعداد ما يكفي أفرادها فقط، بعد أن كانت تحرص سابقاً على تخصيص جزء من الطعام لإرساله إلى الجيران. ويؤكد آخرون أن العادة لم تختفِ بالكامل، لكنها أصبحت غير يومية، وغالباً ما تقتصر على أطباق بسيطة، في محاولة رمزية للحفاظ على تقليد اجتماعي عريق.
اقرأ أيضاً: بين “الصوم الرقمي” ولمّة العائلة.. كيف تؤثر السوشيال ميديا على أجواء رمضان؟ – 963+
طقوس تراجعت وأخرى صمدت
لم يكن تراجع “السكبة” الظاهرة الوحيدة، إذ يشير بعض كبار السن إلى أن موائد الإفطار الجماعية التي كانت تُنظّم في الأحياء أو أمام المنازل تضاءلت أيضاً، بعدما باتت التكاليف تتجاوز قدرة كثير من العائلات. كما تراجعت بعض المظاهر الاحتفالية المرتبطة بالشهر، مثل الزينة الواسعة في الشوارع أو إعداد أصناف متعددة من الحلويات المنزلية، التي أصبحت اليوم مرتبطة بالقدرة المادية أكثر من أي وقت مضى.
في المقابل، لا تزال طقوس أخرى حاضرة بقوة، رغم الظروف الصعبة. ومن أبرزها “طعمة العنايا”، وهي هدية تُقدَّم للأخوات والبنات المتزوجات خلال رمضان، سواء على شكل مواد غذائية أو مبلغ مالي. ويعتبر كثير من الأهالي هذه العادة التزاماً اجتماعياً وأخلاقياً لا يمكن التخلي عنه، حتى لو اضطر رب الأسرة إلى تقليص مصروفه في جوانب أخرى.
كما تحافظ دعوات الإفطار العائلية على حضورها، وإن بوتيرة أقل من السابق أحياناً. فالعائلات ما تزال تتنقل بين بيوت الأبناء والإخوة خلال الشهر، في مشهد يعكس تمسّك المجتمع الحوراني بروابطه الأسرية، حتى في أصعب الظروف.
تأثيرات اقتصادية واضحة
يرى متابعون للشأن المحلي أن التغير في بعض الطقوس لا يعكس تراجعاً في الرغبة بالمحافظة عليها، بل هو نتيجة مباشرة للضغوط الاقتصادية التي أثّرت على أولويات الأسر. فبعد سنوات من الحرب وما تبعها من أزمات معيشية، باتت العائلة تركّز أولاً على تأمين الاحتياجات الأساسية، ما انعكس تلقائياً على حجم الإنفاق المرتبط بالمناسبات الاجتماعية، ومنها شهر رمضان.
ويشير البعض إلى أن روح الشهر ما تزال حاضرة في البساطة، وأن قيمة الطقوس لا تقاس بحجم المائدة أو عدد الأطباق، بل بالنية والاجتماع. إلا أن واقع الحال يفرض نفسه، ويجعل بعض المظاهر التي كانت شائعة في الماضي أقرب إلى الذكريات منها إلى الممارسة اليومية.
السكبة تنحصر بين الأقارب
لم تعد طقوس شهر رمضان في مدن وبلدات محافظة درعا كما كانت في السابق، إذ فرضت الظروف الاقتصادية الصعبة تغييرات واضحة على بعض العادات الاجتماعية التي طالما ميّزت الشهر في حوران، وعلى رأسها عادة “السكبة” أو تبادل أطباق الطعام بين الجيران قبيل الإفطار.
فبعد أن كانت هذه العادة منتشرة على نطاق واسع داخل الأحياء، وتصل بين معظم بيوت الحي الواحد، باتت اليوم تقتصر في كثير من الأحيان على نطاق العائلة فقط، نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة تأمين متطلبات المائدة اليومية.
ويقول أبو محمد، أحد وجهاء درعا، في حديثه لـ”963+”: السكبة اليوم أصبحت في الغالب بين أفراد العائلة الواحدة، موضحاً أن الابن قد يرسل الطعام لوالديه، وفي أفضل الأحوال لأخيه أو أخته، أما تبادل الأطباق بين الجيران فقد تراجع بشكل كبير.
ويضيف أن هذه العادة كانت في السابق تعزز روح المشاركة بين الناس، إذ قد يجد الشخص على مائدة الإفطار خمسة أنواع من الطعام أو أكثر نتيجة انتشار السكبة بين بيوت الحي، حتى لو كانت الأطباق بسيطة. وكان ذلك يخلق نوعاً من التكافل الاجتماعي غير المباشر، بحيث يتذوق الجميع من مختلف الأطعمة، سواء كانت أطباقاً بسيطة أو وجبات أكثر تكلفة.
ويشير إلى أن الغني كان يأكل من جميع الأطباق الموجودة على السفرة، وكذلك الفقير، فالجميع كان يتشارك الطعام دون أن يشعر أحد بالحرمان.
لكن الواقع الاقتصادي اليوم، بحسب أبو محمد، جعل معظم العائلات تعتمد على إمكانياتها المحدودة، موضحاً أن تكلفة إعداد وجبة إفطار لعائلة واحدة قد تتراوح بين 150 ألفاً و200 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر.
كما يلفت إلى أن أسعار الخضار هذا العام مرتفعة بشكل غير مسبوق، مضيفاً أن صحن السلطة وحده قد يكلف اليوم بين 20 و25 ألف ليرة، في حين وصل سعر كيلو البندورة إلى نحو 20 ألف ليرة، وكذلك الخيار، وهو أمر يقول الأهالي إنهم لم يشهدوه من قبل.
اقرأ أيضاً: رمضان في الحسكة.. أسواق هادئة وجيوب مثقلة بالغلاء – 963+
السكبة تختفي في بعض القرى
من جهته، يقول جميل أبو فراس لـ”963+”: إن عادة السكبة انقطعت تقريباً في بعض قرى ريف درعا الغربي، موضحاً أن الأهالي لم يعودوا يتبادلون الأطباق كما في السابق.
فالناس اليوم، بحسب أبو فراس، لا يعتبون على بعضهم البعض في هذا الأمر، لأن الظروف المعيشية متشابهة بين معظم العائلات، موضحاً أن “الحال من بعضه”، وأن كثيراً من الناس يعيشون ظروفاً متقاربة من الفقر أو الحرمان.
ويشرح أن إرسال صحن طعام للجيران قد يبدو أمراً بسيطاً، كأن يكون طبق أرز مع قطعة دجاج مثلاً، لكن المشكلة تكمن في أن السكبة عادة تقوم على التبادل، وهذا يضع بعض العائلات في موقف محرج.
ويقول إن العائلة عندما تستلم طبق طعام من الجيران تشعر بأنها ملزمة بإرسال طبق آخر بالمقابل، ولا يمكن أن تعيد الطبق فارغاً، لذلك قد يفضّل البعض عدم إرسال السكبة أساساً كي لا يضع جاره في موقف حرج.
ويضيف: “إذا أنا بعثت لجاري صحن طعام، هو أكيد رح يستحي ويرسل بالمقابل، حتى لو كان وضعه المادي صعب، لذلك أحياناً أفضل ألا أرسل له شيئاً من البداية كي لا أحرجه، لأنني أعرف أن وضعه لا يسمح”.
ويلفت أبو فراس إلى جانب آخر من الواقع المعيشي الصعب، قائلاً إن هناك أياماً تمرّ على بعض العائلات ولا يكون على مائدتها سوى طعام متبقٍ من اليوم السابق، مضيفاً: “أحياناً تمرّ أيام ما يكون على السفرة إلا أكل بايت من يوم أو يومين، وأنا آكل منه عادي حتى أستر حالي، لكن لا أستطيع أن أرسله للجيران، لأن ذلك قد يسبب لي إحراجاً”.
ويختم بالقول إن كثيراً من البيوت تحمل أسرارها، وهناك عائلات كثيرة متعففة لا تريد أن تكشف فقرها أو ظروفها المعيشية للآخرين، وهو ما جعل بعض العادات الاجتماعية تتراجع أو تختفي بهدوء.
طعمة العنايا… عادة لا تنقطع
ورغم هذا التراجع في بعض الطقوس، إلا أن عادات أخرى ما تزال حاضرة بقوة في المجتمع الحوراني، وعلى رأسها “طعمة العنايا”، التي تعد من أبرز التقاليد الاجتماعية المرتبطة بشهر رمضان.
وتتمثل هذه العادة بإرسال مواد غذائية في بداية الشهر للبنت أو الأخت المتزوجة، غالباً لتجهيز وجبة السحور، إضافة إلى إرسال دجاجتين أو نحو كيلوغرامين من اللحم خلال أيام رمضان.
ويؤكد الأهالي أن هذه العادة ما تزال أساسية ولا يمكن التخلي عنها، حتى في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، إذ يحرص كثير من الناس على القيام بها باعتبارها واجباً اجتماعياً تجاه الأخوات والبنات.
وفي كثير من الحالات، قد يكون الوضع المادي لبعض العائلات ضعيفاً، لكنهم رغم ذلك يحافظون على هذا التقليد. ففي بعض الأحيان قد تصل “طعمة رمضان” إلى الزوجة من أهلها، كدجاجتين مثلاً، فيقوم الزوج في المقابل بإرسال طعمة مماثلة لأخته أو لابنته، ليكون قد أدى واجبه الاجتماعي تجاهها.
ويشير الأهالي إلى أن البعض قد يضطر حتى لشراء هذه المواد بالدين من أجل الالتزام بالعادات والتقاليد، مؤكدين أن كثيرين يرون أن “العنايا” لا يجوز أن تنقطع، حتى لو تم تأمينها بالدَّين.
بين الذاكرة والواقع
في حوران، لا يزال رمضان شهراً للعائلة وصلة الرحم، لكن تفاصيله تغيّرت. بعض العادات اندثر أو تراجع حضوره، ليس لقلة الاهتمام، بل لأن الظروف المعيشية ضيّقت هامش الحركة أمام كثير من الأسر. ومع ذلك، يبقى الإصرار واضحاً على التمسك بجوهر الطقوس، ولو بأبسط الصور، حفاظاً على هوية اجتماعية تشكّلت عبر أجيال.
ويبقى السؤال مفتوحاً بين الأهالي: هل تعود تلك العادات بقوتها إذا تحسنت الظروف، أم أن ما اندثر منها سيبقى جزءاً من ذاكرة رمضان في حوران؟










