في شهر واحد، هزت ثلاث جرائم غير مألوفة المشهد الاجتماعي في سوريا، الجرائم التي ضجت بها وسائل التواصل الاجتماعي، لم تكن عادية لأن مرتكبيها لم يكونوا “رجال عصابات” أو “مجرمين محترفين”، بل زوجات رفعن أيديهن بالقتل، المجتمع الذي اعتاد على سماع أخبار العنف الذكوري، صُدم هذه المرة بجريمة “نسائية” المصادر المقربة من ملفات العنف الأسري تشير إلى أن هذه الحوادث ليست سوى “قمة جبل الجليد” هناك العشرات من الحالات التي لم ترَ النور، حيث تنتهي المشاكل بالقتل أو الانتحار أو محاولات مكررة، السؤال الذي يطرحه الجميع: لماذا الآن؟ وما الذي تغير في التركيبة النفسية للمرأة السورية حتى وصلت إلى مرحلة “قتل الشريك”؟ وفي مجتمع يعتبر التعدد مباحاً دينياً واجتماعياً، كيف أصبح اليوم سبباً في جرائم قتل؟
الانتقام بصيغة المؤنث
تقول الباحثة الاجتماعية ليلى السليمان في تصريحات لـ”٩٦٣+”: “التعدد كان مقبولاً في السابق ضمن ضوابط وقناعات محددة، لكن اليوم، عندما تعيش الزوجة حياة مليئة بالقهر والعنف والحرمان، يصبح إعلان الزواج بأخرى ليس مجرد خيانة، بل صفعة نهائية تقول لها: أنتِ منتهية الصلاحية. هنا قد يتحول الألم إلى انتقام”.
وتوضح السليمان أن هذه الجرائم ليست محصورة بالجغرافيا أو بالحدث نفسه، بل تجمعها خيوط عميقة من القهر النفسي والاجتماعي المتراكم. وقالت: “هذه الجرائم لم تنشأ من لحظة غضب عابرة، بل هي نتاج سنوات طويلة من التراكم الصامت، في مجتمع لم يضع بعد آليات حقيقية لحماية المرأة من التدمير النفسي والإنساني داخل مؤسسة الزواج”.
وفي إحدى المحافظات الشمالية، استلمت امرأة في الأربعين من عمرها جثمان زوجها بعد 15 عاماً من الزواج وأربعة أبناء، لتكتشف أن زوجها تزوج ثانية دون إبلاغها، وكانت الزوجة الثانية أصغر منها بعشرين عاماً.
تقول السليمان: “ليست مفاجأة تامة، فقد لاحظت تغيّرات في سلوكه منذ أشهر، من غياب متكرر وبرودة عاطفية متصاعدة، لكنها اختارت الصمت خوفاً على أطفالها وعلى سمعتها الاجتماعية. كانت تقول للجيران دائماً: ما دام أولادي بخير، أنا بخير، وكانت تبكي سرًا في المطبخ”.
وتضيف الباحثة الاجتماعية: “في تلك الليلة، بعد أن نام الأطفال، ارتكبت ما لا يُبرَّر وما لا يُفهم إلا بفهم السنوات السابقة، وهي لم تكن تعاني من اضطراب نفسي مُشخّص، لكنها كانت في حالة ما يُعرف طبياً بـالانهيار التراكمي، حيث يتجاوز الضغط النفسي قدرة الفرد على المعالجة والاستيعاب”.
وتقول السليمان إن الحادثة الثانية تكشف عن “ملف العنف المخفي”، إذ تعرّضت امرأة شابة للضرب المتكرر على مدى سبع سنوات. وكانت توثق الكدمات بالصور على هاتفها، لكنها لم تبلغ الشرطة ولم تلجأ للطبيب إلا نادراً، خوفاً من الطلاق وفقدان أطفالها. وعندما أعلن زوجها الزواج الثاني بطريقة مماثلة، لم تكن هذه الحادثة معزولة، بل القشة التي أنهت قدرتها على الاحتمال.
وتروي صديقة مقرّبة للمتهمة: “كانت تُريني الكدمات وتقول: لا أستطيع أن أتركه لأن أطفالي سيأخذهم. كنت أقول لها: اذهبي للشرطة، وكانت ترد: وبعدين؟”
وتضيف السليمان: “هذه الشهادة تُلخّص مأزقاً بنيوياً حقيقياً، حين تدرك المرأة أن الأنظمة المتاحة للحماية، القانونية والاجتماعية والعائلية، لن تحميها فعلاً. تُغلق نوافذ الإفراج المشروع عن المعاناة واحدة تلو الأخرى”.
وتصف السليمان الحادثة الثالثة بأنها “عشرون عاماً من السكوت”. امرأة تجاوزت الخمسين، أم لستة أبناء، وصفت بالصبورة والصامتة. لم تشكُ أو تعترض على مر السنين، وكان يُقال عنها في المجالس العائلية: “المرأة الصالحة هي التي تحتمل”.
وتوضح السليمان: “لم يسأل أحد ماذا وراء هذا الصمت الطويل؟ ما الذي تتحمله هذه المرأة؟ وما الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يُكبّل مشاعره عشرين عاماً؟”. تقول ابنتها الكبرى: “كان وجهها دائماً هادئاً، الآن أفهم أن هذا الهدوء لم يكن سلاماً، بل تجميداً لمشاعرها”.
بعد وفاة والدتها، وخلال ثلاثة أشهر فقط، جاء الزوج الثاني ليزيد الضغط النفسي، ما أدى إلى حالة من الحزن المركب والصدمة العاطفية الناتجة عن الخيانة، في مجتمع لم يتعلم بعد أن يسأل المرأة بجدية: “كيف أنتِ؟”.
وتؤكد السليمان أن السؤال الحقيقي ليس: “لماذا ارتكبت هؤلاء النساء جرائمهن؟”، فالمحاكم تجيب عن هذا السؤال. السؤال الأهم هو: “لماذا ترك المجتمع الأمور تصل إلى هذا الحد؟”.
وتضيف: “نحن نعيش في مجتمع يُعلّم المرأة الصمت، ثم يستفيق مذهولاً حين تنفجر. الجريمة لا تُبرر، لكن المجتمع الذي لا يسأل عن الأسباب، ولا يبني أنظمة وقاية، ولا ينصف المظلوم قبل الانفجار، يشارك بطريقة ما في صناعة تلك اللحظة”.
الزواج الثاني ليس السبب
يقول الباحث الاجتماعي صالح خير الدين لـ”963+”: “الزواج الثاني ليس السبب، بل الصاعق الأخير في سياق طويل من التراكمات، من العنف والإهمال العاطفي وانعدام الأمان الاقتصادي وانسداد مسالك الخروج الآمن، إضافة إلى غياب آليات التنفيس المشروع”.
ويشير خير الدين إلى أن المجتمعات التي تتوفر فيها خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، وتطبق قوانين حماية الأسرة فعلياً، تشهد انخفاضاً في معدلات الجرائم الأسرية. بينما في سوريا اليوم، وبعد أكثر من عقد من الحرب والتدمير الاقتصادي والاجتماعي، انهارت كثير من شبكات الدعم التقليدية مثل العائلة الممتدة والمؤسسات الدينية والخدمات الاجتماعية، فصار الفرد أكثر عزلة أمام أزماته.
ويضيف: “الصمت الاجتماعي هو المُنتِج الأساسي للعنف، هناك ثقافة راسخة تكافئ المرأة على الصمت والاحتمال، وتعاقبها حين تتحدث عن معاناتها”.
ويقول الدكتور مالك حداوي، متخصص نفسي لـ”963+”: “مفهوم ‘نافذة التحمل’ Window of Tolerance هو الهامش النفسي الذي يستطيع فيه الإنسان معالجة الضغط. حين يضيق هذا الهامش بشكل متراكم دون أي دعم أو تنفيس، يصبح الفرد عُرضة لردود فعل غير متناسبة مع المثير المباشر”.
ويضيف حداوي: “المطلوب شبكة دعم نفسي واجتماعي وطنية، لا الاكتفاء بالمستشفيات النفسية، ومراكز مجتمعية في الأحياء والقرى يستطيع فيها الفرد ـ ذكراً وأنثى ـ التحدث عن ضغوطه قبل أن تتحول إلى كوارث. يجب تغيير ثقافة ‘الاحتمال الصامت’: الصمت ليس فضيلة حين يكون ثمنه الانفجار”.
ويقترح المحامي مجد الرداوي مراجعة قانون الأحوال الشخصية السوري بشكل جدي في أحكام تعدد الزوجات، باشتراط إخطار الزوجة الأولى وإثبات العدل الفعلي، لا الاكتفاء بالإعلان فقط.
ويضيف الرداوي لـ”963+”: “يجب توفير مسار قانوني آمن وحقيقي للمرأة لاتخاذ قرارها، بما يشمل حق الطلاق مع ضمانات حضانة عادلة، وحماية الأطفال في النزاعات الأسرية عبر مراكز إيواء عائلية. كما يجب تدخل اجتماعي مبكر عند رصد مؤشرات العنف، وبرامج لرعاية الأطفال بعد وقوع الجرائم، وتدريب الأجهزة الأمنية والقضائية على التعامل مع البلاغات بجدية وسرية، وفهم الأبعاد النفسية للضحية قبل توجيه الاتهامات”.
الأطفال ضحايا إضافيون
تختم السليمان بالقول: “الخيط الجامع في الحالات الثلاث هو الأطفال، الذين تراوحت أعمارهم بين ثلاث وخمس عشرة سنة. هؤلاء الأطفال يحملون اليوم جرحاً لم يصنعوه، فالمجتمع الذي تجاهل معاناة الأمهات هو ذاته المسؤول عن رعايتهم الآن”.
وتوضح: “الحوادث الثلاث ليست حكايات عابرة في صفحة الحوادث، بل صرخة تحذير لمجتمع ينهار تحت وطأة الفقر والجهل والعنف. إذا لم نعالج أسباب ‘الانفجار’ قبل فوات الأوان، فإن الأرقام القادمة ستكون أكثر رعباً، ولن نلوم حينها ‘القارورة’ إن تحطمت على رؤوس الجميع”.










