على الطريق الدولي بين دمشق وبيروت، ترتسم مشاهد الانتظار الطويل عند معبر جديدة يابوس، حيث تصطف عشرات الشاحنات اللبنانية المحمّلة بالبضائع في طوابير تمتد مئات الأمتار، وسط حالة من الترقّب بعد قرار تطبيق “المعاملة بالمثل” من قبل السلطات السورية، في خطوة أعادت الجدل حول مستقبل الترانزيت البري والعلاقات الاقتصادية بين البلدين الجارين، واقعٌ يتسبب بتأخير حركة التجارة البرية ويمسّ بشكل مباشر قطاع التصدير والترانزيت الذي يشكل شريان حياة للاقتصاد اللبناني، ويؤثر بالمقابل على رفد السوق السورية بسلع متنوعة بأسعار معقولة.
وتحذر مصادر في الهيئات الاقتصادية اللبنانية من أن استمرار الجمود في ملف الترانزيت يقوّض فرص الشركات اللبنانية في المنافسة، ويعزز من أزمات البطالة وانخفاض الإيرادات بالعملات الأجنبية.
في المقابل، يبرر مسؤولون وخبراء اقتصاديون سوريون القرار باعتباره إجراءً سيادياً يندرج ضمن مبدأ المعاملة بالمثل وتنظيم سوق النقل الداخلي.
في الأثناء، تتزايد الدعوات من الفعاليات الاقتصادية في البلدين لتدخل حكومي عاجل، سواء على المستوى اللبناني بتفعيل القرارات المقترحة، أو على المستوى السوري بمراجعة قرار المعاملة بالمثل، أو عبر تشكيل لجنة مشتركة تبحث حلولاً جذرية لأزمة النقل بين البلدين، والتي تتفاقم بين الحين والآخر تبعاً للتطورات السياسية والاقتصادية.
القرار أعاد رسم قواعد العبور بين سوريا ولبنان، وأثار سجالاً اقتصادياً حول من يتحمل الكلفة… ومن يملك مفتاح الحل، فكيف يرى السوريون واللبنانيون هذه الأزمة؟ وما هو مستقبل التجارة البرية في ظل التوترات التنظيمية والاقتصادية المتزايدة؟ وبين رائحة البنزين وأصوات محركات الشاحنات، يظلّ الأمل معقوداً على اتفاق يعيد فتح الطريق بين بيروت ودمشق، لا فقط لعبور البضائع… بل لعبور الثقة أيضاً.
توتر على الأسفلت: شاحنات العبور على الحدود… انتظار طويل ورسائل مفتوحة:
في مساء جديدة يابوس، تتراجع الأصوات ويغمر السكون المكان، الشاحنات ساكنة، لكن القلق متحرك في وجوه السائقين والتجار، وبينما يناقش المسؤولون الخطط، يبقى السائقون في الميدان أكثر من يدفع الثمن، فكلّ ساعة تأخير تُترجم بخسارة جديدة، وكلّ قرار غير منسّق يزيد المسافة، وعلى طرف الطريق، تبقى الأضواء مشتعلة حتى الفجر، ترمز إلى طريقين متقابلين في الجغرافيا ولكنهما متشابكان في المصير.
فحلّ الأزمة، في النهاية، لن يأتي من المناقلة اليدوية، بل من مناولة سياسية واقتصادية على مستوى القرار تفتح المعابر على أوسعها أمام المصالح المشتركة، عندما يتحوّل الممر الحدودي إلى ساحة مفتوحة للقلق والمفاوضات الميدانية غير الرسمية بين السائقين والجهات المعنية، فيما تتزايد الخسائر يوماً بعد آخر.
عند نقطة الانتظار، يحاول السائقون تمضية الوقت بشكل جماعي. بعضهم يخيط أغطية القماش لحماية البضائع، وآخرون يتحدثون عن ارتفاع تكاليف الوقود والتأمين.
طابور شاحنات على الجانب السوري من المعبر، وسائقون يجلسون قرب موقدة نار صغيرة، يحاولون كسر صمت الطريق، وآخرون يجلسون قرب حاوياتهم في انتظار المناقلة، وسائقان لبناني وسوري يتقاسمان الخبز والشاي بجانب شاحناتهما عند الغروب.
يقول السائق اللبناني نادر وهبه وهو ينتظر منذ يومين: “الحدود لا يجب أن تتحوّل إلى جدار اقتصادي، وهي ليست مساحة للضغط المتبادل، بل جسر عبور للمصالح المشتركة، فحمولتي خضار وفاكهة… كل ساعة تأخير تعني خسارة، نحن أول المتضررين من قرارات لا نعرف كيف وُضعت”.
أما السائق السوري محمود الزارع فيقول: “صرنا نحن السوريين واللبنانيين ننتظر القرار ذاته… كلنا نريد أن نتحرك”.
عضو لجنة الشحن والنقل والترانزيت في غرفة تجارة دمشق “فضل عدم ذكر اسمه”، يكشف لـ”٩٦٣+” أن عملية المناقلة بين الشاحنة السورية وغير السورية تستغرق أحياناً نحو خمسة أيام، ما يؤخر دخول البضائع إلى الأراضي السورية ويتسبب بضرر مباشر للتجار وللمستهلك على حد سواء.
ويوضح أن هذه التأخيرات تعود جزئياً إلى نقص عدد العمال “العتّالين” في المعابر، وهو ما لا يكفي لتأمين حركة النقل اليومية، وأضاف: إن النقص في العمالة والآليات أدى إلى ازدحام كبير للشاحنات وخلل في جدول دخول البضائع، ما تسبب بارتفاع التكاليف وفقدان بعض المواد الطازجة في الأسواق، ودعا إلى إعادة تقييم آلية المناقلة وتخفيف القيود الإدارية، وزيادة الموارد البشرية والفنية لتجنب الاختناقات التجارية.
ما تأثير القرار؟ وماهي المخاطر المحيطة؟
أصدرت السلطات السورية مؤخراً قراراً يقضي بمنع دخول الشاحنات الأجنبية، ومن بينها اللبنانية، إلى الأراضي السورية محملة ببضائع، والتعامل معها وفق مبدأ “المعاملة بالمثل” رداً على إجراءات لبنانية مشابهة، موضحة أن القرار ليست له أبعاد سياسية أو عقابية، بل هو خطوة لضمان الشفافية الجمركية ومكافحة التهريب، وبموجب القرار الجديد، يتوجب تفريغ الحاويات في المراكز الحدودية وتحميلها على شاحنات سورية فقط لإكمال رحلتها داخل سوريا.
هذا الإجراء فاجأ شركات النقل والمصدرين، إذ يعتمد البلد على المعبر السوري كمنفذ رئيسي إلى الأسواق العربية.
تشير التقديرات إلى أن حجم التجارة البرية اللبنانية عبر سوريا يتجاوز 700 مليون دولار سنوياً، وأن أي تعطّل في المعابر يؤدي إلى تراجع فوري في الصادرات الزراعية وارتفاع كلفة الشحن نحو الخليج بنسبة تصل إلى 35%.
يرى الدكتور جورج صليبا، الخبير الاقتصادي اللبناني في تصريحات لـ”963+” أن القرارات السيادية، مهما كانت مبرراتها، تحتاج دائماً إلى جسور تنسيق حتى لا تتحول إلى كلفة مشتركة يدفعها الجميع، وأن استمرار التأخير سيؤدي إلى تراجع مكانة لبنان كممر تجاري نحو الدول العربية، وخسائر متبادلة تطال الجمارك السورية والتجار اللبنانيين معاً، وأن القطاع الخاص في كلا البلدين هو المتضرر الأكبر، لأن أي عراقيل في خطوط الترانزيت تؤدي إلى ارتفاع الكلفة النهائية على المستهلكين وفقدان فرص العمل لدى شركات النقل والسائقين.
ويؤكد أن الأزمة الحالية تعكس غياب التنسيق الاقتصادي الحقيقي بين البلدين، رغم العلاقات التاريخية والمصالح المشتركة، والحل الأمثل يكمن في تفعيل الاتفاقيات الثنائية الموقعة بين البلدين، خاصة تلك المتعلقة بالنقل والترانزيت، بدلاً من العودة إلى سياسة المعاملة بالمثل التي تضر باقتصاديات الطرفين، وفي نهاية اليوم، الشاحنة الواقفة على حدود جديدة يابوس لا تحمل مواقف سياسية، بل تحمل زيت زيتون وخضاراً وأدوية وأثاثاً، وصاحبها ليس دبلوماسياً يتفاوض على المصالح، بل رب أسرة يسدّد قرضاً مصرفياً ويموّل تعليم أبنائه من هذه الرحلة.
ومن الجانب السوري، يعتبر الدكتور محمد يوسف، الخبير في شؤون التجارة في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن أي دولة تحمي قطاعها اللوجستي، وعندما تُمنع الشاحنات السورية من دخول أراضٍ أخرى أو تُفرض عليها قيود، يصبح من الطبيعي تطبيق المعاملة بالمثل، فالهدف ليس تعطيل التجارة، بل إعادة تنظيمها، نحن نفتح الباب أمام التنسيق لا المواجهة.
ويضيف “سوريا تتعرض أيضاً إلى ضغوط مماثلة إثر التباطؤ في تدفق بعض السلع والأسواق”، ويؤكد أن الحل يكمن في تشبيك المصالح المشتركة وليس في تبادل المعاملات التعطيلية.
ضياع الوقت والكلفة: شكاوى لبنانية
دعا نقيب شركات الترانزيت في لبنان سركيس عطاالله مسؤولي بلاده إلى التنسيق مع الحكومة السورية، لتفعيل قرار سابق يسمح بنقل البضائع إلى الدول المجاورة ضمن الحاويات، بسبب منع سوريا دخول الشاحنات الأجنبية.
وقال في بيان نشرته الوكالة اللبنانية للأنباء، إن القرار يسهّل حركة الترانزيت من خلال السماح بإخراج البضائع من المرافئ اللبنانية ضمن الحاويات الواردة من الخارج برسم الترانزيت إلى سوريا من دون تفريغها إلى الشاحنات داخل نطاق المرفأ.
ويقتضي القرار أن تنقل الحاويات مباشرة ومختومة أصولاً من الجمارك اللبنانية إلى مركز جديدة يابوس، حيث تفرّغ إلى الشاحنة السورية بإشراف صاحب البضاعة، وفقاً للأنظمة.
في المقابل، عبر مستوردون لبنانيون عن قلقهم من التعقيدات الجديدة، مؤكدين أن القرار السوري سيرفع كلفة النقل وسيؤخر وصول البضائع، يقول سركيس خاجو “أحد أصحاب شركات الشحن” في تصريحات لـ”963+”: نحن لا نعارض مبدأ السيادة أو التنظيم، لكن القرارات المفاجئة تربك العقود وتكبّدنا غرامات تأخير، المطلوب آلية تنسيق واضحة وثابتة، كنا ننقل بضائعنا مباشرة إلى وجهتها النهائية، والآن سنضطر لتفريغها وإعادة تحميلها على الحدود، وهذا يعني وقتاً إضافياً وتكاليف أكبر تنعكس على أسعار السلع.
وجهة النظر السورية: حق سيادي وتحفيز للنقل الوطني
في المقابل، يرى مسؤول في وزارة النقل السوري، “فضّل عدم ذكر اسمه”، أن القرار نابع من حرص الدولة على “المعاملة بالمثل وحماية حقوق النقل السوري”، ويقول:
“لبنان يشترط على الشاحنات السورية الشحن والتفريغ عند الحدود ولا يسمح لها بالدخول، فكان لابد من تطبيق الإجراء نفسه… لسنا ضد استمرار التبادل التجاري، لكننا ندعو لاحترام سيادة وإجراءات كل بلد، والقرار هو لتنظيم العملية وتحقيق مبدأ السيادة الاقتصادية”.
ويضيف المصدر: “النقل السوري تضرر بشكل كبير بفعل الإجراءات اللبنانية سابقاً وكنّا نتغاضى ونقدم تسهيلات أحياناً، اليوم الوضع لم يعد يحتمل، ويجب تشجيع شركات النقل السورية التي تمر بأزمة خانقة”.
في نفس السياق، يوضح مسؤول في الجمارك السورية (طلب عدم ذكر اسمه) أن القرار جاء في إطار حماية الاقتصاد الوطني السوري من ممارسات التهريب والاستهلاك غير المشروع للمواد المدعومة، إضافة إلى الحرص على تنفيذ القوانين الجمركية بصرامة، ويقول المصدر: “شهدنا حالات يتم فيها استخدام الشاحنات الأجنبية في عمليات تهريب وتلاعب في نوعية وشهادات البضائع، ما دفع الحكومة السورية لاتخاذ إجراءات مشددة تضمن إخضاع الحمولات لإشراف دقيق”.
ويؤكد أن تفريغ الحاويات في معبر جديدة يابوس أمام عيون الجمارك وأصحاب البضائع يقلل من مخاطر التهريب ويدعم جهود الدولة في تحصيل الرسوم وإحكام الرقابة.
ويوضح: “لا نسعى إلى تعطيل التجارة اللبنانية، نريد فقط تحديد مسارات واضحة تمنع التهريب وتحافظ على موارد الدولة، مع احترام مبدأ التعامل بالمثل”.
ومع ذلك، يشدد على انفتاح الحكومة السورية على التعاون مع لبنان لتسهيل انسياب البضائع، شريطة الالتزام بالإجراءات القانونية واحترام سيادة الدولة السورية وحرية اتخاذ القرار بما يراعي المصالح الوطنية.
وتشير بيانات سورية إلى أن إدخال الشاحنات الأجنبية دون ضوابط خلال السنوات الماضية تسبب بخسائر جمركية وتجاوزات في سوق النقل المحلي، وهو ما تسعى دمشق إلى معالجته ضمن خطة إصلاح اقتصادية أوسع.
الكلفة الاقتصادية: من يدفع الثمن؟
حسب تقارير إعلامية لبنانية فإن النتيجة الفورية للقرار السوري هو شلل شبه تام في معبر جديدة يابوس، المنفذ البري الأساسي بين البلدين، والشريان الذي تعبره يومياً ـ في الأوقات الاعتيادية ـ ما بين 300 و400 شاحنة تحمل بضائع بقيمة تتجاوز 15 مليون دولار أسبوعياً، وأن حجم التبادل التجاري المهدَّد بالأرقام يشير أن قيمة الصادرات اللبنانية عبر سوريا سنوياً تتراوح بين 400 و600 مليون دولار، وأن نسبة الصادرات اللبنانية التي تعبر الأراضي السورية تزيد على 60% من إجمالي الصادرات البرية، وأن عدد شركات الترانزيت المتضررة في لبنان أكثر من 120 شركة، وعدد السائقين المباشرين المتضررين يُقدَّر بـ 4000 إلى 6000 سائق، ووفق تقديرات نقابية أولية، فأن تكلفة الانتظار على السائق الواحد ، تكلفة الوقود خلال فترة الانتظار 50 إلى 80 دولاراً يومياً، والأجر اليومي الضائع 70 إلى 120 دولاراً، إضافة إلى قيمة البضائع الفاسدة.
وبين الموقفين، تبقى الكلفة الفعلية موزعة على عدة أطراف كما يقول الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد في تصريحات لـ”963+” وهم المصدرون والمستوردون: الذين يتحملون رسوم تخزين إضافية وغرامات تأخير، وشركات النقل التي تخسر أيام عمل وإيرادات مباشرة، والمستهلك النهائي الذي قد يواجه ارتفاعاً في الأسعار نتيجة زيادة كلفة النقل.
ويحذر من أن أي تعطيل طويل الأمد سيدفع بعض التجار للبحث عن ممرات بديلة عبر مرافئ أو حدود أخرى، ما يضعف دور لبنان كمحور ترانزيت.
ويؤكد أن إنشاء لجنة حدودية اقتصادية مشتركة خطوة ضرورية لتفادي أزمات مماثلة، فالبلدان بحاجة لبعضهما اقتصادياً ولوجستياً، وأي عرقلة في الحدود بينهما تنعكس مباشرة على العمال والتجار والمزارعين في الجانبين.
يرى أن الحل يكمن في اتفاق ثنائي متكامل بين وزارتي النقل في البلدين لتبسيط إجراءات الترانزيت واعتماد نظام رقمي موحّد بين الجمارك اللبنانية والسورية، وإقامة منطقة لوجستية مشتركة قرب المعبر تعمل على تبديل الحاويات ومتابعة الإجراءات بسرعة دون تعطيل الرحلات.
يختم “مراد” بالقول: الملف اليوم ليس مجرد شاحنات مصطفة عند الحدود، بل اختبار لقدرة الحكومتين على إدارة الخلافات التنظيمية بعيداً عن التصعيد، فالتجارة، في بيئة اقتصادية منهكة على جانبي الحدود، ليست ترفاً سياسياً.. بل شرياناً حيوياً لا يحتمل الانقطاع الطويل. تاريخ العلاقات الاقتصادية بين البلدين يُظهر أن التجارة غالباً ما تتأثر بالتجاذبات السياسية، لكنها في النهاية تفرض منطقها، فحجم التبادل والترابط الجغرافي يجعلان من الصعب على أي طرف الاستغناء الكامل عن الآخر.










