مع دخول النصف الثاني من شهر رمضان المبارك، تتزايد معاناة المواطنين السوريين وتتصاعد الشكاوي من الارتفاع الحاد في أسعار اللحوم والمواد الغذائية، وسط غياب الرقابة لحماية المستهلك واحتدام المنافسة بين التجار، فيما يكتفي المسؤولون بدعوات أخلاقية تطلب من التجار “تحكيم الضمير ومخافة الله”، بدلاً من اتخاذ تدابير اقتصادية وتنظيمية فعلية، ودون إقرار أي تسعيرة موحدة للسلع الأساسية، ففي كل عام، يحمل شهر رمضان معه ضيوفاً اثنين لا يفارقانه في سوريا، فانوس الشهر الكريم… وموجة الغلاء المتجددة، غير أن رمضان 2025 يبدو مختلفاً في درجة وطأته؛ إذ باتت الأسواق تعكس صورة اقتصادية قاتمة يعيشها ملايين السوريين تحت سقف دخل لا يتجاوز في أحسن أحواله 120 دولاراً شهرياً، في مواجهة أسعار تجاوزت قدرة معظم الأسر على الاقتراب منها.
وبين دعوات رسمية للاعتماد على الضمير في التسعير، ومطالب شعبية بتفعيل الرقابة وتحقيق توازن أكبر في السوق، يبقى التحدي الأبرز هو إيجاد معادلة تجمع بين حرية السوق وحماية الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي للمواطنين، ولكن بين منطق السوق ومتطلبات المعيشة، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية معقدة تتداخل فيها عوامل الإنتاج والتجارة والرقابة والدخل، والسؤال الجوهري: من يتحمل المسؤولية في غياب الحماية الاجتماعية للمستهلك السوري؟
اقرأ أيضاً: بين “الصوم الرقمي” ولمّة العائلة.. كيف تؤثر السوشيال ميديا على أجواء رمضان؟ – 963+
المشهد الميداني.. أسواق تئنّ والمواطن يتراجع
في أزقة الأسواق المكتظة برائحة التوابل ومعروك رمضان الساخن، تتعثر خطوات الناس بين المحالّ، تتبعهم نظرات متعبة تبحث عن سعرٍ يناسب ما بقي من النقود في الجيب، والأحاديث أمام محلات الخضار تدور حول شيء واحد: “غداً أغلى من اليوم” وتمتزج أصوات الباعة بنداءات الزبائن الباحثين عن الأرخص، وعن ما يُبقي مائدة رمضان ناقصة لكن ممكنة، تتكرر عبارة “الله يعين” أكثر من أي وقت مضى، وكأنها صارت العملة المتداولة بدل الليرة، في بلدٍ لم يعد فيه السعر ثابتاً ولا الدخل كافياً، يتحول الشهر المبارك إلى اختبار يومي للصبر.
ومع مرور النصف الأول من الشهر الفضيل، تشهد الأسواق السورية موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، طالت معظم السلع الغذائية الأساسية وعلى رأسها اللحوم والمواد التموينية، وبينما يحمل المواطنون التجار مسؤولية استغلال الموسم الرمضاني، يرى هؤلاء أن ما يجري نتيجة طبيعية لتقلص العرض وتزايد الطلب في ظل اقتصاد حرّ لا يعرف التسعيرة الموحدة، وفي كل زاوية، تتلخّص الحكاية نفسها: الوجع واحد، وإن اختلفت اللهجات والأسواق.
على الرصيف قرب محل الدواجن يقف محمد الدخيل وهو موظف حكومي، متأملاً لوحة الأسعار التي تتبدل كل يوم، يراقب الميزان وكأنه يراقب مصيره، يقول لـ”963+”: بالسابق كنا نحسبها بالوزن… اليوم نحسبها بالحلم، اللحم صار بعيد، حتى الدجاج غالي، والجيبة فاضية في نص رمضان.
ويضيف أن المشكلة الأساسية ليست في ارتفاع الأسعار فقط، بل في الفجوة الكبيرة بين الدخل وتكاليف المعيشة، يبتسم بمرارة وهو يعدّ ورقات قليلة من النقود.
ويقول: رمضان زمان كان للعزائم، اليوم صرنا نحسب عدد اللقمات، ورمضان هذا العام ليس موسماً للكرم، بل اختبار للقناعة والصبر أمام موجة غلاءٍ قاسية، جعلت الموائد أخفّ، والفرحة أهدأ.
وراءه، تهمس امرأة في الخمسين تدعى “أم خالد” وهي تخرج من محل الخضار بكيس صغير: الوزير بيحكي عن الضمير… بس يا ابني الضمير ما بيشبع الأطفال، كل شيء غالي، وحتى الصيام صار وجعاً إضافياً.
هنا يتدخل البائع مصطفى يحاول أن يشرح لـ”963+” أن المشكلة أعمق من طمع بعض الباعة فيقول: نحن مجبرون لا مخيّرون لسنا ضد الناس، لكن الأسعار ترتفع من المصدر، من التجار الكبار، وكل صاحب محل يحاول ينجو بطريقته، أنا مثلاً أربح قليل، بس غيري يربح أضعاف.
ويوضح أن تكاليف النقل والطاقة صارت عبئاً إضافياً ويتابع القول: نشتري الغالي ونبيع الأغلى، وإلا نسكّر المحل ونروح عالبيت.
وعلى الرصيف المقابل في السوق يجلس “العم أبو أحمد يتجاوز السبعين من العمر” أمام محله وكأنه منهك من المساومات اليومية، هو يقول لـ”963+”: الناس تظن أننا نربح الملايين، بس الكل خسران، الكهرباء غالية، النقل أغلى، والدولار والتجار يلعبوا فينا يمين وشمال، والناس بتسأل أكتر ما تشتري… السوق مليان أنين.
يقول جمال صاحب محل حلويات: يفتقد كثير من السوريين اليوم أجواء رمضان التقليدية، الأضواء ما عادت تملأ الشوارع، وروائح الطعام قلّت في الحارات، الغلاء لا يُرهق الجيوب فقط، بل يخنق الفرح أيضاً، كنا نبيع قبل الإفطار بصف طويل من الزبائن، واليوم الناس تطبخ على القدّ، قليل من يفكر يشتري معمول أو قطايف، القدرة الشرائية للمواطن لا تكفي أسبوعاً واحداً.
اقرأ أيضاً: صحيفة: فندق في دمشق يقدم طعاماً وفق التعاليم اليهودية – 963+
وزير الاقتصاد يدعو تحكيم الضمير ومخافة الله في التسعير!!
في خضم هذه الأزمة المعيشية، جاء الرد الحكومي ليس عبر حزمة إجراءات اقتصادية أو برنامج لدعم الأسعار أو حملة رقابية، بل من خلال منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أكد وزير الاقتصاد السوري الدكتور نضال شعار في منشور عبر صفحته الرسمية على فيسبوك أن الدولة تعتمد نموذج اقتصاد السوق المفتوح الذي لا يفرض تسعيرة مركزية للسلع، وقال إن الأسعار يجب أن تحددها آليات العرض والطلب، لكنه دعا التجار إلى تحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والاجتماعية.
وجاء في منشوره: “تحقيق الربح حق مشروع، لكن يجب تحكيم الضمير ومخافة الله في التسعير، خاصة في شهر رمضان وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة”.
وفيما يرى المؤيدون لهذا الموقف أن تدخل الدولة في التسعير قد يؤدي إلى شح في السلع وسوق سوداء، يرى المنتقدون أن “مخافة الله” لا يمكن أن تكون بديلاً عن منظومة حماية المستهلك، خاصة في غياب أي شبكة أمان اجتماعي فعلية.
هذه الدعوة، التي قوبلت بسخرية واسعة على منصات التواصل، أثارت سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للضمير وحده أن يضبط أسعار السوق في ظل غياب الرقابة وشح السلع وتزايد الطلب الموسمي؟
الدكتور عبد المنعم عزاوي، الخبير الاقتصادي، يرى في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن دعوة الوزير “الضمير بديلاً عن السياسة الاقتصادية” تعكس حالة العجز الرسمي عن ضبط السوق، وتحّمل التجار مسؤولية لا يتحملها أي تاجر في العالم بمفرده، وفشل السوق لا يُعالَج بالمناشدة، فالضمير لا يضبط سوقاً تتحكم به المصالح، حيث تتحول معاناة المواطن من صوم الجوع إلى معاناة من “صوم” القدرة الشرائية التي تآكلت أمام موجة غلاء غير مسبوقة، في وقت تترك فيه الحكومة الأسعار لآليات السوق، مكتفية بدعوة التجار إلى “تحكيم الضمير”، خاصة في ظل غياب قوانين رادعة للمحتكرين ومتلاعبي الأسعار.
ويضيف: السوق سيصبح بلا ضوابط، حين يصبح الضمير هو الحكم الوحيد، فحرية السوق لا تعني غياب الإشراف، والمفارقة التي يعيشها السوق السوري تكشف سوء فهم جوهرياً لمبدأ اقتصاد السوق الحر، فهذا النظام لا يعني غياب الدولة، بل يقتضي وجود مؤسسات تنظيمية وقانون منافسة فعّال وحماية للمستهلك، وهو ما يفتقده السوق السوري بالكامل، والمشكلة السورية تجمع بين فشلين في آنٍ واحد: فشل السوق (بسبب احتكار الوسطاء وضعف المنافسة وآثار التصدير غير المنضبط) وفشل حكومي (بسبب ضعف الرقابة وغياب السياسات الاجتماعية والاقتصادية التصحيحية)، واقتصاد السوق الحر في بلد يعاني من احتكار وضعف رقابة وانهيار قدرة شرائية هو وصفة لكارثة اجتماعية، والحكومات حتى الأكثر ليبرالية تتدخل لحماية المستهلك في الأزمات.
ويضيف العزاوي: اقتصاد السوق لا يعني الفوضى، هناك ما يسمى بالمنافسة العادلة، والجهات الرسمية مطالبة بضبطها، وترك السوق بلا مراقبة سيؤدي إلى فوضى سعرية وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين.
ويقترح إعادة النظر في سياسة تصدير المواشي والسلع الأساسية خلال المواسم الحساسة، إلى جانب تحديد “أسعار تأشيرية” تحدد الحدود الدنيا والعليا للربح، دون الإخلال بحرية السوق.
ويختم “العزاوي” مصطلح اقتصاد السوق الحر الذي تتبناه الحكومة يعني وجود منافسة حقيقية وشفافية في المعلومات ورقابة على جودة السلع، وليس ترك المواطن فريسة لجشع بعض التجار الذين يستغلون حاجة الناس في رمضان.
غياب الرقابة: هل انتهى دور الدولة؟
بين صمت الدولة ودعوات تحكيم الضمير، المواطن يدفع الفاتورة، ومع تزايد الشكاوى، يبرز سؤال الرقابة بشكل ملح: لماذا تكتفي الدولة بدعوة التجار إلى تحكيم الضمير، بدلاً من تفعيل أدواتها الرقابية؟
مصدر في مديرية حماية المستهلك (فضل عدم الكشف عن اسمه) يقول لـ”963+”: آليات العمل تغيرت، نحن لا نستطيع تحديد السعر قسراً، لكننا نتدخل في حال وجود شكاوى تتعلق بالغش التجاري أو الاحتكار، وهناك خط ساخن لاستقبال الشكاوى، لكن العديد من المواطنين لا يتقدمون بها إما لعدم الثقة بالنتيجة أو لصعوبة الإجراءات.
لكن الدكتور عزاوي يرد على ذلك بالقول: الحل ليس في العودة إلى اقتصاد التسعيرة الجبرية الذي أثبت فشله، لكن في تفعيل آليات السوق الاجتماعي، حيث تترك حرية للتسعير مع وجود شبكة أمان اجتماعي قوية، وحماية صارمة للمستهلك، ودعم حقيقي للرقابة على الجودة والمواصفات، وخلق بيئة تنافسية حقيقية تمنع تشكل الاحتكارات، فالرقابة ليست فقط تسعيراً، بل مراقبة جودة وسلامة الغذاء، وضبط الفواتير والفوارق السعرية غير المبررة، هذه أدوات موجودة في كل دول العالم حتى الأكثر ليبرالية اقتصادية، فلماذا يبقى المواطن السوري وحيداً في مواجهة غلاء لا يعرف الضمير، ومسؤولين يكتفون بتوجيه النصائح، وأسواق تتحول إلى ساحات معارك اقتصادية، ضحيتها الوحيد هو القدرة الشرائية التي تذوب يوماً بعد يوم؟
لماذا يفشل النداء الأخلاقي وحده؟
تقول الباحثة الاجتماعية سهام مروان في تصريح لـ”٩٦٣+” الجواب ليس في المناشدات الفيسبوكية، الجواب في تنظيم صادرات المواشي خلال شهر رمضان بقيود مؤقتة وحصص، وإحياء الرقابة التموينية بصلاحيات فعلية وعقوبات رادعة، وبناء شبكة أمان اجتماعي للأسر ذات الدخل المحدود، وإرساء قانون منافسة يُجرّم الاحتكار والتلاعب بالأسعار، ومع أنه ليست المرة الأولى في التاريخ التي تواجه فيها حكومة ضغوط أسعار بدعوات أخلاقية لكن التاريخ الاقتصادي الاجتماعي يُثبت أن مثل هذه النداءات لا تجدي في ظل غياب بنية تنظيمية رادعة.
وتضيف: الحوافز الاقتصادية أقوى من الدوافع الأخلاقية في سوق تنافسية، والتاجر الذي يلتزم بضمير الأسعار يخسر حصته السوقية أمام من لا يلتزم، وغياب الرقابة يرفع تكلفة الالتزام الطوعي، حين لا يوجد تموين فعّال يعاقب المتجاوزين، يتحول الضبط الأخلاقي إلى قرار عكسي نسبياً، كما أن التحرير الاقتصادي الناقص أشد خطراً من الحماية والتنظيم، واعتماد آليات السوق دون إرساء مؤسسات تنظيمية يخلق فراغاً يستغله المحتكرون والوسطاء، والأزمة السورية مُركّبة، ولا يكفي معالجة الأسعار بمعزل عن انهيار العملة وارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الإنتاج الزراعي والأثر التصديري.
وترى الباحثة الاجتماعية أنه من منظور علم الاجتماع الاقتصادي، لا تُعدّ الأزمة الراهنة ظاهرة موسمية مرتبطة برمضان، بل هي تجلٍّي لأزمة بنيوية عميقة، فالمواطن السوري يعيش في “اقتصاد العيش اليومي”؛ أي أنه يقتصر على تأمين الحد الأدنى من الغذاء يوماً بيوم، دون قدرة على التخطيط أو الادخار أو تحسين نوعية المعيشة، وتُنتج هذه الحالة بمرور الوقت ظواهر اجتماعية خطرة، منها تراجع معدلات الزواج، وهجرة الشباب، وانتشار الاكتئاب، وتآكل النسيج الاجتماعي الذي يحمله شهر رمضان تقليدياً من تكافل ومشاركة، وفي نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بتاجر شرير يقابله مستهلك مظلوم، فالصورة أكثر تعقيداً، من منظومة تصدير غير منضبطة، وسوق محلية بلا حماية، ووسطاء يملأون فراغ الرقابة، ومواطن يمتلك دخلاً هشاً أمام أسعار صلبة.










