دمشق
كشفت صحيفة “نيويورك تايمز”، اليوم الثلاثاء، أن أحد الفنادق في قلب العاصمة السورية دمشق بدأ بتقديم وجبات مطابقة لقواعد الطعام الديني اليهودي المعروف بـ”الكوشير”، في خطوة تعكس تحولات اجتماعية وسياسية عميقة تشهدها سوريا بعد سقوط النظام.
وبحسب الصحيفة، شهد مطبخ فندق “رويال سميراميس” في وسط دمشق مشهداً غير مألوف، حيث وقف أحد الطهاة أمام منضدة مخصصة حصرياً للطعام “الكوشير”، يلفّ معجون الفليفلة الحمراء المشوية على شكل كرات أنيقة، ويزيّن أطباق الحمص بعناية.
وكانت الأطباق سورية تقليدية، لكنها أُعدّت وفق قواعد دينية صارمة، فيما وُضعت لافتات باللغة الإنكليزية كتب عليها: “Only for kosher food. Don’t touch”، وجرى تغليف الصحون وأدوات التقديم بطبقات من النايلون لمنع أي تلوث مع الطعام غير “الكوشير”.
وقال الطاهي عبد الرحمن قهوة جي لصحيفة “نيويورك تايمز”، إنه غادر سوريا خلال سنوات الحرب الطويلة، وعمل في مطاعم في لبنان والعراق قبل أن يعود إلى دمشق، مضيفاً: “رأيت ثقافات كثيرة، لكن هذه أول مرة أتعرف فيها على المطبخ الكوشير”.
وأشارت الصحيفة إلى أن تقديم الطعام “الكوشير” في دمشق يُعد واحداً من أبرز مؤشرات التغيير الذي تشهده البلاد في مرحلة ما بعد النظام.
وكانت سوريا تضم مجتمعاً يهودياً صغيراً لكنه نشط، قُدّر بنحو 30 ألف شخص توزعوا على ثلاث مدن رئيسية، من بينها دمشق، إلا أن معظمهم غادروا البلاد بعد قيام دولة إسرائيل والحروب التي تلت ذلك، فيما رحل من تبقى خلال أوائل التسعينيات، وفق ما ذكرته صحيفة “نيويورك تايمز”.
وقالت “نيويورك تايمز”، إن عدد اليهود السوريين المقيمين حالياً في دمشق لا يتجاوز بضعة أشخاص، لكن زيارات يهود سوريين وغير سوريين إلى البلاد بدأت بالازدياد، ما أوجد حاجة إلى مطاعم “كوشير” وملحمة خاصة ومعابد دينية فعّالة، إضافة إلى مطالبات باستعادة المنازل والممتلكات القديمة، حيث تؤكد الحكومة أن أي مواطن سوري يستطيع إثبات ملكيته يحق له استردادها.
وقال رجل الأعمال اليهودي السوري جوزيف ججاتي، إن عائلته كانت تلتزم بقواعد “الكوشير”، ما حرمهم من تناول أطباق سورية تقليدية تمزج بين اللحم واللبن، كما كانوا يرتادون كنيساً دمشقياً تُلقى فيه الخطب بالعبرية.
وأوضح أن فكرة المطبخ “الكوشير” في فندق سميراميس وُلدت خلال زيارة جماعية نظمتها مؤسسته “الفسيفساء السورية” في سبتمبر الماضي، مضيفاً أنه يعمل أيضاً على مشروع لإنشاء مركز ثقافي في المدينة القديمة بدمشق يركز على الحرف اليدوية التي اشتهر بها اليهود السوريون.
اقرأ أيضاً: التراث اليهودي السوري إلى العلن: ذاكرة منسية بين المصالحة والجدل
وشارك في تلك الزيارة الحاخام آشر لوباتين من ولاية ميشيغان، الذي قال إن المجموعة دُعيت إلى عشاء في الفندق برفقة مسؤولين حكوميين، إلا أنه لم يتمكن من تناول سوى الفاكهة لعدم توفر مطبخ “كوشير” آنذاك، ما دفع مالك الفندق منذر نزحة إلى التساؤل عن إمكانية إنشاء مطبخ خاص بهذا النوع من الطعام داخل المطعم.
وفي كانون الأول/ ديسمبر الماضي منحت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية ترخيصاً رسمياً لمنظمة يهودية سورية تعمل على استعادة الممتلكات التي صادرها النظام المخلوع خلال فترة حكمه للبلاد.
وقالت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، لوكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس)، إن “هذه الخطوة تمثل رسالة قوية من الحكومة السورية مفادها أننا لا نميز بين دين وآخر”.
وتابعت الوزيرة: “سوريا تساعد جميع السوريين من كل دين وطائفة من الذين يريدون بناء دولتنا الجديدة”.
ويتولى رئاسة المنظمة، التي تحمل اسم “مؤسسة التراث اليهودي في سوريا”، هنري حمرا، الذي غادر البلاد إلى الولايات المتحدة في التسعينيات مع والده يوسف حمرا، آخر حاخام سوري غادر سوريا بعد القيود التي فرضها النظام.
وأوضح حمرا، أن اليهود السوريين الذين غادروا البلاد خلال العقود الماضية يرغبون في العودة إلى بلادهم والمساهمة في إعادة إعمارها.
وأشار إلى أن الترخيص الذي حصلت عليه مؤسسة التراث اليهودي في سوريا”، هو الأول من نوعه ويشكل أملاً في دفع اليهود السوريين للعودة.
ولفت إلى أن أبرز المعالم اليهودية في سوريا هو الكنيس الكبير بحي جوبر بالعاصمة السورية دمشق، إضافة إلى عشرين كنيس تتوزع على أحياء دمشق.
ونوه إلى أن الحكومة السورية أبدت استعدادها لمساعدة اليهود السوريين في استعادة أملاكهم المصادرة بعد إبراز الثبوتيات الخاصة بها.
وذكر حمرا أن المؤسسة ستعمل على حصر الممتلكات اليهودية وإعادتها، إضافة إلى حماية واستعادة الكنائس والمعابد لتكون متاحة لليهود حول العالم.










