فجّر دخول “حزب الله” على خطّ التصعيد بين إسرائيل وإيران موجة غضب في الداخل اللبناني، وذلك على خلفية إعلان الحزب إطلاق عدد من الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل، الأمر الذي دفع الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ قرار بحظر نشاطاته، وإلزامه بتسليم سلاحه، وحصر دوره في العمل السياسي.
وقال رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، الإثنين الماضي، إن “الحكومة قررت حظر نشاطات حزب الله”، معتبراً أن إطلاق الصواريخ من لبنان يُعدّ خروجاً على الاتفاق ومقررات مجلس الوزراء.
وأضاف سلام: “طلبت الحكومة من الأجهزة الأمنية تنفيذ ما ورد لمنع القيام بأي عمليات عسكرية وتوقيف منفذيها، كما طلبت من قيادة الجيش المباشرة بتنفيذ الخطة في شقّها المتعلق بحصر السلاح شمال الليطاني”.
من جهته، قال الرئيس اللبناني جوزيف عون إن الهجمات الصاروخية على إسرائيل تضرّ بجهود حكومته لتجنيب البلاد الدخول في حرب إقليمية. وأضاف عون في بيان أن “إطلاق الصواريخ من الأراضي اللبنانية فجر الإثنين الماضي يستهدف كل الجهود والمساعي التي بذلتها الدولة اللبنانية لإبقاء لبنان بعيداً عما تشهده المنطقة من مواجهات عسكرية خطيرة”.
وكان حزب الله قد أعلن قيامه برشق إسرائيل بهجمات صاروخية، رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.
في المقابل، نفّذ الجيش الإسرائيلي ضربات استهدفت مواقع تابعة لحزب الله في مناطق عدة من لبنان، بما في ذلك مواقع لقيادات الحزب في بيروت.
اقرأ أيضاً: ما بعد الضربات الكبرى.. هل تتغير قواعد اللعبة في طهران؟ – 963+
بدوره، هدد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أمين عام “حزب الله” نعيم قاسم بالتصفية، مؤكدًا أن الحزب سيدفع ثمن عمليته ضد إسرائيل، وأن كل من يسير على خطى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي سيواجه عقوبة قاسية، مشيراً إلى أن إسرائيل ستواصل التحرك بقوة ضد الحزب مع استمرار الحرب مع إيران.
تصعيد مشروط
وبينما تتسع رقعة الهجمات المتبادلة بين “حزب الله” وإسرائيل في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط منذ الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران السبت الماضي، ارتفعت أسعار النفط وتعطّلت حركة الطيران في المنطقة.
وفي السياق، أعلنت الرئاسة اللبنانية أن السفير الأمريكي أبلغها بأن إسرائيل لن تُصعّد عملياتها ضد لبنان ما لم تصدر أعمال عدائية من الجانب اللبناني.
هذا، وقد أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، الاثنين الماضي، مقتل 31 شخصاً على الأقل وإصابة 149 آخرين جراء غارات إسرائيلية على لبنان أعقبت هجوماً شنه “حزب الله”، مشيرةً إلى أن نحو ثلثي القتلى سقطوا في جنوب البلاد.
في المقابل، أفاد الجيش الإسرائيلي بأنه اعترض مقذوفاً أُطلق من الأراضي اللبنانية، فيما سقطت مقذوفات أخرى في مناطق مفتوحة داخل إسرائيل. كما شنت الطائرات الإسرائيلية غارات جوية على الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل “حزب الله”، حيث دوّت أكثر من عشرة انفجارات في العاصمة، مؤكدةً أنها استهدفت أيضًا عناصر بارزين في الحزب قرب بيروت.
إذًا، يمكن القول إن إطلاق “حزب الله” هجماته في هذا التوقيت لا ينبغي عزله عن أهداف إيران في توسيع رقعة الحرب وإدخال ساحات جديدة إلى مسرح الأحداث، من خلال إعادة تفعيل مبدأ “وحدة الساحات” وربط الجبهة اللبنانية مباشرة بمسار المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران.
ويحمل إعلان الحزب أن هجماته جاءت ردًا على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي العديد من الرسائل؛ من بينها رسالة إلى الداخل الإيراني لتأكيد دوره الوظيفي كخط دفاع متقدم يخفف الضغط عن طهران، ويسهم في تشتيت مسار الهجوم الإسرائيلي ـ الأميركي عبر فتح جبهات إضافية تستنزف الخصوم، إلى جانب التحركات العسكرية التي تنسب إلى إيران في محيطها الإقليمي.
بيد أن هذه الخطوة تنطوي في بنيتها على تداعيات خطيرة على المستوى الإقليمي، ما دفع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى الإسراع في احتواء الموقف، تفاديًا لانزلاق البلاد عمليًا وميدانيًا إلى قلب الاشتباك بصورة أوسع وأعمق.
اقرأ أيضاً: الحكومة اللبنانية تحظر نشاط “حزب الله” العسكري – 963+
“حزب الله جماعة خارجة عن القانون”
في هذا السياق، يؤكد علي خليفة، مؤسس ورئيس حركة تحرر من أجل لبنان، أن ما كانوا يقولونه ويعلنونه في بياناتهم ومواقفهم السابقة أصبح اليوم قراراً تتبنّاه الحكومة اللبنانية تحت الضغط، وهو التعامل مع “حزب الله” كجماعة مسلّحة خارجة على القانون.
ويلفت الأكاديمي اللبناني في تصريحاته لـ”963+” إلى أن فارق التوقيت في اتخاذ هذا القرار كان من شأنه أن يوفّر على الجنوب والضاحية وكل لبنان ويلات إضافية وخسائر في الأرواح والمقدّرات.
كما يشدد على أن مرحلة ما سمّاه “لبننة حزب الله” قد انتهت، وكذلك شبهة اعتباره “مقاومة”، وأن زمن “الحوار” معه ومدّ الأيادي لاحتضانه قد ولّى.
غير أنه يحذر من الاكتفاء بحظر النشاطين العسكري والأمني، معتبراً أن ذلك لا يكفي، لأن “حزب الله”، برأيه، “ليس مجرد فصيل مسلح على هيئة عصابة، بل منظمة إرهابية ممتدّة، كونه جزءاً من الحرس الثوري الإيراني ويأتمر بإيران”.
ويخلص إلى أن التعامل معه بالمنطق العسكري والأمني يقتضي قطع العلاقات مع ما تبقّى من النظام في إيران، بانتظار إعادة تأسيس علاقات جديدة من دولة إلى دولة بين لبنان وحكومة انتقالية في إيران.
كما يشدد على أن ترسانة هذه المنظمة لا تقتصر على السلاح، بل تمتد إلى ما وصفه بغسيل أدمغة الأجيال، وتزيين الموت في عيون الناشئة، وذمّ الحياة عبر إشاعة أيديولوجيا دينية تُذهب العقل والتفكير وتنتقص من كرامة الإنسان واستقلال إرادته.
ويطالب خليفة الحكومة “بإعلان “زب الله منظمة إرهابية، وتعليق عمل الجمعيات والمنظمات التي يديرها إلى حين تسوية أوضاعها وإعادة تقييم أنشطتها وامتثالها للقوانين اللبنانية”.
ويلفت إلى أن مدارس المهدي والمصطفى، بحسب تعبيره، تربي الأطفال اللبنانيين على الولاء للمرشد الإيراني علي خامنئي، وتتبع مناهج مستندة إلى توصيات المجلس الأعلى للثورة الثقافية في إيران، وتغرس مفاهيم عقائدية مرتبطة بولاية الفقيه؛ متسائلاً عن دور وزارة التربية ووزيرتها والمركز التربوي ورئيسته في هذا السياق.
كما يحذر من نشاطات ما يُعرف بـ”القرض الحسن” المالية وتعاملاته الموازية للاقتصاد الشرعي، ومن أداء مؤسسات الحزب الصحية والقضائية والإعلامية، متسائلًا عن دور الوزراء المعنيين في الرقابة والمساءلة.
ويختم مؤسس “حركة تحرر من أجل لبنان” تصريحاته بالتأكيد أن المسألة لا تتوقف عند إصدار قرار فحسب، بل إن العمل المطلوب شامل وطويل الأمد، ويحتاج إلى وعي ومعرفة وشجاعة في التنفيذ.
“حل التنظيم”
بدوره يلفت شارل جبور، السياسي اللبناني، إلى أن إطلاق “حزب الله” للصواريخ يشكّل جريمةً بحق لبنان واللبنانيين، وبحق الشيعة وجميع أبناء الوطن، كما يشير في حديثه لـ”963+” إلى أنه يتعدّى كونه مجرد خطيئة لتجاوزه الدستور والبيان الوزاري وخطاب القسم وقرارات مجلس الوزراء ومواقف رئيسَي الجمهورية والحكومة، بل يتجاوز خطيئةَ تجاوز كل ذلك.
ويوضح أن “حزب الله” اتخذ قراره عن سابق تصور وتصميم، ومن دون أي ميزان عسكري، ما أدى إلى قتل اللبنانيين، لأنه يدرك أن إطلاق هذه الصواريخ في ظل هذه الحرب هو جريمة تنحر لبنان واللبنانيين، وتقتل عمداً بيئته والبيئة اللبنانية. وبالتالي، فإن ما ارتكبه لا يمكن، إطلاقاً، تجاوزه أو التغاضي عنه.
ومن هذا المنطلق، يشير جبور إلى أن الحكومة اتخذت قرارات واضحة بحل هذا التنظيم وتفكيك بنيته العسكرية والأمنية، وطلبت من الجيش اللبناني بسط سلطته على جميع الأراضي اللبنانية. ولا شك، بحسب قوله، أن ما اتُّخذ لن يبقى هذه المرة حبراً على ورق، لأن الظرف تبدّل.
ويختم جبور حديثه بالقول إننا أمام حرب ستنهي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأمام واقع لبناني لم يسبق أن عرف في تاريخه وحدة وطنية بهذا الشكل ضد “حزب الله” وضد ما قام به، وبالتالي نحن أمام واقع جديد ومعطيات جديدة ستؤدي إلى إنهاء هذه الوضعية الشاذة التي دمّرت لبنان وهدّرت قدراته.










