“في إحدى المرات عانيت من آلام شديدة في البطن، فحصلت على مسكنات من الصيدلية دون استشارة طبية، لتتدهور حالتي لاحقاً وتستلزم تدخلاً إسعافياً”، هكذا روى سمير، 45 عاماً من ريف درعا الغربي، تجربته التي تعكس ظاهرة لجوء بعض المرضى مباشرة إلى الصيدليات للحصول على الأدوية، وهي ممارسة تثير جدلاً واسعاً في الأوساط الصحية لما لها من انعكاسات مباشرة على سلامة المرضى وجودة الرعاية الطبية.
ويبين في تصريحات لـ”963+” الواقع المعيشي الصعب الذي يدفع المرضى إلى الصيدلية كبديل عن الطبيب، والتحذيرات المهنية من تجاوز الاختصاص، تتصاعد الدعوات لضبط هذه الممارسات وتعزيز الوعي الصحي.
سمير يوضح أنه اعتاد التوجه إلى الصيدلية عند شعوره بأي ألم أو وعكة صحية، موضحاً أن الظروف المادية تحول أحياناً دون زيارته للطبيب، وأن التجربة جعلته أكثر حذراً في التعامل مع الأعراض الصحية، مؤكداً أهمية التشخيص الطبي قبل تناول الأدوية.
وتثير ظاهرة قيام بعض المرضى باللجوء مباشرة إلى الصيدليات للحصول على الأدوية جدلاً واسعاً في الأوساط الصحية، لما لها من انعكاسات مباشرة على سلامة المرضى وجودة الرعاية الطبية. وبين الواقع المعيشي الصعب الذي يدفع المرضى إلى الصيدلية كبديل عن الطبيب، والتحذيرات المهنية من تجاوز الاختصاص، تتصاعد الدعوات لضبط هذه الممارسات وتعزيز الوعي الصحي.
كلفة المعاينة تدفع الأمهات نحو الصيدلية
تقول مرفت، أم لأربعة أولاد، لـ”963+”: إنها غالباً ما تتوجه إلى الصيدلي مباشرة عند مرض أحد أطفالها، دون مراجعة الطبيب، معتبرة أن “الصيدلي سيعطيني في النهاية وصفة مشابهة لوصفة الطبيب، لأن معظم الأطباء يصفون أدوية متقاربة للحالات الشائعة مثل الرشح أو الحرارة أو التهابات الحلق”.
وتضيف أن الصيادلة، بحكم الممارسة اليومية وكثرة المراجعين، باتوا يعرفون طبيعة الوصفات التي يعتمدها كل طبيب، موضحة أن “الصيدلي في النهاية هو دكتور أيضاً وكل مرة أذهب إليه أحصل على دواء يتحسن عليه أطفالي”.
وتشير إلى أن العامل المادي يلعب دوراً أساسياً في قرارها، إذ تبلغ أجرة المعاينة الطبية نحو 50 ألف ليرة سورية، وغالباً ما يُطلب إجراء تحاليل مخبرية تبدأ أقلها من 100 ألف ليرة سورية، وبعض النتائج قد لا تظهر شيئاً في المرة الأولى ما يستدعي إعادة التحليل أو طلب تحاليل إضافية.
وتتابع أن التكلفة الإجمالية قد تصل إلى ما بين 400 و500 ألف ليرة سورية قبل الحصول على العلاج، في حين أن الصيدلي قد يصرف وصفة دوائية كاملة بسعر يقارب 50 ألف ليرة سورية فقط، دون تكاليف إضافية.
وتختم حديثها بالتأكيد على أن الأمر يختلف بحسب الحالة الصحية، قائلة إن “ليس كل مرض يحتاج إلى طبيب، ولا كل حالة تستدعي الذهاب مباشرة إلى الصيدلي، فالأمر يتوقف على طبيعة المرض وشدة الأعراض”، مشددة على أنها تلجأ للطبيب عندما تشعر بأن الحالة تتجاوز الأعراض البسيطة أو المعتادة.
مسؤولية التشخيص وحدود دور الصيدلاني
تقول الدكتورة الصيدلانية صبرية حرب لـ”963+”: إن الطبيب هو المسؤول عن فحص المريض وتشخيص حالته بناءً على الفحص السريري والتحاليل المخبرية والصور الشعاعية، وأضافت أن الطبيب يحدد العلاج المناسب، بينما يقتصر دور الصيدلاني على صرف الدواء وتقديمه للمريض وفق الوصفة الطبية، ونوهت إلى أن هناك حالات محددة تتعلق بالأدوية التي تُصرف دون وصفة طبية (OTC)، مثل أدوية الحساسية والمسكنات، حيث يمكن للصيدلاني صرفها ضمن حدود مهنية محددة.
وتضيف أن الصيدلاني يكون مستمعاً جيداً لشكوى المريض، ويتعامل مع حالات متعددة، خاصة لدى المرضى غير القادرين مادياً على زيارة الطبيب، وأردفت أن الصيدلاني قد يوجّه المريض ويقدم له المشورة الدوائية المناسبة بناءً على الأعراض التي يذكرها، مع ضرورة مراعاة الحدود المهنية والمسؤولية الصحية.
وتشير إلى أن صرف الأدوية، خاصة المسكنات، دون تشخيص دقيق قد يشكل خطراً على صحة المريض، وأضافت أن بعض الحالات مثل التهاب الزائدة الدودية أو التهاب المرارة قد تتشابه أعراضها مع آلام بسيطة، ونوهت إلى أن استخدام المسكنات في هذه الحالات قد يؤدي إلى إخفاء الأعراض وتأخير التشخيص، ما قد يسبب مضاعفات خطيرة مثل انفجار الزائدة الدودية.
وتضيف أن العديد من الأعراض قد تكون مشتركة بين حالات بسيطة وأخرى خطيرة، مثل الغثيان والإقياء وآلام البطن، وأردفت أن التحاليل المخبرية، وخاصة ارتفاع عدد الكريات البيضاء، تلعب دوراً أساسياً في تحديد طبيعة المرض والوصول إلى التشخيص الصحيح، وهو ما لا يمكن تأكيده دون تقييم طبي متخصص.
وتؤكد أن الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية يشكل خطراً كبيراً، وأضافت أنه يؤدي إلى زيادة مقاومة الجراثيم للصادات الحيوية، ونوهت إلى إمكانية صعوبة علاج الالتهابات مستقبلاً وزيادة تعقيد الحالة المرضية.
وتشير إلى أن مهنة الصيدلة تقوم على أسس أخلاقية وإنسانية، وأضافت أنه يجب على الصيدلاني الالتزام بالقوانين والأنظمة الناظمة للمهنة، وأردفت أنه لا ينبغي أن يخضع لأي ضغوط اقتصادية أو اجتماعية تدفعه إلى تجاوز مسؤولياته المهنية.
خطر ممارسة المهنة من قبل غير المؤهلين
وتنوه إلى أن ظاهرة وجود أشخاص غير مؤهلين يمارسون مهنة الصيدلة تشكل خطراً كبيراً على المجتمع، وأضافت أن هؤلاء يفتقرون إلى المعرفة العلمية اللازمة، وهدفهم غالباً يكون الربح المادي فقط، ما يهدد سلامة المرضى ويؤثر سلباً على المهنة.
ويقول الدكتور وسام أبو السل، أخصائي جراحة بولية، لـ”963+”: إن هناك زيادة ملحوظة في أعداد المرضى الذين راجعوا العيادة بعد تناول أدوية بشكل عشوائي من الصيدليات دون تقييم طبي صحيح.
ويشير إلى أن السبب غالباً عدم استجابة المرضى للعلاج أو غياب التحسن، ما يدفعهم لاحقاً للبحث عن استشارة طبية، محذراً من أن تناول المسكنات أو المضادات الحيوية عشوائياً قد يخفي الأعراض ويؤخر التشخيص، ويصعّب اكتشاف حالات تحتاج لتدخل عاجل.
ويوضح أن التعامل الطبي يبدأ بالتقييم السريري الأولي، ويُطلب التحاليل والصور الشعاعية حسب الحاجة للوصول إلى تشخيص دقيق، وأردف أن الهدف الأساسي هو وضع العلاج المناسب بناءً على تشخيص صحيح.
ويؤكد أن المعاينة الطبية بحد ذاتها تُعد الأقل تكلفة على المريض، وأضاف أن بعض الحالات قد تتطلب تحاليل مخبرية أو صوراً شعاعية إضافية، لكنه نوه إلى أن الأطباء يحرصون على طلب الاستقصاءات الضرورية فقط، وتجنب أي تكاليف إضافية غير لازمة.
ويشير إلى أن الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية قد يؤدي على المدى المتوسط إلى اضطراب التوازن الطبيعي للبكتيريا في الجسم، مما يزيد من احتمال تكرار الالتهابات نتيجة مقاومة البكتيريا، ونوه إلى إمكانية تأثير ذلك على الكلى مثل ارتفاع الكرياتينين أو التهابات كلوية في حالات نادرة، وقد يؤدي على المدى البعيد إلى أمراض كلوية مزمنة أو تحسس دوائي دائم.
ويؤكد أنه شهد حالات وصلت إلى مراحل متقدمة نتيجة الاستخدام العشوائي للأدوية، وأضاف أن بعض المرضى راجعوا بحالات التهابات بولية مقاومة للعلاج بسبب تناول المضادات الحيوية دون إشراف طبي.
ويقول إن المسؤولية مشتركة، ترتبط بواقع النظام الصحي والظروف الاقتصادية من جهة، وبالثقافة الطبية لدى المرضى من جهة أخرى، ما يدفع البعض إلى اللجوء للصيدليات بدلاً من مراجعة الطبيب.
وينوه إلى أهمية توجه المرضى إلى الطبيب لتقييم حالتهم بشكل دقيق والحصول على العلاج المناسب، وأضاف أنه في الحالات الإسعافية أو عند عدم توفر الطبيب، يجب التوجه إلى أقرب مشفى أو مركز صحي للحصول على الرعاية اللازمة.
ويختم حديثه بالدعوة إلى تطوير النظام الصحي وتقديم الدعم الكافي للمشافي والمراكز الصحية، مع ضرورة فرض قوانين تمنع صرف الأدوية دون وصفة طبية، ونوه إلى أهمية تنظيم عمل الصيدليات بما يضمن عدم تشخيص الأمراض أو وصف العلاجات دون إشراف طبي.
أهمية التكامل بين الطبيب والصيدلاني
تختم الدكتورة صبرية حرب بالتأكيد على أهمية التعاون بين الطبيب والصيدلاني من أجل مصلحة المريض، وأضافت أن التكامل بين الطرفين يساهم في تحسين جودة الرعاية الصحية، ونوهت إلى ضرورة تعزيز الوعي لدى المرضى بأن الصيدلاني ليس بديلاً عن الطبيب، بل شريك أساسي في ضمان الاستخدام الآمن والفعال للأدوية.
وفي ظل الأزمات الاقتصادية، يلجأ كثير من المرضى للصيدلية كخيار أسرع وأرخص، لكن تجاوز حدود الاختصاص أو استخدام المضادات الحيوية عشوائياً قد يسبب مضاعفات خطيرة وتأخير تشخيص الأمراض. وتؤكد الشهادات والآراء الطبية أن المسؤولية مشتركة بين وعي المريض، والتزام الصيدلاني، ودقة تقييم الطبيب، حيث يبقى التكامل بين الطبيب والصيدلاني أساس حماية المجتمع وضمان الاستخدام الآمن للأدوية.










