في خطوةٍ غير مسبوقة وُصفت بالتحولية، صدر القرار رقم /13/، مانحاً المحافظين صلاحيات واسعة تشمل التعاقد والإنفاق والتعيين، والمصادقة على المشاريع الاستثمارية حتى سقف 15 مليار ليرة سورية، وبذلك ينهي القرار نظرياً ظاهرة “انتظار دمشق” التي كانت تُعطّل قرارات تنموية محلية لأشهر، خطوة تُعيد رسم العلاقة بين المركز والمحافظات، وتفتح الباب أمام نقاش واسع حول فرص النجاح ومخاطر التعثر.
يرى مؤيدو القرار أن “اللامركزية” ليست خروجاً على المركزية بل تطويراً لها، والمطلوب توسيع حرية المحافظات في القرار، مع بقاء الاستراتيجية الوطنية كمرجع موحِّد، وأن القرار يترجم فعلياً روح قانون الإدارة المحلية رقم /107/ لعام 2011، الذي جعل من “اللامركزية” ركيزة أساسية للإصلاح الإداري، فالتفويض الواسع يعني تسريع الإجراءات، وتحرير القرار المحلي من الروتين المركزي، ما يتيح للمحافظين الاستجابة السريعة لاحتياجات مجتمعاتهم المحلية وتطوير مشاريع تنموية أكثر تماساً مع الواقع.
لكن أصواتاً أخرى تحذر من أن التفويض دون بناء مؤسسي متكامل قد يخلق فوارق حادة بين المحافظات، فليست جميعها تمتلك الكفاءات الإدارية أو القدرات التقنية نفسها، فمحافظة تتمتع بإدارة ذات خبرة في التخطيط والحوكمة قد تنجح في توظيف الصلاحيات الجديدة بفعالية، بينما أخرى تعاني من ضعف الجهاز التنفيذي قد تتحول فيها الصلاحيات إلى عبء إداري جديد، ومنح المحافظ صلاحية تصديق عقود استثمارية بمليارات الليرات، في ظل تفاوت الموارد بين المحافظات، هل سنشهد “هجرة رؤوس أموال” من المحافظات الفقيرة (التي تفتقر للبيئة الجاذبة) إلى المحافظات الكبرى؟ وكيف يقلص هذا القرار الفجوة التنموية؟
اقرأ أيضاً: بقيمة نحو 5.3 مليار دولار.. استثمارات سعودية جديدة في سوريا – 963+
ماهية القرار “13”؟ ولماذا الآن؟
أصدر وزير الإدارة المحلية والبيئة السوري المهندس محمد عنجراني القرار رقم /13/ استناداً إلى قانون الإدارة المحلية رقم /107/ لعام 2011، متضمناً تفويض المحافظين بصلاحيات واسعة تهدف إلى تسريع الإجراءات وتعزيز اللامركزية الإدارية في المحافظات.
القرار منح المحافظين بعض اختصاصات الوزير كتشكيل المكاتب التنفيذية، وتصديق عقود الإنفاق الاستثماري والجاري، وعقود البيع والإيجار والاستثمار، إضافة إلى صلاحيات مالية وفق قانون العقود.
كما شمل التفويض كامل شؤون العاملين، بما في ذلك التعيين والنقل والندب والإجازات والتعويضات والمكافآت، فضلاً عن إخلاء المساكن الإدارية ومنح تعويض شهرين للعامل المنتهي خدمته لبلوغه السن القانونية.
ومنح القرار صلاحيات استثمارية تصل إلى تصديق عقود بقيمة بين مليار و15 مليار ليرة سورية جديدة، والموافقة على مشاريع حتى 500 مليون ليرة سورية جديدة، إضافة إلى اعتماد المخططات التنظيمية البيئية وإغلاق المنشآت المخالفة.
كذلك، فوض القرار رؤساء مجالس مدن مراكز المحافظات بإصدار القرارات المتعلقة بشؤون العاملين ضمن نطاق مدنهم.
ويأتي القرار بعد اجتماعات تمهيدية عقدتها الوزارة مع المحافظين لاعتماد ومناقشة الخطط الاستراتيجية على مستويات متعددة، ضمن توجه يهدف إلى تعزيز الأداء المؤسسي وتحقيق تنمية متوازنة في مختلف المحافظات.
يأتي القرار في مرحلة إعادة هيكلة مؤسسية حساسة، حيث تسعى سوريا إلى بناء نموذج حوكمة يتجاوز المركزية المفرطة التي أثبتت إخفاقها عقوداً متتالية غير أن التوقيت ذاته يحمل تناقضاً جوهرياً: اللامركزية أداةٌ تحتاج إلى بيئة مؤسسية ناضجة لتثمر، وهو ما لا تملكه جميع المحافظات السورية بالقدر ذاته اليوم.
اقرأ أيضاً: مسؤول سوري: نعمل على إعداد استراتيجية لمكافحة غسل الأموال – 963+
بين تفويض الصلاحيات وتحدي اللامركزية
لطالما كانت “المركزية” هي الشماعة التي تُعلق عليها إخفاقات التنمية في المحافظات السورية؛ فالمواطن في ديرالزور أو طرطوس كان ينتظر توقيعاً من “دمشق” لإصلاح جسر أو تعيين حارس مدرسة. اليوم، يأتي القرار رقم /13/ لعام 2026 ليقلب الطاولة، مانحاً المحافظين صلاحيات “سوبر” تتراوح بين إدارة المليارات وإدارة البشر. ولكن، هل يكفي نقل القلم من يد الوزير إلى يد المحافظ ليتحقق الازدهار؟
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور حسين العابد في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن القرار رقم 13 هو خطوة شجاعة نحو “الجمهوريات المحلية” المنتجة، لكنه يظل مجرد “محرك” يحتاج إلى وقود من الكفاءة البشرية وزيت من الرقابة الشعبية، وإذا لم يقترن هذا التفويض ببرامج تدريب مكثفة للكوادر المحلية على أدوات التخطيط الحديثة، فإننا نخاطر بنقل البيروقراطية من “المركز” لتعشش في “الأطراف”، وأن عبور جسر “الثقة” بالكوادر المحلية، ومنح صلاحية تصديق عقود تصل إلى 15 مليار ليرة سورية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو “نقل للثقة”.
ويضيف: مع ذلك، تبرز الفجوة المؤسسية كأكبر تهديد، لا يمكننا مساواة محافظة تمتلك كوادراً قانونية ومالية عريقة بمحافظة تعاني من نزيف في خبراتها، وإن “عدم التكافؤ” في الجاهزية الإدارية قد يحول هذه الصلاحيات من “منحة” إلى “محنة” تسبب تعثراً في المشاريع الاستثمارية الكبرى، والهاجس الأكبر الذي يراود أصحاب القرار هو كيفية الحفاظ على “وحدة الرؤية الوطنية”، فإذا انطلقت كل محافظة في استراتيجية استثمارية منعزلة بناءً على مواردها فقط، قد نجد أنفسنا أمام فائض في قطاعات معينة وعجز في أخرى، وبالتالي التوفيق بين استقلال القرار المحلي والحفاظ على وحدة الرؤية التنموية الوطنية، فنجاح تجربة اللامركزية لا يعني تفكك السياسات العامة، بل يتطلب تنسيقاً مؤسسياً واضحاً يضمن توحيد الأهداف والاتجاهات، مع ترك هامش مرن للمبادرات المحلية، وهذا يتطلب إنشاء “مرصد وطني للتنمية المحلية” يتولى متابعة الانسجام بين برامج المحافظات والخطط الوطنية الكبرى، واللامركزية تنجح عندما تكون “تكاملية” لا “تنافسية إقصائية”.
ويتابع: بالتالي يترتب على وزارة الإدارة المحلية الإدراك بأن القرار لا ينتهي بصدوره، بل يبدأ بـ “المراقبة اللاحقة”، فتفويض الصلاحيات المالية والإدارية لا يكتمل من دون آليات رقابة جديدة، فالمساءلة يجب أن تكون متعددة المستويات، رقابة حكومية مركزية دورية، ورقابة شعبية من خلال المجالس المحلية المنتخبة، وأخيراً رقابة إعلامية مستقلة تُسهم في منع الهدر والفساد، كما يمكن تبني نظام تقييم سنوي لأداء المحافظين اعتماداً على مؤشرات تنموية ملموسة، والمطلوب هو التحول من “سلطة الوصاية” إلى “سلطة الدعم الفني والتقني” للمحافظات، وعلى المحافظين أن يدركوا أن الصلاحيات الواسعة تعني مساءلة أوسع، وأن النجاح لن يُقاس بعدد العقود الموقعة، بل بمدى تقليص نسب البطالة وتحسين جودة مياه الشرب والكهرباء في مناطقهم، لذلك نحن بحاجة لرقابة ذكية (رقمية وشفافة) تسبق وقوع الخطأ، لا رقابة تكتفي بإحصاء الخسائر بعد فوات الأوان.
على صعيد الجذب الاستثماري يستشهد العابد، بتجربة المغرب في الجهوية الموسعة عام 2015 التي تُشير إلى أن تفويض صلاحيات الاستثمار للأقاليم رفع حصتها من الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 23% خلال خمس سنوات، وذلك لأن المستثمر المحلي والأجنبي يفضل التفاوض مع جهة قريبة تعرف خصوصية البيئة الاستثمارية المحلية، ويتوجه “العابد” إلى المستثمرين بالقول: الكرة الآن في ملعب “المحلية”، ابحثوا عن المحافظة التي تقدم أسرع الحلول، فالقرار 13 كسر قيود البيروقراطية المركزية، والمنافسة الآن بين المحافظات لجذبكم.
ويختم العابد من الناحية الاقتصادية، يُفترض أن يسهم القرار في تقليص الفجوة بين المحافظات الغنية والفقيرة عبر تمكين كل محافظة من استثمار مواردها الذاتية، ولكن الخطر يكمن في أن المحافظات الغنية بالموارد والبنية التحتية قد تستفيد أكثر من صلاحيات الاستثمار والإنفاق، ما يعمّق الفوارق بدلاً من ردمها، وهنا تبرز الحاجة إلى صندوق وطني للتوازن التنموي يدعم المحافظات الأقل حظاً.
اقرأ أيضاً: الفيدرالي يثبّت الفائدة ويتحدّى الضغوط السياسية – 963+
اللامركزية ليست مجرد توقيع.. هل محافظاتنا جاهزة لإدارة المليارات؟
منح المحافظين صلاحيات “وزارية” تقريباً، تصل لتصديق عقود بـ 15 مليار ليرة، فهل سمح بـ “مركزة المركزية” داخل كل محافظة بدلاً من تفتيتها؟ بمعنى أن السلطة انتقلت من الوزير إلى المحافظ، فهل تضمن الهياكل المحلية النزاهة والكفاءة نفسها؟
ويرى الخبير في الإدارة العامة الدكتور سالم القاضي في رده على سؤال “٩٦٣+” أن الخطر يكمن في “شخصنة القرار”. فإذا لم تتحول المحافظة من مجرد “مبنى إداري” إلى “مؤسسة استراتيجية”، فإننا سنواجه وضعاً يشبه وجود 14 وزيراً بدلاً من واحد، حيث تصبح المكاتب التنفيذية الضمانة الوحيدة لنجاح الإدارة. ويشير القاضي إلى أن القوة يجب أن تكون للمؤسسة لا للمحافظ كفرد، وأن المسألة تتجاوز توسيع الصلاحيات لتشمل تغيير عقلية الإدارة نفسها. فإدراك المحافظين أن السلطة مسؤولية وليست ميزة، وأن اللامركزية تعني شراكة وليست تفويضاً، هو الشرط الأساسي لتحقق تحول حقيقي في هيكل الدولة.
ويضيف القاضي أن التفاوت المؤسسي بين المحافظات يمثل التحدي الأكبر، فمنح صلاحيات متساوية لمحافظات متفاوتة مؤسسياً ليس عدلاً بل قد يكون مضراً. فمحافظة مثل حلب بتاريخها الصناعي وكوادرها التقنية تختلف عن محافظة تعيد بناء بنيتها الإدارية من الصفر، ونقل الصلاحيات دون الكفاءات قد يؤدي إلى “لامركزية الفساد” بدلاً من التنمية. فالقرار الذي يمنح صلاحيات تصديق عقود استثمارية كبيرة قد ينعكس إيجاباً في المحافظات القوية، بينما تظل المحافظات الضعيفة تدور في حلقة مفرغة، خصوصاً مع غياب آلية إعادة توزيع مركزية. والتجربة الإيطالية بين الشمال الصناعي والجنوب الفقير تقدم درساً قاسياً، إذ أن اللامركزية دون آليات تعويضية عمّقت الهوّة الإقليمية لعقود، والتنمية تتطلب موازنة بين سلطة اتخاذ القرار وسلطة مراقبته لضمان الشفافية وتقليل مخاطر البيروقراطية المحلية.
ويختم القاضي أن القرار رقم /13/ خطوة طموحة نحو تحقيق إصلاح إداري وتنمية متوازنة، لكنها تظل رهينة التنفيذ، وإن تحوّل الصلاحيات إلى أدوات تنمية فعلية، نقترب من “اللامركزية الفعالة” المنشودة، أما إن غابت الشفافية والمحاسبة، فسنجد أنفسنا أمام مركزيات صغيرة داخل المركز الكبير.










