في 18 شباط/فبراير الجاري، أصدر الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع المرسوم التشريعي رقم (39) لعام 2026 الذي منح عفواً عاماً واسع النطاق عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ صدوره، في خطوة وصفتها الدولة بأنها تهدف إلى تعزيز المصالحة الوطنية وتخفيف الاكتظاظ في السجون، بينما استُثنيت الجرائم الخطيرة والانتهاكات الجسيمة بحق المواطنين السوريين من نطاق العفو.
وقد بدأ تنفيذ المرسوم عملياً في إدراج سجناء في قوائم المؤهلين للإفراج أو تخفيف العقوبة، بعد تدقيق ملفاتهم من قبل الجهات القضائية في مختلف المحافظات، في ما يمثل منعطفاً بارزاً في المشهد العدلي السوري بعد سقوط النظام السابق.
إلا أن هذا القرار أثار نقاشاً دستورياً وقانونياً واسعاً حول مدى مشروعيته وسنده في الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025، خاصة في ما يتصل بتوزيع السلطات بين السلطة التنفيذية والتشريعية، ومن هم الفاعلون المخولون بمنح العفو العام في ظروف فراغ مؤسسي.
بين حرفية النص الدستوري وضرورات المرحلة الانتقالية
يقول سامر الضيعي، محامٍ والمدير التنفيذي لرابطة المحامين الأحرار، والمقيم في مدينة حمص، لـ”963+”، إنّه بعد سقوط النظام دخلت سوريا في مرحلة تأسيسية معقدة يحكمها إعلان دستوري مؤقت وواقع مؤسسي غير مكتمل.
ويضيف أنه في هذا السياق صدر مرسوم العفو العام رقم (39) لعام 2026، وأنّ النقاش بدأ فوراً حول سنده الدستوري وحدود صلاحيات رئيس الجمهورية.
ويرى الضيعي أنّه من الناحية النصية البحتة، فإنّ الإعلان الدستوري لعام 2025 ميّز بين نوعين من العفو: العفو الخاص، الذي مُنح لرئيس الجمهورية صراحة، والعفو العام الذي يُعد بطبيعته عملاً تشريعياً عاماً ومجرداً يدخل في نطاق اختصاص السلطة التشريعية.
ويؤكد أنّ الإعلان لا يتضمن نصاً صريحاً يمنح الرئيس سلطة إصدار عفو عام بشكل منفرد. وبناءً على ذلك يفسر أنّ العفو العام، وفق القراءة الحرفية الصارمة، يندرج ضمن صلاحيات مجلس الشعب لا السلطة التنفيذية.
غير أنّ الضيعي ينبّه إلى أنّ الواقع السوري بعد سقوط النظام لا يمكن قراءته فقط من زاوية النص المجرد. ويتابع موضحاً أنّه عند صدور المرسوم لم يكن مجلس الشعب قد شُكّل فعلياً، ولم تكن هناك سلطة تشريعية تمارس اختصاصها. ويعزو ذلك إلى طبيعة المرحلة الانتقالية وما رافقها من فراغ مؤسسي.
ويشير في المقابل إلى أنّ الدولة كانت تواجه إرثاً جنائياً ضخماً، خاصة في ما يتعلق بقوانين أمن الدولة ومحاكم الإرهاب، التي استُخدمت على مدى سنوات في ملاحقة معارضين وناشطين سياسيين.
ويعتبر أنّ استمرار هذه الأحكام دون معالجة كان سيُبقي آلاف الملفات معلقة، ويُطيل أمد آثار مرحلة سابقة يُفترض أن تكون قد انتهت سياسياً.
ويشرح الضيعي أنّ العفو العام في القانون السوري يُعرّف بأنه قانون يمحو الجريمة أو يُسقط العقوبة عن فئة عامة من الأفعال المرتكبة قبل تاريخ محدد، ويؤكد أنه يختلف جوهرياً عن العفو الخاص الذي يصدر بمرسوم فردي ويقتصر أثره على شخص معين دون أن يمحو الجريمة ذاتها.
ويضيف أنّ هذا التمييز مستقر فقهياً وقضائياً. غير أنّه يلفت إلى أنّ المرحلة الانتقالية الحالية وضعت هذا التمييز أمام اختبار عملي، لأن الجهة المخولة بالعفو العام لم تكن قائمة عند صدور المرسوم.
وهنا يتساءل الضيعي عن كيفية التوفيق بين النص والواقع، موضحاً أنّ الرأي القانوني ينقسم إلى اتجاهين: اتجاه أول يتمسك بقراءة شكلية صارمة، ويعتبر أن غياب مجلس الشعب لا ينقل اختصاصه إلى الرئيس، وأن إصدار عفو عام بمرسوم يمثل خروجاً على مبدأ الفصل بين السلطات.
في المقابل، هناك اتجاه ثانٍ ينظر إلى المسألة من زاوية انتقالية واقعية، ويرى أن الرئيس يمارس في هذه المرحلة جزءاً من سلطة تأسيسية بحكم الواقع إلى حين استكمال بناء المؤسسات، ويعتقد أنّ معالجة إرث جنائي وسياسي ثقيل قد تبرر اللجوء إلى تدبير استثنائي مؤقت.
ومن الناحية العملية يوضح أنّ المرسوم يعكس مزيجاً من الاعتبارين؛ فهو ليس مجرد خطوة سياسية، بل تدبير قانوني لإغلاق مرحلة واسعة من التجريم السياسي، خاصة ما يتعلق بجنايات أمن الدولة قبل تاريخ محدد. وفي الوقت ذاته ينوه إلى أنه يثير إشكالية حقيقية تتعلق بحدود الصلاحيات التنفيذية في غياب السلطة التشريعية.
ويشير إلى أنّ المرسوم، حتى الآن، لم يُختبر مؤسسياً أمام مجلس شعب فاعل أو أمام جهة رقابة دستورية مكتملة. ويتابع أنّ المواقف في الأوساط القانونية تتباين بين من يعتبره ضرورة انتقالية، ومن يحذر من تحوله إلى سابقة تُوسّع في الصلاحيات التنفيذية.
غير أنّه يعتقد أنّ هناك نقطة شبه جامعة، تتمثل في أن الحل الأكثر اتزاناً هو استكمال تشكيل مجلس الشعب، وعرض المرسوم عليه فور مباشرته العمل لإقراره أو تعديله بقانون يصدر عنه، ويعلل ذلك بأن هذه الخطوة تستكمل الشرعية المؤسسية وتعالج الإشكال الشكلي دون نسف الآثار التي ترتبت على العفو.
ويخلص الضيعي إلى أنّ أثر المرسوم سياسياً وقانونياً يتجاوز مسألة الإفراج أو إسقاط العقوبة، موضحاً أنّه اختبار لطبيعة المرحلة الانتقالية نفسها: هل ستتجه نحو ترسيخ توزيع واضح للصلاحيات وتوازن فعلي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، أم ستكرّس منطق إدارة المرحلة عبر الاستثناء؟
ويرى أنّ نجاح المرسوم في تعزيز الثقة بمبدأ سيادة القانون يرتبط بمدى احترام هذا التوازن مستقبلاً، وبمدى اقترانه بمسار عدالة انتقالية فعلي، خصوصاً في الجرائم الجسيمة المستثناة من العفو.
ويشدد على أنّ المسألة ليست فقط سؤالاً عن نص دستوري، بل عن كيفية إدارة لحظة تأسيسية دقيقة، مذكّراً بأنّ التاريخ الدستوري يُعلّمنا أنّ الدول لا تنهار فقط حين تغيب النصوص، بل حين يتم تجاوزها بصمت؛ ويحذر من أنّه إذا لم تستعد المؤسسات دورها كاملاً فإن الاستثناء سيتحول من تدبير عابر إلى قاعدة حاكمة، وحينها لا يعود الحديث عن سيادة القانون إلا توصيفاً نظرياً لا أكثر.
سنده الدستوري وحدود التوسع في صلاحيات السلطة التنفيذية
يقول المعتصم الكيلاني، المختص في القانون الدولي وحقوق الإنسان، لـ”963+” إنّ النقاش حول مرسوم العفو العام رقم (39) لعام 2026 يُثار ابتداءً من مسألة سنده الدستوري، أي الأساس الذي استند إليه رئيس الجمهورية في إصداره.
ويوضح أنّ الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025 هو المرجعية الحاكمة خلال المرحلة الانتقالية، ويضيف أنّ تحديد مشروعية المرسوم يتوقف على تفسير نصوصه المتعلقة باختصاصات الرئيس.
ويرى الكيلاني أنّه إذا كان الإعلان قد نص صراحةً على صلاحية منح العفو الخاص ورد الاعتبار فقط، دون أن يذكر العفو العام، فإن ذلك يضعنا أمام تمييز جوهري في النظرية الدستورية.
ويفسر هذا التمييز بالقول إنّ العفو الخاص عمل فردي يندرج ضمن وظائف السلطة التنفيذية، أما العفو العام فهو بطبيعته عمل تشريعي لأنه يمحو الصفة الجرمية أو يُسقط العقوبة عن فئة عامة غير محددة، ويعدل عملياً في آثار القوانين الجزائية.
وينوه إلى أنّ الأنظمة المقارنة غالباً ما تُسند العفو العام إلى البرلمان، لأنه يمس السياسة الجنائية للدولة بأكملها.
وعليه يعتقد أنّ إصدار عفو عام بمرسوم رئاسي يتطلب إما نصاً صريحاً يمنح الرئيس سلطة تشريعية انتقالية، أو تفويضاً واضحاً يمكّنه من ممارسة صلاحيات السلطة التشريعية مؤقتاً في حال غيابها.
ويضيف أنّه إذا خلا الإعلان من مثل هذا التفويض، فإن تبرير المرسوم بالاستناد إلى “الضرورة” أو “المرحلة الاستثنائية” يظل محل جدل.
ويشرح أنّ الفقه الدستوري يعترف بنظرية الظروف الاستثنائية التي قد توسع نطاق صلاحيات السلطة التنفيذية في حالات الخطر أو الفراغ المؤسسي، لكنه يؤكد أنّ هذه النظرية لا تعني إلغاء مبدأ الفصل بين السلطات، بل تقتضي تفسيراً ضيقاً ومؤقتاً ومحدداً بقدر الضرورة.
ومن ثم يرى أنّ غياب نص صريح قد يجعل المرسوم عرضة لانتقاد باعتباره توسعاً في الاختصاص، خاصة إذا لم يُعرض لاحقاً على سلطة تشريعية أو هيئة رقابية للمصادقة أو المراجعة.
أما إذا كان الإعلان قد خوّل الرئيس ممارسة السلطة التشريعية إلى حين انتخاب مجلس شعب جديد، فيعتبر أنّ المرسوم يمكن تكييفه كعمل ذي قوة القانون، ويصبح النقاش منصباً على ملاءمته السياسية والحقوقية لا على دستوريته الشكلية.
ويتابع موضحاً أنّ العفو العام في القانون السوري يُعرّف تقليدياً بأنه إسقاط الصفة الجرمية عن فعل أو مجموعة أفعال ارتُكبت قبل تاريخ معين، أو إسقاط العقوبة المحكوم بها، بحيث يزول أثر الحكم الجزائي أو يُخفف.
ويؤكد أنّه يختلف عن العفو الخاص الذي لا يمحو الجريمة ولا الحكم، بل يقتصر على إسقاط العقوبة أو جزء منها بالنسبة لشخص محدد، ويعلل ذلك بأنّ هذا الفرق يعكس توزيعاً للسلطات بين التشريع والتنفيذ.
وفي ما يتعلق بالمواقف السياسية والقانونية، يلاحظ أنّ ردود الفعل على المرسوم تتباين بحسب زاوية النظر؛ فهناك من يرى فيه خطوة تهدف إلى تخفيف الاحتقان وإعادة دمج فئات من المجتمع، خاصة في سياق انتقال سياسي معقد.
في المقابل، يشير إلى أنّ بعض الأوساط القانونية والحقوقية تبدي تحفظات تتعلق بوضوح سنده الدستوري، وبمدى اتساقه مع متطلبات العدالة الانتقالية وعدم الإفلات من العقاب.
ويرى أنّ مسألة الطعون الدستورية أو المطالبة بالمراجعة ترتبط بمدى وجود آلية رقابة دستورية فعالة خلال المرحلة الانتقالية، وبمدى استقلال القضاء وقدرته على ممارسة رقابة على أعمال السلطة التنفيذية.
ويضيف أنّه إذا كانت مؤسسات الرقابة ما تزال في طور إعادة البناء، فإن الجدل قد يبقى سياسياً أكثر منه قضائياً.
ويختم بالقول إنّ الأثر السياسي والقانوني للمرسوم يتجاوز نطاقه الجزائي المباشر؛ فإذا جرى تطبيقه بشفافية وبمعايير واضحة، ومع احترام صارم للاستثناءات المتعلقة بالجرائم الجسيمة، فقد يسهم في تهدئة اجتماعية مؤقتة.
أما إذا شاب تطبيقه غموض أو انتقائية، أو بدا أنه أداة لإغلاق ملفات تتطلب مساءلة حقيقية، فيحذر من أنّ ذلك قد يؤدي إلى تآكل الثقة بمبدأ سيادة القانون، ويعزز الانطباع بتركز السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية، معتبراً أنّ تقييم المرسوم في نهاية المطاف يتصل بطبيعة العقد الدستوري الجديد الذي يتشكل، وبمدى قدرة الدولة على تحقيق توازن بين الاستقرار والمساءلة، وبين المصالحة واحترام مبدأ الفصل بين السلطات.










