تختبر الساحة السياسية اللبنانية تطوراتٍ لافتة مع عودة رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري إلى العاصمة بيروت هذا الأسبوع، بالتزامن مع الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال والده، رفيق الحريري، ومع تحديد موعد الانتخابات النيابية في العاشر من أيار/مايو المقبل، ما أضفى على الزيارة أبعادًا سياسية واضحة ودلالات تتجاوز الطابع الرمزي للمناسبة.
وفي هذا السياق، لمّح رئيس تيار “المستقبل” إلى أن التيار قد يخوض الانتخابات النيابية المقررة في أيار/ مايو المقبل، وذلك بعد أربع سنوات على إعلان تعليق عمله السياسي.
وقال الحريري في كلمته أمام مناصريه في بيروت، في الذكرى الـ21 لاغتيال والده: “أعدكم، متى حصلت الانتخابات، أعدكم: سيسمعون أصواتنا، وسيعدّون أصواتنا”.
وأضاف: “من حق اللبنانيين، بعد سنوات من الحروب، أن يكون لديهم بلد واحد، وجيش واحد، وسلاح واحد”.
وتذهب آراء سياسية إلى أن خطاب الحريري حمل رسائل متعددة الاتجاهات، طالت موقع لبنان في خضم الصراعات الإقليمية، والاستحقاق الانتخابي المرتقب، وحدود العودة المحتملة إلى العمل السياسي، بين حسم نهائي وخطوة مدروسة بانتظار اتضاح المشهدين الداخلي والإقليمي.
كما يربط مراقبون هذه العودة بتغير موازين القوى في الداخل اللبناني، على خلفية تراجع النفوذ السياسي والعسكري لـ”حزب الله” بعد المواجهات مع إسرائيل، إلى جانب تصاعد التحركات الرسمية الهادفة إلى حصر السلاح بيد الدولة، في مسار يُعيد طرح أسئلة جوهرية حول شكل المرحلة المقبلة وتوازناتها.
“دلالات خاصة”
إلى ذلك، يقول الكاتب حنا صالح في حديثه لـ”963+” إن “تزامن الذكرى مع تحديد موعد الانتخابات منح الزيارة دلالات خاصة”، موضحاً أن الحريري لم يزر لبنان منذ عام 2022 إلا في هذه المناسبة، وهو العام الذي أعلن فيه تعليق العمل السياسي لـتيار المستقبل.
ويشير صالح إلى أن القوى السياسية المختلفة سارعت إلى استكشاف ما يحمله الحريري في جعبته، وما إذا كان ينوي العودة إلى العمل السياسي المباشر، لافتاً إلى أن خطابه الأخير تناول الانتخابات لكنه “ترك الباب موارباً”، من دون حسم مسألة المشاركة في الاقتراع فقط أم في الترشح أيضاً، أو حتى احتمال ترشحه شخصيًا أو دعمه شخصيات محسوبة على التيار.
ويشدد على أن لا وضوح حتى الآن في طبيعة الخطوة المقبلة، معتبراً أنه “من المبكر الجزم بعودة الحريري إلى العمل السياسي المباشر”، إلا أن الاهتمام الواسع بموقفه يعكس إدراك القوى السياسية لوجود كتلة ناخبة ما تزال تدور في فلك تيار المستقبل، ويمكن أن تؤثر في نتائج العديد من الدوائر، ما يدفع أكثر من جهة إلى البحث في إمكان نسج تحالفات معه.
وفي سياق متصل، يلفت صالح إلى أن خطاب الحريري حمل في مضمونه نقاطاً مثيرة للجدل، موضحاً أن الرجل الذي كان حتى عام 2019 في صدارة السلطة التنفيذية “لا يمكنه القفز فوق مسؤوليات المرحلة السابقة”.
ويشير إلى أن الانهيار المالي وقع إبان رئاسته للحكومة، كما تفاقمت الأزمات السياسية والمؤسساتية بعد التسوية الرئاسية عام 2016، حين أيد انتخاب ميشال عون، وهو ما اعتبره صالح “خطيئة سياسية كبرى”.
ويقول إن الخطاب بدا وكأن الحريري يسعى إلى تقديم نفسه من موقع المعارضة، متجاهلاً مسؤوليته ضمن منظومة الحكم، موضحاً أن “أي سياسي لا يمكن أن يتنصل كلياً من مسؤوليته في بلد مأزوم”، ومشدداً على أن الاعتراف بالأخطاء وتحمل جزء من المسؤولية كان سيمنح الخطاب صدقية أكبر.
ويضيف أن الأزمة في لبنان لا تنفصل عن طبيعة النظام القائم على المحاصصة الطائفية، مشيراً إلى أن تيار المستقبل، كغيره من القوى السياسية التقليدية، لا يمثل حالة حزبية وطنية عابرة للطوائف، بل يرتكز إلى بيئة طائفية محددة، كما هو حال “حزب الله” ضمن جزء من الجمهور الشيعي، والقوات اللبنانية ضمن شريحة من الشارع المسيحي.
ويختم الكاتب اللبناني بالتأكيد أن غياب الأحزاب الوطنية العابرة للطوائف يجعل التشكيلات السياسية في لبنان تتمحور حول الزعامة الفردية، حيث “يستفيد الزعيم وتدفع الطائفة والبلد الأثمان الباهظة”، في ظل أزمات متراكمة وعدالة معلقة وواقع اقتصادي يزداد قسوة على غالبية اللبنانيين.
لوائح انتخابية
ومن جانبه، يشير الأكاديمي اللبناني نزيه خياط في حديثه لـ”963+” إلى أن كلمة رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال والده، الرئيس رفيق الحريري، تضمنت فقرة مفصلية حددت ملامح توجهه حيال المرحلة المقبلة، ولا سيما في ما يتعلق بالاستحقاق النيابي.
ويلفت خياط إلى أن الحريري لم يحسم موقفه بشكل واضح، مستشهداً بقوله: “قولوا لي متى الانتخابات، أقول لكم ما سيفعل المستقبل”، معتبراً أن هذه العبارة تنطوي على قدر من التعمية السياسية، خصوصاً أن موعد الانتخابات بات محدداً رسمياً.
غير أنه يدقق في أن الحريري ربما يأخذ في الاعتبار احتمال تطور الأوضاع الأمنية، ولا سيما في ظل التوتر القائم بين إسرائيل و”حزب الله”، ما قد يؤدي إلى تأجيل الانتخابات إلى حين اتضاح مسار المواجهات، إضافة إلى ترقب نتائج أي حوار إيراني ـ أميركي محتمل.
ويتابع أن عبارة الحريري: “أعدكم أنه متى تحصل الانتخابات سيسمعون ويعدّون أصواتنا”، بدت بدورها ملتبسة، إذ لم يشر صراحة إلى خوضه الانتخابات شخصياً، ما يفتح الباب أمام أكثر من احتمال.
ويشير في هذا السياق إلى إمكانية تشكيل لوائح انتخابية تحظى بموافقته في عدد من المحافظات، أو تبنّي مرشحين بعينهم بصورة غير مباشرة، من دون إعلان رسمي واضح.
ويؤكد خياط أن المناسبة أعادت تثبيت حضور تيار رفيق الحريري، ورسخت زعامة سعد الحريري كمرجعية سياسية في البيئة السنية، لكنها لم تبدّل جوهر القرار المتخذ قبل أربع أو خمس سنوات بتعليق العمل السياسي لـتيار المستقبل.
ويشدد على أن الحريري “اتخذ موقعاً في منتصف الطريق”، فلم يحسم عودته الكاملة، بانتظار ما ستؤول إليه التطورات الإقليمية.
وفي هذا الإطار، يلفت إلى أن عودة تيار المستقبل إلى لعب دور نوعي ومؤثر في الحياة السياسية لا يمكن أن تتحقق من دون إعادة تقييم شاملة للمرحلة الماضية، وإعادة هيكلة تنظيمية، وتجديد في الخطاب السياسي بما يتلاءم مع التحولات الجيوسياسية، ولا سيما في سوريا والمنطقة عموماً.
ويدقق خياط في أن قرار الحريري تجميد عمله السياسي جاء في مرحلة كانت فيها قوى “الممانعة” في أوج حضورها، وكانت إيران تمارس نفوذاً واسعاً في كل من سوريا ولبنان. إلا أن المشهد تبدل بعد حرب غزة، ما انعكس على موازين القوى الإقليمية، وأعاد خلط الأوراق، الأمر الذي يفرض “إعادة صياغة المشروع السياسي لتيار المستقبل، وتحديد رؤيته لقيام الدولة الوطنية في لبنان”.
ويشدد على أن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة تفرض على مختلف القوى اللبنانية، وليس على تيار المستقبل وحده، إعادة طرح الأسئلة الجوهرية: أي لبنان نريد؟ ما هو دوره ووظيفته في الإقليم بعد أن تراجعت أو انهارت الأدوار التقليدية التي ميزته في المشرق العربي وعلى المستوى الدولي؟
وفي سياق متصل، يلفت خياط إلى أن التحول في الواقع السوري يشكل متغيراً جيوسياسياً أساسياً، خصوصاً في ظل تاريخ طويل من الإشكالات بين الحكومة السورية الانتقالية والدولة اللبنانية امتد لعقود.
ويرى أن هذا المتغير يستدعي قراءة جدية ووضع تصور واضح لتنظيم العلاقة بين بيروت ودمشق على أسس متوازنة، بما يحقق المصالح المشتركة ويمنع اختلال التوازن لمصلحة الطرف الأقوى في هذه العلاقة البينية.
انتخابات ومفاوضات أميركية ـ إيرانية
بدوره، يرى الدكتور هيثم صالح أن انشغال الساحة اللبنانية في الآونة الأخيرة، بعودة رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، ليس أمراً مستجداً، بل يتكرر سنوياً مع حلول ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ويوضح أن كل زيارة للحريري في هذه المناسبة تُعيد فتح باب الجدل حول مستقبل تيار المستقبل وإمكانية عودته إلى لعب دور مباشر في الحياة السياسية.
ويؤكد الباحث اللبناني في حديثه لـ”963+” أن تجربة الحريري مع الإبعاد عن الساحة السياسية ليست جديدة، مشيراً إلى أنه سبق أن ابتعد بين عامي 2011 و2016، بعد إسقاط حكومته أثناء وجوده في زيارة إلى الولايات المتحدة، رغم فوزه في انتخابات عام 2009. ويلفت إلى أن عودته آنذاك جاءت عبر تسوية سياسية عام 2016 مع الرئيس السابق ميشال عون، في سياق إقليمي اتسم بتداعيات الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، وما تبعه من تصاعد نفوذ ما يُعرف بمحور “الممانعة” في لبنان.
وفي ما يتعلق بموقفه من الانتخابات المقبلة، يوضح المصدر ذاته أن عبارة الحريري “قولوا لي متى الانتخابات لنرى ما سيكون موقفنا” تعكس ربطاً ضمنياً بين الاستحقاق النيابي ومسار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية.
ويؤكد أن المشهد اللبناني يبقى شديد التأثر بأي تطور في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، سواء اتجه نحو تسوية سياسية أو نحو مواجهة عسكرية.
ويشير إلى أن أي تصعيد عسكري قد ينعكس مباشرة على وضع “حزب الله” في الداخل اللبناني، ما يبدّل الحسابات السياسية والانتخابية، وربما يفرض تأجيلاً تقنياً للانتخابات. أما في حال حصول تسوية، فيرى أن الأمور قد تبقى في إطار “الستاتيكو”، مع تغييرات محدودة في موازين القوى من دون انقلاب جذري في المشهد.
ويؤكد الباحث في العلوم السياسية أن الحراك السياسي للحريري، في حال بقيت الظروف على حالها خلال الأشهر القليلة المقبلة، قد لا يتجاوز حدود الدعم غير المباشر لبعض المرشحين، من خلف الستار، من دون عودة رسمية أو خوض شخصي للانتخابات.
ويرجّح إمكان بروز عدد من النواب المحسوبين عليه أو المتحالفين معه، خصوصاً في طرابلس، فيما يعتبر أن وضع بيروت قد يكون أكثر تعقيداً.
كما يلفت إلى تعقيدات المشهد الإقليمي، بما في ذلك التباينات بين السعودية والإمارات العربية المتحدة، موضحاً أن أي دور سياسي متقدم للحريري يظل، برأيه، مرتبطاً بإعادة ترميم علاقته مع الرياض بشكل علني وواضح.
ويشدد على أن عودته الكاملة إلى الساحة اللبنانية تبقى مرهونة بتسوية كبرى، مشابهة لتسوية عام 2016، تتيح له استعادة موقعه كطرف سياسي فاعل ذي وزن في المعادلة الداخلية.
ويخلص الدكتور هيثم صالح إلى أن مستقبل المشهد اللبناني، سواء لجهة الانتخابات أو موازين القوى، يبقى رهن تطورات الإقليم، وأن أي تغيير جذري في الداخل لن يتحقق إلا في ضوء تحولات كبرى تتجاوز حدود الساحة المحلية.










