في ظل التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها سوريا منذ سقوط النظام السابق في نهاية عام 2024، يتجدد الاهتمام على الساحة الاقتصادية بالاستثمارات كمحرك أساسي لإعادة الإعمار والتنمية بعد أكثر من عقد من الحرب والعزلة الدولية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى تزايد تحرك المجتمع الدولي والإقليمي لتفعيل دور الاستثمار في الاقتصاد السوري، سواء من خلال توقيع عقود واتفاقيات كبرى أو من خلال زيارات وفود اقتصادية تهدف إلى فتح آفاق تعاون جديدة.
ففي الأيام القليلة الماضية، تم الإعلان عن تأسيس مجلس الأعمال السعودي ـ السوري الذي لاقى ترحيباً من رجال أعمال من الجانبين كخطوة لتعزيز الثقة في مناخ الأعمال السوري وتحفيز المشاريع المشتركة بين البلدين.
كما شهدت دمشق توقيع اتفاقيات استثمار استراتيجية مع السعودية بقيمة كبيرة، ما يمثّل نقطة تحول في العلاقات الاقتصادية ويضع الأساس لمرحلة تعاون أوسع تتجاوز حدود العقود التقليدية.
ولا تقتصر هذه الدينامية على الشق الخليجي فقط، بل يزور وفد اقتصادي أردني العاصمة دمشق حالياً لبحث آفاق التعاون المشترك، في مؤشر يعكس اهتماماً متجدداً من الدول المجاورة بالفرص الاستثمارية في سوريا.
وتأتي هذه التحركات في وقت لا يزال فيه الاقتصاد السوري يواجه تحديات بنيوية كبيرة، إذ يقدر الخبراء أن الناتج المحلي لا يزال صغيراً مقارنة بحجم التحديات، مع حاجة كبيرة لتمويل وتطوير البنية التحتية وإصلاح المؤسسات الاقتصادية.
ومع تخفيف العقوبات الدولية ودخول رؤوس أموال أجنبية إلى السوق السورية، يرى كثير من المراقبين أن البلاد تتحول تدريجياً من الاعتماد على المساعدات إلى منهجية الاستثمار كمحرك أساسي للتنمية، رغم أن النتائج الحقيقية لهذه العقود لم تبرز بعد على المستوى المعيشي للمواطن السوري.
وتبقى الأسئلة حول قدرة هذه الاستثمارات على تحقيق الانتعاش الاقتصادي المنشور ورفع مستوى المعيشة، وما إذا كانت العقود الحالية تحمل في طياتها فرصاً حقيقية للنمو المستدام أم أنها مجرد تعهدات سياسية واقتصادية تحتاج إلى سنوات لتظهر آثارها على أرض الواقع.
اقرأ أيضاً: غلاء غير مسبوق في الرقة يرهق السكان
خلفيات تأخر الانتعاش الاقتصادي
يقول رامي الدباس، الكاتب والمحلل السياسي لـ”963+”، إن كثرة العقود الاستثمارية الموقَّعة تثير تساؤلاً مشروعاً حول سبب عدم انعكاسها على الواقع الاقتصادي للسوريين حتى الآن.
ويتساءل: لماذا لم ينتعش الوضع المعيشي رغم الإعلان عن هذه العقود؟ ويعتقد أن هناك مخططاً دولياً يقضي بتأجيل ظهور نتائج هذه الاستثمارات إلى ما بعد حرب محتملة بين الولايات المتحدة وإيران. ويضيف موضحاً أن فهم هذا الموضوع يرتبط بالسياق السياسي والعسكري في المنطقة.
ويشير الدباس إلى أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع يتعهد بحرب ضد لبنان، في حين تتعهد الولايات المتحدة بحرب ضد إيران، ويرى أن هناك تحالفاً دولياً لا يريد لسوريا أن تزدهر اقتصادياً في المرحلة الراهنة. ويعتبر أن الدولة السورية الحالية برئاسة الشرع، ضمن الحكومة الانتقالية، لا تتجه فعلياً نحو إنعاش الاقتصاد في الوقت الحالي.
ويطرح الدباس سيناريوهين محتملين؛ الأول يتمثل في انتصار الولايات المتحدة في الحرب وبقاء سوريا موحَّدة، وفي هذه الحالة، كما يعتقد، سيبدأ الواقع الاقتصادي للسوريين بالتحسن وتظهر نتائج العقود الاستثمارية. أما السيناريو الثاني، فيصفه بإمكانية تقسيم سوريا إلى كيانات، مثل دولة في السويداء، وأخرى في الساحل، وربما دولة للأكراد، ويرى أن الانتعاش الاقتصادي قد يحدث في هذه المناطق بشكل منفصل.
ويلفت الدباس إلى أن السوريين خرجوا في عام 2011 مطالبين بالديموقراطية والحرية، لكنه يرى أنه لم تتحقق ديموقراطية حقيقية حتى الآن. ويضيف أن بعض المظاهر الشكلية تغيرت، مثل السماح باستخدام منصات كانت محظورة كـ”تويتر” و”تيك توك”، إلا أنه يعتبر أن ذلك لا يعكس تحولاً سياسياً عميقاً.
كما يصف الدباس المشهد الحالي “بوجود فساد داخل الحكومة السورية، ويقارن بين المرحلة السابقة في عهد الرئيس بشار الأسد، حيث كان المقربون من الحاشية الحاكمة أثرياء، وبين المرحلة الحالية، إذ يعزو الأمر ذاته إلى المقربين من الشرع، خصوصاً جماعة إدلب، الذين يعتقد أنهم سيصبحون خلال سنوات من أصحاب الثروات الكبيرة”.
اقرأ أيضاً: الاقتصاد الحر الموجّه في سوريا: توصيف واقعي أم شعار فضفاض؟
عوائق
من جهته، يقول رامي الخليفة العلي، الأكاديمي والكاتب الصحفي والباحث في الفلسفة السياسية في جامعة باريس لـ”963+”، إن هناك عدة عوائق تحول دون ظهور أثر العقود الاستثمارية على أرض الواقع، رغم توقيعها.
ويوضح أن أول هذه العوائق يتمثل في الحالة الأمنية التي لم تستقر إلا منذ فترة وجيزة، مشيراً إلى أن حل مشكلة “قسد” جاء بعد فترة من التوتر، كما أن الجنوب السوري شهد مشكلات أمنية، ما يعني أن الاستقرار الأمني والعسكري لم يترسخ بشكل كامل بعد، في ظل استمرار وجود تشكيلات مسلحة على الأرض.
ويتابع موضحاً أن الأمور بدأت تتحسن، خاصة بعد دخول قوات الجيش السوري إلى منطقة الجرجيرة، ما أعطى شعوراً بتحسن نسبي في الوضع، إلا أنه يلفت إلى أن بعض المشكلات الأمنية والعسكرية ما تزال قائمة. ويرى أن أي صاحب رأس مال سيتردد في المخاطرة والدخول إلى منطقة لا تُعد آمنة بالكامل من الناحية الأمنية والعسكرية.
ويشير العلي إلى عائق ثانٍ يتمثل في البنية التشريعية، موضحاً أنه لا يوجد حتى الآن مجلس شعب، وأن العمل ما يزال يجري وفق القوانين القديمة والقرارات التنفيذية السابقة. ويعتقد أنه لا توجد إصلاحات كبيرة وواضحة في هذا الإطار، ما يشكل بيئة غير جاذبة للاستثمار.
أما العائق الثالث، فيتمثل في ضعف البنية التحتية، إذ يوضح أن أي استثمار يحتاج إلى طرق ومواصلات وكهرباء ومياه وإنترنت متطورة، ويضيف أن هذه القطاعات ما تزال تعاني من تأخر كبير، وأن إصلاحها قد يتطلب سنوات من العمل.
ويعتبر العلي أن الاستثمارات بطبيعتها لا تظهر نتائجها بشكل فوري، بل تحتاج إلى سنوات حتى يمكن قطاف ثمار النمو الاقتصادي وانعكاسه على حياة المواطنين. كما يلفت إلى أن القضية لا تتعلق فقط بحجم الاستثمارات، بل أيضاً بطريقة توزيع الدخل والثروة الوطنية، وهو أمر “لا يزال غير واضح في ظل الإدارة والحكومة الجديدتين”.
ويشير إلى ما يراه انحيازاً في بعض الأحيان نحو المستثمر على حساب المواطن، ويستشهد بملف الكهرباء، حيث ارتفعت الأسعار قبل دخول المستثمرين فعلياً، ما يطرح تساؤلات حول أولوية مصلحة المواطن.
ويخلص إلى أن الإجابة عن سؤال: كيف ستؤثر هذه الاستثمارات على الواقع الاقتصادي للسوريين؟ ما تزال غير واضحة حتى الآن، لكنه يعتقد أنه للوصول إلى نتائج ملموسة في التنمية الاقتصادية، فإن الأمر يتطلب سنوات بكل تأكيد.










