بدت استقالة مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في “حزب الله”، وفيق صفا، حدثاً لافتاً في قراءة واقع ومستقبل “حزب الله” اللبناني، على خلفية التطورات السياسية والميدانية التي شهدتها الأشهر الأخيرة، سواء المتعلقة بالهجمات الإسرائيلية المكثفة أو الضغوط على الدولة اللبنانية بحصر السلاح بيد الجيش فقط.
النظر إلى هذه الاستقالة باعتبارها مؤشراً مهماً يأتي بعد خروجها من الإطار التنظيمي الضيق إلى واجهة النقاش العام عبر المنصات الإعلامية، ما يشير إلى أن غياب الرجل البارز في المحادثات مع الداخل اللبناني والقوات الدولية ليس أمراً عابراً، بل يمكن قراءته كجزء من إعادة هيكلة داخلية شاملة فرضتها تداعيات الحرب الأخيرة، فضلاً عن كونها تحركاً تكتيكياً مرناً في ظل الضغوط الأميركية على إيران خلال المفاوضات الأخيرة.
ويبدو أن “حزب الله” يسعى من خلال هذه الخطوة إلى تجنب الوقوع في فخ السقوط الاستراتيجي، واعتماد مقاربات تكتيكية تسمح له بالتحرك المرن وانتقاء شخصيات جديدة قادرة على التعامل مع المعطيات المستجدة.
ومن هذا المنطلق، قد يكون من المنطقي أن يؤدي خروج وفيق صفا من منصبه القديم إلى شغور موقعه لصالح وجوه وأسماء جديدة، بما يخدم أهدافاً تكتيكية واستراتيجية محددة للحزب.
اقرأ أيضاً: طهران تلوّح بوكلائها: “حزب الله” رأس حربة معركة عضّ الأصابع – 963+
“هيكلية شاملة”
إلى ذلك، يقول الكاتب اللبناني أسعد بشارة، رداً على سؤال حول ما يعنيه قبول “حزب الله” استقالة القيادي البارز وفيق صفا من منصبه، إن “الواضح هو أن هناك هيكلة شاملة داخل حزب الله”.
ويلفت في تصريحات لـ”963+” إلى أن “هذه الهيكلة تطاول كامل الطاقم القديم الذي لم تطله الاغتيالات، والذي كان يمارس أدواراً يرى الحزب اليوم ضرورة تصحيحها”.
ويشير بشارة إلى أن “ما يجري هو بمثابة عملية تجميل اضطرارية ينفذها حزب الله، بعدما تبيّن له أن مرحلة ما بعد الحرب تفرض إعادة ترتيب أوضاعه وتلافي الأخطاء التي ارتكبها، والتي أدت إلى خسائر جسيمة”.
وتساءل الكاتب اللبناني: “إلى أين ستذهب هذه العملية؟ وهل يمكن اعتبارها عملية آمنة في مرحلة انتقالية؟”، مؤكداً أن “الحزب يشهد اليوم ما لا يمكن تسميته صراع أجنحة، بقدر ما هو وجود مراكز قوى داخلية ستتضرر بشكل كبير مما سيجري”.
ويضيف: “تنحية أو إقالة وفيق صفا هي القرار الذي خرج إلى العلن، لكن من المؤكد أن هناك قرارات أخرى اتُّخذت داخل هرمية القيادة في حزب الله ولم تُعرف بعد”، مرجحاً أن “تتكشف هذه القرارات في المستقبل”.
ويختم بالقول إن “ما يمكن الجزم به هو أن عملية إعادة الهيكلة هذه تتم برعاية وبقرار إيراني”.
“قرار مرتبط بطهران”
في المقابل، يذهب مؤسس ورئيس حركة تحرر من أجل لبنان، علي خليفة، إلى القول إنّه لا يعتقد أنّ استقالة وفيق صفا، أو ممارسة ضغط لإقالته أو إبعاده، تحمل أي رسالة سياسية، لا على المستوى الداخلي ولا الخارجي، سواء لجهة إعادة هيكلة بنية “حزب الله” أو لجهة إسناده دوراً جديداً. فـ”حزب الله”، برأيه، لن يُقدم على أي خطوة من هذا النوع لمواكبة التطورات أو التغيّرات الإقليمية.
ويؤكد خليفة في حديثه لـ”963+” أنّ إقالة أو استقالة وفيق صفا “لا تعني له شيئاً على الإطلاق”، مستشهداً بالخطاب الأخير للأمين العام لـ”حزب الله”، نعيم قاسم، الذي جدّد فيه ولاء الحزب وخياراته. وبالتالي، “لم يتغير شيء”.
ويستبعد أن يتغير أي شيء في وظيفة “حزب الله” أو في بنيته التنظيمية. “فحزب الله، تنظيم يشكّل امتداداً مباشراً للحرس الثوري الإيراني، ويؤدي أدواراً وظيفية تصبّ حصرياً في هذا الاتجاه، من دون أي وظيفة أخرى أو هامش للمناورة”.
ويرى أنّه لا مجال للمرونة داخل هيكلية “حزب الله”، ولا إمكانية لعودته إلى لعب دور سياسي مختلف، أو لإحداث تغيير في أدائه تحت عنوان مواكبة الأحداث. فالحزب، كما يقول، “يؤدي دوراً وظيفياً في خدمة إيران، والقرار في هذا الشأن يعود لطهران وحدها: إن قررت إنهاء دور حزب الله فعلت، وإن قررت تمديده فعلت ذلك أيضاً، لكن من دون أي تغيير جذري في طبيعته أو مهماته”.
اقرأ أيضاً: غارات إسرائيلية عنيفة ضد مواقع لحزب الله جنوب لبنان – 963+
وفي ما يخص وفيق صفا تحديداً، يصفه خليفة بأنّه كان “رجل المهام داخل حزب الله، إذ تولّى تنفيذ الأعمال الأمنية عبر لجنة الارتباط والتنسيق، من إرسال الرسائل الأمنية والتهديدات، إلى ممارسة الضغوط على قيادات سياسية وإدارية، بما في ذلك القضاء وموظفو الفئة الأولى في الدولة اللبنانية. كما كان يمسك بملفات أمنية داخلية حسّاسة”.
ويعتبر خليفة أنّ “الحزب قد يكون استغنى، في هذه المرحلة، عن بعض الأدوار الأمنية الداخلية، نتيجة تراجع قدرته ونفوذه، ولم يعد بحاجة إلى خدمات وفيق صفا في هذا السياق. ومن هنا، قد تكون وحدة الارتباط والتنسيق فقدت جزءاً من مهامها، ما استدعى إخراج صفا من هذا المشهد، أو نقله إلى دائرة عمل أخرى داخل الحزب”.
ويشدد على أنّه “لا توجد أي مؤشرات سياسية على تغيير وظيفي في حزب الله، ولا على إعادة هيكلة داخلية”. وما يحدث، وفق رأيه، “هو مجرّد عجز عن الاستمرار في أداء الأدوار الأمنية السابقة، لا سيما في الداخل اللبناني، والمسؤول عنها وفيق صفا، الذي لم تعد هناك حاجة إلى خدماته في المرحلة الراهنة”.
لكنه يضيف أنّه متى شعر “المشغّل الإيراني بضرورة إعادة تفعيل هذه الأدوار، فإن وفيق صفا أو غيره قد يعود، وتُعاد إحياء وحدة الارتباط والتنسيق، تبعاً للظروف والحاجات، لا نتيجة قرار سياسي مسبق بإعادة الهيكلة أو بالتحول نحو دور سياسي بديل”.
ويختم خليفة بالقول إنّ “حزب الله يملك أسماء أخرى قادرة على ملء هذا الدور إذا دعت الحاجة، لكن هذا الدور مرتبط بالمتغيرات الإقليمية. فإذا انتهى الدور الإيراني في المنطقة، سقط معه حزب الله برمّته، أمّا إذا استمر هذا الدور، فسيجري إعادة توزيع المهام والأدوار وفق مقتضياته، من دون الخروج عن الوظيفة الأساسية التي أُعدّ لها الحزب، أي كذراع عسكرية وأمنية لإيران في المنطقة”.
اقرأ أيضاً: الحكومة اللبنانية: الانتهاء من نزع سلاح “حزب الله” جنوب الليطاني خلال أيام – 963+
“أفول تدريجي”
بدوره، يقول السياسي اللبناني شكري مكرزل إن “قبول حزب الله باستقالة وفيق صفا لا يمكن التعامل معه كإجراء إداري عادي أو خطوة شكلية عابرة، لافتاً إلى أن هذه الخطوة تحمل دلالات سياسية عميقة وتتجاوز كونها تفصيلاً داخلياً”.
ويعتبر مكرزل في حديثه لـ”963+” أن ما جرى “يشكّل حدثاً ثقيلاً في توقيته ومعانيه، لأنه يحمل في طيّاته اعترافاً أكثر مما يحمل قراراً”.
ويوضح مكرزل أن “وفيق صفا لم يكن بالنسبة إلى حزب الله مجرد مسؤول أمني، بل كان وجهاً لمرحلة كاملة، مرحلة تصدّر فيها الأمن المشهد، وتحولت فيها القوة إلى لغة سائدة على الأرض، فيما كانت الدولة تُدار من خارج مؤسساتها لا من داخلها”.
ويلفت إلى أن “هذه المرحلة قامت على عقلية ترى أن القوة يمكن أن تحلّ مكان الشرعية، وأن الهيبة قد تغني عن القانون”.
ويشدّد على أن قبول الحزب باستقالة صفا اليوم “لا يعني محاولة لتحسين الصورة، بل يعكس إدراكاً داخلياً بأن هذه الصورة نفسها تحولت إلى عبء، وصارت تكلّف الحزب أكثر مما تفيده، وتفتح جبهات إضافية بدل أن تغلقها”.
ويضيف أن “السؤال الحقيقي لا يكمن في الاستقالة بحد ذاتها، بل في توقيتها، متسائلاً عن سبب حصولها في هذه المرحلة بالذات”.
ويرى مكرزل أن “الحزب وصل إلى مرحلة شديدة الصعوبة، فهو لم يعد قادراً على الاستمرار بالأسلوب نفسه، ولا يملك القدرة على تغيير مشروعه السياسي، ولا يحتمل كلفة مواجهة مفتوحة، ما دفعه إلى اختيار ما وصفه بالحل الوسط”.
ويعتبر أن هذا التموضع في المنتصف ليس علامة توازن أو حكمة، بل مؤشر ضعف داخلي واضح.
ويشير إلى أن “حزب الله يعاني اليوم من إرهاق كبير على مستوى الكوادر، نتيجة سنوات طويلة من المواجهات، فيما لا يزال جمهوره متماسكاً لكنه غير مطمئن”.
ويلفت إلى أن هذا الجمهور قد يبدو صامتاً، إلا أن صمته لا يعكس شعوراً بالارتياح بقدر ما يعكس قلقاً متزايداً حيال المستقبل.
ويضيف أن “القيادة ما زالت ممسكة بالقرار، لكنها باتت تدرك أن الأمور لم تعد تسير كما كانت في السابق، وأن الطاعة قد تستمر، إلا أن القناعة بدأت تتآكل، وهو ما يشكّل خطراً حقيقياً على أي تنظيم عقائدي”.
ويؤكد مكرزل أن “استقالة وفيق صفا تحمل رسالة داخلية واضحة مفادها أن لا أحد محصناً ولا مرحلة مقدسة”، لكنه يشدد في المقابل على أن ذلك لا يعني وجود محاسبة فعلية، معتبراً أن ما يحصل هو تبديل أسماء وتحميل مسؤوليات بصمت، من دون أي مراجعة جدية للنهج أو للخيارات السياسية والأمنية.
وعن المشهد الخارجي، يوضح السياسي اللبناني أن “صورة الحزب باتت أكثر قتامة، إذ لا يملك اليوم انتصاراً واضحاً يمكن تسويقه، ولا أفقاً سياسياً يمكن البناء عليه، ولا قدرة على خوض حرب طويلة أو تحمّل عزلة إضافية، خصوصاً في ظل شح كبير في الموارد المالية”.
ويلفت إلى أن “القوة التي كانت تُستخدم لفرض الرسائل باتت اليوم تعود بكلفة أعلى بكثير من قدرة الحزب على تحمّلها”.
ويعتبر مكرزل أن استقالة صفا “تشكّل اعترافاً غير مباشر بفشل المقاربة الأمنية”، موضحاً أنها “فشلت في فرض السيطرة الكاملة، وفشلت في بناء دولة بديلة، كما فشلت في فرض تسويات لمصلحة الحزب، بل وحتى في حماية التنظيم نفسه من التآكل الداخلي والخارجي”.
ويختم بالقول إن “الإشكالية الأساسية لا تكمن في خروج شخصية من موقعها، بل في غياب الوضوح حول هوية الحزب ودوره المستقبلي”، متسائلاً عمّا إذا كان يسعى لأن يكون مقاومة كاملة، أم حزباً سياسياً تقليدياً، أم كياناً هجيناً يقف في المنتصف.
ويشدّد على أن “هذا الموقع هو الأخطر سياسياً، لأنه يفتقر إلى الحماية وإلى الأفق”، معتبراً أن ما يجري “لا يشير إلى سقوط فوري، بل إلى بداية أفول تدريجي، حيث قد تبقى القوة، لكنها تصبح بلا مشروع واضح، ما يحوّلها إلى عبء على أصحابها، ويجعل استقالة وفيق صفا إشارة إلى بداية العدّ التنازلي لمرحلة كاملة، لا نهاية رجل فحسب، بل نهاية عقلية سياسية بأكملها”.










