شهدت محافظة درعا جنوبي سوريا خلال الفترة الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في وتيرة عمليات الاغتيال التي لطالما شكلت أحد أبرز مظاهر الانفلات الأمني في المحافظة منذ عام 2018 هذا التراجع الذي انعكس هدوءاً نسبياً في عدد من المناطق أعاد طرح تساؤلات واسعة حول أسبابه الحقيقية وما إذا كان يشير إلى تحول دائم في المشهد الأمني أم أنه مجرد مرحلة مؤقتة سرعان ما تنتهي مع أي تغير ميداني أو سياسي.
وعلى مدار سنوات كانت درعا مسرحاً مفتوحاً لعمليات اغتيال استهدفت شخصيات مدنية وقيادات محلية وناشطين سابقين إضافة إلى عناصر أمنية وعسكرية في مشهد معقد تداخلت فيه صراعات النفوذ مع الحسابات الأمنية والخلافات المحلية ما جعل الاغتيالات سمة شبه دائمة للحياة اليومية في الجنوب السوري.
وخلال الأسابيع الماضية سجلت المحافظة انخفاضاً واضحاً في عدد عمليات الاغتيال مقارنة بالسنوات السابقة لا سيما في أرياف درعا الشرقية والغربية التي كانت تعد من أكثر المناطق سخونة وبحسب سكان محليين فإن هذا التراجع خلق شعوراً نسبياً بالارتياح لكنه لم يبدد حالة القلق المتجذرة لدى الأهالي الذين اعتادوا على فترات هدوء مشابهة لم تلبث أن انهارت لاحقاً.
ويؤكد متابعون للشأن المحلي أن الأهالي يتعاملون مع هذا الهدوء على أنه استراحة مؤقتة وليس استقراراً حقيقياً في ظل تجارب سابقة شهدت توقفا قصير الأمد للاغتيالات قبل عودتها بوتيرة أعلى.
ما وراء تراجع الاغتيالات؟
في هذا السياق يقول مصدر أمني في حديث لـ”963+”: إن تراجع وتيرة الاغتيالات خلال الفترة الأخيرة يعود بشكل أساسي إلى تشديد الإجراءات الأمنية في محافظة درعا ولا سيما في المناطق التي كانت تصنف كبؤر ساخنة للنشاط المسلح.
ويوضح المصدر أن الأجهزة الأمنية كثفت من انتشارها الميداني ووسعت نطاق المراقبة إلى جانب تنفيذ عمليات متابعة دقيقة استهدفت خلايا متورطة بتنفيذ عمليات اغتيال أو تقديم دعم لوجستي لها.
ويضيف أن عدداً من هذه الخلايا جرى تفكيكه فيما اضطر آخرون إلى التواري عن الأنظار أو مغادرة المنطقة ما انعكس بشكل مباشر على انخفاض عدد العمليات، مشيراً إلى أن العمل الأمني اعتمد بشكل متزايد على المعلومات الاستخباراتية وليس فقط على الانتشار الظاهر.
ويبين المصدر أن تشديد الرقابة على حركة السلاح وملاحقة المطلوبين البارزين أسهما في تقليص قدرة الجهات المنفذة على التحرك بحرية مقارنة بالفترات السابقة، لافتاً إلى أن الرسائل الأمنية الواضحة لعبت دوراً رادعاً في الحد من تنفيذ عمليات جديدة.
ويؤكد المصدر الأمني أن هذا التراجع لا يعني انتهاء خطر الاغتيالات بشكل كامل، موضحاً أن الملف لا يزال مفتوحاً ويخضع لتقييم مستمر وفق التطورات الميدانية والأمنية.
عوامل سياسية وتبدل أولويات
إلى جانب العامل الأمني يرى البعض أن توقف الاغتيالات لا يمكن فصله عن السياق العام في سوريا حيث تشهد البلاد توترات متزامنة في أكثر من منطقة ما أدى إلى تبدل أولويات عدد من الأطراف الفاعلة وانشغالها بملفات أخرى.
ويشير متابعون إلى أن بعض الجهات التي كانت متهمة بتغذية الاغتيالات في درعا سواء عبر التمويل أو التوجيه أو التحريض خفضت من مستوى نشاطها خلال الفترة الأخيرة وهو ما انعكس مباشرة على الواقع الأمني في الجنوب.
وبعد سنوات من العنف والاغتيالات وصل المجتمع المحلي في درعا إلى حالة من الإنهاك العميق حيث باتت الغالبية تبحث عن أي شكل من أشكال الاستقرار حتى وإن كان هشاً هذا المزاج الشعبي أسهم في تقليص الحاضنة الاجتماعية التي كانت تستغل سابقاً لتنفيذ عمليات اغتيال أو التستر على منفذيها.
كما لعب الوجهاء واللجان الأهلية دورا متزايدا في احتواء الخلافات المحلية ومنع تحولها إلى صراعات دموية أو عمليات تصفية خاصة في القرى ذات الطابع العشائري.
هدوء لا يبدد المخاوف
يقول هيثم العقلة وهو من أهالي درعا لـ”963+”: إن توقف الاغتيالات في درعا خلال الفترة الأخيرة لا يمكن اعتباره نهاية لهذا الملف، موضحاً أن الهدوء الحالي مرتبط بالظروف الأمنية والسياسية العامة أكثر من كونه نتيجة معالجة جذرية.
ويضيف أن درعا اعتادت على فترات هدوء مشابهة سرعان ما انتهت مع أي تغير في المشهد الأمني أو السياسي ما يجعل الحديث عن استقرار دائم أمراً سابقاً لأوانه.
من جانبه يقول جابر وهو من مدينة درعا لـ”963+”: إن توقف الاغتيالات غالباً ما يتزامن مع حالات توتر في مناطق أخرى من سوريا، موضحا أنه عند حدوث تصعيد في إحدى المناطق تخف وتيرة الاغتيالات في درعا لكن ما إن ينتهي هذا التوتر حتى تعود العمليات إلى الواجهة.
ويشير جابر إلى أن ما جرى في الساحل السوري إضافة إلى أحداث السويداء وشرق سوريا يعكس هذا النمط بوضوح حيث تتوسع رقعة التوتر في تلك المناطق وينعكس ذلك مؤقتاً على الجنوب قبل أن تعود الاغتيالات مجدداً.
ويؤكد أن الأهالي ينظرون إلى الهدوء الحالي بحذر شديد لأن الأسباب الحقيقية لانتشار الاغتيالات ما تزال قائمة.
آثار أمنية واجتماعية
أسهم تراجع الاغتيالات في تحسن نسبي للشعور بالأمان حيث عادت الحركة تدريجياً إلى الأسواق والطرقات وتراجعت مظاهر الخوف وانخفضت حوادث إطلاق النار العشوائي.
كما انعكس الهدوء على الواقع الاجتماعي عبر تخفيف الاحتقان وفتح المجال أمام مبادرات محلية لإعادة ترميم العلاقات التي تضررت خلال سنوات العنف وعلى الصعيد الاقتصادي شجع الاستقرار النسبي بعض الأهالي على استئناف أنشطتهم التجارية والزراعية.
ورغم المؤشرات الإيجابية يحذر مراقبون من المبالغة في التفاؤل مؤكدين أن الفقر وانتشار السلاح وتعدد مراكز النفوذ وغياب العدالة والمساءلة ما تزال عوامل قائمة قد تعيد ملف الاغتيالات إلى الواجهة في أي لحظة.
ويمثل توقف موجة الاغتيالات في درعا تطوراً مهماً أعاد قدراً من الطمأنينة إلى نفوس الأهالي لكنه يبقى هدوءاً هشاً ومشروطاً وبينما يلمس السكان آثاراً إيجابية على حياتهم اليومية يبقى مستقبل هذا الهدوء مرتبطاً بمعالجة جذور الأزمة الأمنية في الجنوب السوري لا بالاكتفاء بإدارتها مؤقتاً.










