جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر، الأربعاء الماضي، لتكتسب دلالات خاصة على أكثر من مستوى؛ فهي تمثل من جهة محطة مفصلية في مسار العلاقات المصرية ـ التركية، ومن جهة أخرى تأتي في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتقاطع فيه أزمات ممتدة وتحولات متسارعة، في مقدمتها استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وتصاعد التهديدات الأميركية تجاه إيران، والتحولات الجارية في سوريا، فضلًا عن تطورات الأوضاع في ليبيا والسودان والصومال.
وفي هذا السياق، تنظر القاهرة إلى زيارة أردوغان بوصفها خطوة يمكن البناء عليها لبحث عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، لا سيما ملفات سوريا وغزة وليبيا والقرن الأفريقي، بما يسهم في صياغة رسائل إقليمية مفادها أن مرحلة جديدة من التنسيق الإقليمي آخذة في التشكل، تقوم على إدارة الخلافات عبر الحوار، وتعزيز التوازن، ودعم الاستقرار في منطقة تعاني من صراعات مزمنة وتدخلات خارجية متزايدة.
وأكد الإعلان المشترك الصادر عن الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين مصر وتركيا، المنعقد في القاهرة في 4 فبراير/شباط 2026، حرص البلدين على الارتقاء بعلاقاتهما إلى شراكة استراتيجية شاملة، تقوم على تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي، وتكثيف التنسيق الإقليمي والدولي حيال القضايا محل الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها دعم الاستقرار في الشرق الأوسط.
وفي ما يخص الملف السوري، شدد الجانبان على التزامهما الراسخ بسيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، وأكدا أهمية دعم جهود إعادة الإعمار، وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة، وإطلاق عملية سياسية شاملة وجامعة، بملكية وقيادة سوريتين، وبمشاركة جميع مكونات المجتمع السوري.
كما أدانا الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للسيادة السورية، وأكدا ضرورة التزام إسرائيل باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، وذلك في إطار رؤية مشتركة تهدف إلى ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليميين.
وفي سياق متصل، وصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الثلاثاء الماضي، إلى العاصمة السعودية الرياض في زيارة رسمية، من المقرر أن يلتقي خلالها بالأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء، لبحث العلاقات الثنائية. ومن المنتظر أن تعقد جلسة مباحثات رسمية بين الجانبين تتناول تطورات الأوضاع الإقليمية، وسبل توسيع فرص السلام وتعزيز الاستقرار في المنطقة.
تنسيق وتعاون مشترك
وفي هذا الإطار، يقول المفكر المصري الدكتور عبدالمنعم سعيد، في حديثه لـ”963+”، إن المملكة العربية السعودية شرعت خلال الفترة الماضية في عقد قمم عربية وإسلامية مشتركة، في إطار مسار تشاوري متنامٍ بين الدول العربية والقوى الإسلامية الرئيسية.
ويوضح أن هذا التشاور تقوده دول عربية محورية، في مقدمتها السعودية ومصر والإمارات، بالتعاون مع دول إسلامية مؤثرة مثل تركيا وباكستان وإندونيسيا، مشيراً إلى أن هذا التنسيق تُرجم إلى تعاون مشترك داخل أروقة الأمم المتحدة، ولا سيما في ما يتعلق بملف الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فضلاً عن السعي لدفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى لعب دور أكثر فاعلية في عملية السلام في المنطقة.
ويضيف سعيد أن زيارة ترامب إلى كل من المملكة العربية السعودية والإمارات، في شهر أيار/مايو الماضي، شهدت حضور الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، رئيس سوريا، وهو ما مثّل، بحسب رأيه، بداية لعملية مساندة عربية للجانب السوري، تهدف إلى دعم قيام دولة وطنية سورية جامعة، قادرة على استيعاب جميع الطوائف والمكونات المجتمعية، وترسيخ مبدأ المواطنة الكاملة لكل السوريين.
وحول زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، وما تطرحه مصر من دعم للاستقرار في سوريا ودمج جميع مكونات المجتمع السوري ضمن عملية سياسية واحدة، يوضح سعيد أن هذا الملف يُعد محوراً رئيسياً في مشاورات واسعة بين مصر وتركيا والسعودية وعدد من الدول العربية.
ويضيف أن الملف السوري، إلى جانب الملف الليبي، يشكلان عنصرين أساسيين في العلاقات المصرية ـ التركية، مذكراً بأن أنقرة والقاهرة سبق أن توصلتا، في مراحل سابقة، إلى تفاهمات متعددة، ومعتبراً أن المسار الحالي يسير في الاتجاه الصحيح نحو بناء دولة سورية وطنية، يعيش فيها الجميع بسلام وعدل وأمان.
محددات الأمن الإقليمي
وفي ما يتعلق بما إذا كانت القاهرة ستنقل رسائل إلى القيادة السورية عبر الرئيس أردوغان بشأن محددات الأمن الإقليمي، يوضح سعيد أن مثل هذه الملفات تُدار عبر القنوات والمؤسسات المعنية في كل دولة، مشيراً إلى أن وزارة الخارجية المصرية تتواصل بشكل مباشر مع نظيرتها السورية، وتطلعها على مجريات التنسيق مع الجانب التركي.
ويؤكد أن الهدف الأساسي يتمثل في “تجنب أي صدام بين سوريا وتركيا، والدفع نحو تعامل أنقرة مع سوريا باعتبارها دولة قائمة ومتكاملة، لا ساحة صراع مفتوحة”.
وتأتي هذه الزيارة الجديدة لأردوغان إلى مصر، منذ شباط/فبراير 2024، محمّلة بدلالات خاصة تتصل بمسألة الأمن الإقليمي، ومناقشة محددات ضبط منسوب التوتر في الشرق الأوسط، ولا سيما في ما يتعلق بملف الاستقرار في سوريا، مع تأكيد القاهرة المتكرر حرصها الشديد على استقرار الأوضاع فيها، وتمكين جميع مكونات المجتمع السوري من حقوقها.
كما تشمل الزيارة مناقشة ملفات أخرى ذات اهتمام مشترك، لا سيما في غزة وليبيا، وهو ما تجلّى بوضوح في حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد في قصر الاتحادية.
ومن جانبه، شدد أردوغان على أن استقرار المنطقة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسيادتها السياسية، معتبراً أن سوريا الموحدة والآمنة تصب في مصلحة جميع دول الجوار والمنطقة، ومؤكداً دعم تركيا لأي جهود من شأنها تحقيق السلام والاستقرار داخل البلاد.
إعادة صياغة المشهد
وفي قراءة تحليلية للزيارة، يقول الكاتب التركي إسلام أوزكان، في حديثه لـ”963+”، إن زيارة الرئيس التركي إلى الرياض والقاهرة في هذا التوقيت تمثل إعادة صياغة للمشهد الإقليمي، إذ لا تقتصر على كونها لقاءات ثنائية تقليدية، بل تتجاوز ذلك لتغدو محاولة جادة لتشكيل ما يمكن وصفه بـ”كتلة استقرار” في منطقة تعاني من سيولة أمنية وسياسية متفاقمة.
وفي هذا السياق، يرى أوزكان أن هذه الجولة تعكس انتقالاً واضحاً من منطق “سياسات المحاور الصدامية” إلى مقاربة “الديبلوماسية الواقعية”، حيث يسعى الفاعلون الإقليميون، وفي مقدمتهم تركيا والسعودية ومصر، إلى سحب الملف السوري من أيدي القوى الدولية الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة وروسيا، وإعادته إلى الحاضنة الإقليمية.
ويهدف هذا التوجه، بحسب أوزكان، إلى تأكيد قدرة دول المنطقة على إنتاج حلول ذاتية لمشكلاتها، دون انتظار ضوء أخضر خارجي. ولافتٌ أن التنسيق التركي ـ السعودي ـ المصري ينظر إلى استقرار سوريا بوصفه أداة لإعادة ضبط توازن القوى الإقليمي، بما يحدّ من التغلغل والتهديد الإسرائيلي، عبر تعزيز الطابع الإقليمي والعروبي للملف السوري، وإبعاده عن الأجندات المفروضة من الخارج.
ومن جهة أخرى، يمكن قراءة انعكاسات هذه الزيارة على الساحة السورية من خلال معادلة “المصالح المتبادلة”، أو ما يمكن تسميته بآلية المقايضات الاستراتيجية؛ إذ تسعى تركيا إلى الحصول على غطاء عربي لمخاوفها الأمنية في الشمال السوري، في حين تتطلع الرياض والقاهرة إلى إبداء أنقرة قدراً أكبر من المرونة حيال مسألة الاعتراف بسيادة الدولة السورية ومؤسساتها المركزية، بما يفتح الباب أمام تسوية سياسية شاملة.
وفي هذا الإطار، لا يمكن الحديث عن استقرار مستدام في سوريا دون التطرق إلى ملف إعادة الإعمار، حيث إن دمج رأس المال السعودي مع القدرات الإنشائية واللوجستية التركية، وبدعم سياسي مصري، قد يوفر بيئة مناسبة لإطلاق مشاريع “التعافي المبكر”، باعتبارها خطوة أولى وضرورية لتهيئة ظروف العودة الطوعية والكريمة للاجئين.
وفي تطور لافت، لم يعد الرأي العام العربي مجرد متلقٍ سلبي لمسارات السياسة، بل بات قوة ناعمة ضابطة ومؤثرة في توجيه السياسات الخارجية. فالإجماع الشعبي العربي على وحدة الأراضي السورية يشكّل صمام أمان يحول دون تمرير أي تفاهمات قد تؤدي إلى تقسيم البلاد، كما يفرض على صانعي القرار التمسك بمبدأ السيادة السورية كأولوية في أي مباحثات.
وفي الوقت ذاته، يتطلع الشارع العربي إلى إنهاء المأساة الإنسانية الممتدة، ما يجعل نجاح هذه الجولة مرهونًا بقدرتها على تحسين الظروف المعيشية للسوريين في الداخل والخارج، وهو ما يمنح الحكومات المعنية شرعية شعبية للمضي قدمًا في مسارات التطبيع أو التسوية.
ولا يمكن فصل التركيز على الملفات التجارية والاقتصادية في هذه الجولة عن أبعادها السياسية الأوسع؛ إذ إن استقرار سوريا يعني عملياً إعادة فتح طرق التجارة البرية التي تربط تركيا بالخليج ومصر، بما يعزز مستويات التكامل الاقتصادي الإقليمي.
وبهذا المعنى، يتحول الاستقرار في سوريا إلى مصلحة مالية وتجارية مباشرة للدول الثلاث، وليس مجرد هدف سياسي نظري. كما أن التنسيق في مجال الصناعات الدفاعية قد يسهم في بناء منظومة أمنية إقليمية قادرة على مراقبة وضبط الحدود السورية باستخدام أدوات تكنولوجية متقدمة، ما يقلل من الحاجة إلى التصعيد العسكري المباشر.
وخلاصة القول في حديث أوزكان، إن مثلث أنقرة ـ الرياض ـ القاهرة بات يشكّل اليوم أحد أبرز مراكز الثقل في الشرق الأوسط. ويعني نجاح هذا التنسيق المحتمل تحويل سوريا من ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية إلى نموذج للتعاون الإقليمي المفروض بالأمر الواقع، حيث تتقاطع المصالح الأمنية التركية مع الرؤية السياسية المصرية، والثقل الاقتصادي السعودي، في معادلة أكثر توازنًا وقابلية للاستمرار.










