سجّلت ألمانيا خلال عام 2025 ارتفاعاً غير مسبوق في أعداد اللاجئين الذين عادوا طوعاً إلى بلدانهم الأصلية، ولا سيما إلى سوريا، بدعم من برامج حكومية مخصّصة لما يُعرف بـ”العودة الطوعية”، أرقام رسمية صادرة عن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF) تشير إلى تحوّل واضح في مسار ملف اللجوء، يفرض تساؤلات عميقة حول أسبابه، وحدوده، وطبيعة “الطوعية” ذاتها.
بحسب متحدثة باسم BAMF، استفاد 16 ألفاً و576 لاجئاً من برامج العودة الطوعية خلال عام 2025، بزيادة بلغت 60% مقارنة بعام 2024.
اللافت أن سوريا تصدّرت قائمة الدول، حيث تقدّم 5976 لاجئاً سورياً بطلبات عودة حتى نهاية كانون الأول/ديسمبر، غادر منهم فعلياً 3678 شخصاً.
وجاء هذا الارتفاع متزامناً مع استئناف دعم السفر إلى سوريا منذ مطلع 2025، بعد توقف جزئي في السنوات السابقة، وهو ما أعاد ملف العودة إلى الواجهة السياسية والإنسانية من جديد، ويبقى السؤال الأخلاقي والسياسي معلقاً: هل يمكن اعتبار قرار العودة “طوعياً” إن كان مبنياً على شعور بالعجز واليأس؟ ربما الجواب الأصدق ما زال يكتبه أولئك الذين يغادرون بصمت، بين مطارين، يحملون حقيبة واحدة وذاكرة مليئة بما لم يُقل. من جانب آخر ترى منظمات حقوقية أن ارتفاع أرقام العودة لا يمكن اعتباره مؤشراً على تحسن الظروف بقدر ما هو انعكاس لضيق الخيارات.
اقرأ أيضاً: بروكسل: سوريا غير جاهزة لعودة اللاجئين قسرياً – 963+
برامج “العودة الطوعية”: خيار إنساني أم إدارة أرقام؟
تعتمد ألمانيا منذ سنوات على برامج مثل REAG/GARP التي توفّر تغطية لتكاليف السفر ومساعدات مالية محدودة لإعادة الاندماج في البلد الأصلي، وتعرضها السلطات كخيار إنساني بديل عن الترحيل القسري.
ويؤكد المحامي خالد العمر في تصريحات لـ”963+” أنه رغم تأكيد الحكومة الألمانية على أن برامج العودة اختيارية بالكامل، فإن مفهوم “الطوعية” يصبح إشكالياً حين يُتَّخذ القرار في بيئة ضاغطة، فاللاجئ الذي يشعر بانسداد الأفق القانوني والاجتماعي قد يختار العودة دون أن يكون راغباً بها فعلياً، وغياب الترحيل القسري لا يعني بالضرورة احترام مبدأ الطوعية، فالقانون الحقوقي يميّز بين الإكراه الصريح والإكراه غير المباشر، حين يُدفع الفرد إلى “الاختيار” بين بديلين كلاهما غير عادل، في هذه الحالة، تصبح العودة نتيجة تآكل تدريجي للحق في الحماية، لا تعبيراً عن قناعة حقيقية.
ويضيف: من منظور القانون الدولي، لا تُعد العودة طوعية إلا إذا استندت إلى قرار حر ومستنير، وفي غياب أي ضغط مباشر أو غير مباشر، مع توافر بديل حقيقي يتمثل في استمرار الحماية داخل بلد اللجوء، لكن الواقع العملي يكشف أن كثيراً من قرارات العودة تُتخذ في سياق ضغوط بنيوية تشمل، تشديد شروط الإقامة الدائمة، وهشاشة الإقامة القانونية، وتأخر لمّ الشمل، وتراجع الدعم الاجتماعي، وتزايد الخطاب السياسي المناهض للهجرة في بعض الولايات الألمانية.
كما يبرز فراغ قانوني آخر حسب العمر، يتمثل في غياب آليات متابعة شفافة لأوضاع العائدين، والسؤال الأكثر حساسية يبقى: ماذا ينتظر العائدين في سوريا؟ وحتى الآن لا تتوفر بيانات شفافة كافية حول أوضاع من عادوا فعلياً: هل تمكنوا من الاستقرار؟ وهل وجدوا عملاً؟ وهل حصلوا على أي دعم حقيقي بعد العودة؟ وهل يفكر بعضهم بالهجرة مجدداً؟
وغياب هذه الإجابات يجعل من أرقام العودة مؤشراً ناقصاً لا يكتمل دون متابعة ما بعد العودة، ما يحوّل العودة إلى إجراء إداري ينتهي عند مغادرة اللاجئ، خلافاً لما تفرضه المعايير الحقوقية من مسؤولية مستمرة عن سلامة الإنسان وكرامته.
ويرى العمر أن قرار العودة لا يرتبط بعامل واحد، بل بمزيج من الضغوط النفسية والقانونية والمعيشية، من بينها: تشديد سياسات اللجوء وتأخر لمّ الشمل، وتراجع المساعدات الاجتماعية وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الحصول على إقامة دائمة رغم سنوات العمل، إضافة إلى الإنهاك النفسي والحنين بعد سنوات طويلة من الغربة، وتبدل الوضع السياسي في سوريا رغم صعوبة الوضع الاقتصادي والخدمي، والاعتقاد – أو الأمل – بوجود تحسّن نسبي في بعض المناطق السورية.
ويختم العمر بالقول: حتى وإن جرت العودة دون قرار ترحيل رسمي، لا يمكن قياس احترام الحق في اللجوء بعدد العائدين، بل بمدى توافر بدائل عادلة للعودة، وضمانات حقيقية للحماية، وحين يعود اللاجئ لأنه فقد الإحساس بالأمان القانوني، نكون أمام إشكالية قانونية تستحق المساءلة لا التفاخر، فاللاجئ السوري يعود لأنه أنهكه الانتظار بين وطن مدمّر وملجأ لا يمنحه الاستقرار الكامل.
اقرأ أيضاً: مفوضية اللاجئين: 90% من السوريين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية – 963+
هل هي عودة طوعية حقاً، أم اضطرار بملامح جديدة؟
وفقاً لتقرير المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF)، بلغ عدد السوريين الذين استفادوا من برامج “العودة الطوعية” رقماً قياسيّاً لم يُسجّل منذ ذروة موجة اللجوء “منذ 10سنوات” في عام 2015، وتقدّم هذه البرامج مساعدات مالية قد تصل إلى ثلاثة آلاف يورو للعائد الواحد، فضلاً عن تغطية نفقات السفر، وإرشاد إداري لتسهيل مغادرة ألمانيا “بطريقة منظمة وإنسانية”، كما تصفها الحكومة الألمانية.
لكن خلف هذا الإطار الرسمي، تكشف شهادات عائدين عن واقع أكثر تعقيداً، وخلف هذه الأرقام، تبدأ الأسئلة الكبرى بالظهور: ما الذي يدفع لاجئاً إلى مغادرة بلدٍ آمن نحو دولة أنهكتها الحرب والعقوبات وانعدام الخدمات؟
يقول خالد (38 عاماً)، لاجئ سوري مقيم سابق في برلين، لـ”963+” إنه اتخذ قراره بالعودة بعد سبع سنوات من اللجوء، موضحاً: “الحياة هناك لم تعد ممكنة، الإيجارات مرتفعة، والوظائف محدودة، والرفض يلاحقك في كل مكان، لم أشعر أنني أنتمي فعلاً، وبالرغم سوريا لا تزال تفتقر إلى بيئة آمنة ومستقرة، وفرص عمل حقيقية، لكن عندي أمل بسوريا الجديدة بعد تغيير نظام الأسد”.
قصة خالد تشبه قصص العشرات ممن يرون أن العودة ليست خياراً مريحاً بالمطلق، بل استسلاماً لظروف ضاغطة اقتصادياً واجتماعياً، وهواجس وأمنيات.
وتقول نهلة (35 عاماً)، أرملة وأم لثلاثة أطفال، عادت إلى مدينة حمص بعد تسع سنوات في ألمانيا: “القوانين لم تطردني، لكن الوحدة فعلت. أطفالي كبروا بلا أهل وأقارب، وأنا كبرت بلا بيت، حين فُتح باب السفر إلى سوريا مجدداً، شعرت أن قلبي سبقني”.
بدوره يقول سمير (43 عاماً)، الذي عاد من ولاية شمال الراين – وستفاليا إلى درعا مطلع 2025: “ثماني سنوات في ألمانيا، لم أُرحَّل ولم أستقر. كل شيء كان مؤقتاً: الإقامة، العمل، المستقبل. حين عُرضت عليّ العودة الطوعية، لم أفكر بسوريا كبلد آمن، بل كبلد أعرف مخاطره على الأقل”.
أحمد (29 عاماً)، عاد إلى ريف دمشق بعد تجربة عمل متقطعة في قطاع الخدمات، يختصر هذه المفارقة بقوله: “عملت، دفعت ضرائب، التزمت بالقانون، لكنني بقيت لاجئاً في نظر الجميع. لم يقل لي أحد ارحل، لكن كل شيء كان يقول لي: لا تنتمِ”.
اقرأ أيضاً: مباحثات سورية – نمساوية حول قضايا اللاجئين والهجرة – 963+
ما بعد العودة.. أسئلة بلا إجابات
حتى الآن، لا تتوفر بيانات رسمية شاملة حول أوضاع من عادوا فعلياً إلى سوريا. هل تمكنوا من الاستقرار؟ هل وجدوا عملاً؟ وهل كانت العودة نهاية رحلة اللجوء أم محطة مؤقتة قبل هجرة جديدة؟
يقول يوسف (34 عاماً)، لاجئ ما زال في ألمانيا ويتابع تجارب العائدين لـ”963+”: “نسمع قصصاً متناقضة: فهناك من ندم لكنه قرر التكيف، وهناك من قال إنه ارتاح نفسياً رغم الفقر، وهناك من أبدوا رغبتهم في الهجرة مجدداً، القرار لم يعد سياسياً واقتصادياً فقط، بل نفسي بالدرجة الأولى، هناك شعور معقد من الإنهاك النفسي والحنين والخوف من مستقبل مجهول في الاتجاهين، وهي تجعل من قرار العودة قرار متأرجح، لا قرار قناعة كاملة ويبقى قرار العودة مؤجلاً حالياً لدراسة الخيارات المطروحة وبالتالي المفاضلة بينها وفي كل خيار هناك ربح وخسارة، قد نضطر إلى مغادرة ألمانيا لسبب أو لآخر كرهاً أو طواعية، لكن العودة إلى سوريا حالياً ليست الخيار الأوحد، ربما تكون فرصة حياة في بلد آخر موقتاً”.
الضغوط الاجتماعية تضع “العودة الطوعية” تحت المجهر
ما بين “الطوعية” المعلنة و”الاضطرار” غير المصرّح به، تكشف أرقام العودة من ألمانيا إلى سوريا عن واقع رمادي معقّد، لا يمكن اختزاله بإحصاءات، و”العودة” لم تعد مجرد فكرة عابرة، بل تحولت إلى تيار متصاعد بين اللاجئين السوريين، ولكن خلف هذه الأرقام الباردة، يبرز السؤال الجوهري: هل يغادر هؤلاء بمحض إرادتهم، أم أنهم يُدفعون نحو “الخيار الوحيد”؟
الباحثة الاجتماعية سهام مروان تؤكد في تصريحات لـ”963+” أن مصطلح “طوعي” يحتاج لإعادة تعريف، فعندما تُغلق أبواب تجديد الإقامات، وتتعقد إجراءات اللجوء، ويصبح العيش في الكرفانات هو الخيار الوحيد لسنوات، فإن العودة هنا ليست “رغبة” بل هي “هروب من واقع أشد قسوة”، واللاجئ لا يعود لأن سوريا أصبحت فجأة مكاناً مثالياً، بل لأن القدرة على الاحتمال في ألمانيا قد نفدت، فكثير من اللاجئين يعانون، وخاصة كبار السن، من وحدة قاتلة، فالفجوة الثقافية وصعوبة الاندماج الكامل خلقت مجتمعات معزولة تشعر بالاغتراب النفسي، إضافة إلى واقع ملموس في تفكك الأسر، فقوانين لم الشمل المعقدة والقيود المفروضة عليها دفعت بالبعض للعودة من أجل الحفاظ على تماسك الأسرة الذي بدأ ينهار تحت وطأة البعد، ولم تعد ألمانيا بالنسبة للكثيرين تلك “الجنة الموعود” فهناك “بيئة طاردة” بدأت تتشكل، وصعود التيارات اليمينية، والخطاب السياسي المتشدد والمشاعر المناهضة للمهاجرين خلقت شعوراً عاماً بعدم الترحيب، مما جعل اللاجئ يشعر بأنه “عبء” وليس جزءاً من النسيج الاجتماعي.
وترى الباحثة الاجتماعية أن ارتفاع تكاليف المعيشة أدى إلى عجز العائلات الكبيرة عن تأمين سكن لائق، والعيش الدائم على المعونات، إضافة إلى صعوبة سوق العمل وعدم الاعتراف بالشهادات، جعلت الكثيرين يعملون في مهن دون مستواهم، مما أدى لـ “إحباط المكانة”، وبالتالي “منح العودة” تُستخدم أحياناً كبديل لبدء مشروع صغير في الوطن.
وحذرت من الانعكاسات على المجتمع السوري في الداخل، فهذه العودة، سواء كانت طوعية أو اضطرارية، تفرض تحديات جديدة على المجتمع السوري المنهك أصلاً، من حيث إعادة الاندماج، فكيف سيتكيف العائدون مع نقص الخدمات الأساسية؟ إضافة إلى الفوارق المادية بين العائدين بمدخرات (أو منح ألمانية) وبين المقيمين الذين عانوا من التضخم، وهناك الأثر النفسي بالتعامل مع وصمة “الفشل في اللجوء” التي قد تلاحق البعض.
وتختم بالقول إن الارتفاع اللافت في أعداد العائدين ليس مجرد إحصائية نجاح للسياسات الألمانية، بل هو مرآة تعكس أزمة اندماج عميقة وتحولات في المزاج الأوروبي العام، العودة إلى سوريا في ظروفها الحالية هي مقامرة اجتماعية كبرى، يضطر الكثيرون لخوضها بعد أن أغلقت “بلاد الأحلام” أبوابها النفسية قبل القانونية في وجوههم.










