لم تعد موجات الصقيع في سوريا مجرد ظاهرة شتوية عابرة، بل باتت حدثاً متكرراً يفرض نفسه بقوة على المحاصيل الزراعية، في ظل مناخ يتسم بتقلبات حادة وغير متوقعة.
ويوضح مختص علوم المناخ والطقس عامر حليمة لـ”963+”، أن المنطقة تمر بمرحلة من التطرف المناخي، حيث تصبح سوريا معرّضة بين فترة وأخرى لموجات صقيع تتكرر من موسم إلى آخر.
ويضيف أن هذه الموجات “لن تكون بالضرورة استثنائية أو قياسية، لكنها ليست ضمن السياق المناخي الطبيعي المعتاد”، مشيراً إلى أن الموجات تتركز بشكل خاص في المحافظات الشمالية، ولا سيما إدلب وحلب، إضافة إلى معظم الشريط الحدودي مع تركيا، بسبب طبيعتها الجغرافية والمناخية وانفتاحها على الكتل الهوائية الباردة.
الصقيع: بين الضرر والفائدة
يتحول الصقيع إلى عامل مضر فعلياً بالمحاصيل الزراعية عندما يحدث بشكل مباشر، من دون أن تسبقه منخفضات جوية أو هطولات مطرية كافية، وفقاً لعامر حليمة، ويؤكد أن انخفاض درجات الحرارة إلى ما دون ثلاث درجات مئوية تحت الصفر يشكل خطراً حقيقياً على المزروعات.
في المقابل، يرى الخبير والمهندس الزراعي يحيى التناري، أن “الصقيع لا يُعد ظاهرة سلبية في جميع الحالات”، فالصقيع الشتوي قد يكون مفيداً لبعض الأشجار المثمرة، مثل اللوزيات والزيتون والتفاح، حيث يساهم في تحسين الإنتاج وزيادته، كما يلعب دوراً إيجابياً في زراعة القمح من خلال تعزيز النمو وتحسين المحصول.
ويؤكد في حديث لـ”963+”، أن الصقيع الربيعي يعد الأخطر، خاصة خلال فترة الإزهار في أشجار اللوزيات، حيث يؤدي إلى تلف الأزهار وخسارة جزء كبير من الموسم.
المحاصيل الأكثر تأثراً
يوضح التناري أن أكثر المحاصيل تأثراً بموجات الصقيع هي الخضار الورقية، مثل الخس والسبانخ والبقدونس، خاصة عندما تكون في طور النمو المبكر، حيث تكون الأنسجة النباتية هشة وغير قادرة على مقاومة تدني درجات الحرارة.
كما تتأثر الأشجار الحمضية، كأشجار البرتقال والليمون، بالصقيع، إذ تتركز زراعتها عادة في المناطق الساحلية ذات المناخ المعتدل، ما يجعلها أقل تحملاً لموجات البرد الشديد في حال تعرضها لظروف مناخية خارج نطاقها المعتاد، وفق ما يقوله التناري.
ويؤكد أن المناطق الجبلية والهضاب والوديان والمناطق الداخلية تكون أكثر عرضة لموجات الصقيع، في حين تتمتع المناطق الساحلية بطقس أكثر اعتدالاً وأقل تأثراً بهذه الظاهرة.
الحد من الأضرار
يكمن الخطر الأساسي للصقيع في تجمّد الماء داخل الخلايا النباتية، حيث يتحول إلى بلورات ثلجية حادّة تمزّق جدران الخلايا وتؤدي إلى تلف الأنسجة، وتظهر آثار ذلك على شكل بقع داكنة على الأوراق والبراعم، يعقبها ذبول وموت القمم النامية، خاصة في الشتلات الصغيرة والأشجار في مراحلها الحساسة.
وفي مواجهة هذه الظاهرة، يعتمد المزارعون على مجموعة من الإجراءات للحد من الأضرار، تشمل تغطية المحاصيل، واختيار أصناف مقاومة للصقيع، وتأخير مواعيد الزراعة عند الضرورة، إضافة إلى تشغيل الري بالرش أو استخدام وسائل تدفئة بدائية ومراوح في بعض الحالات، خاصة خلال الصقيع الربيعي.
كما توجّه وزارة الزراعة المزارعين إلى اتخاذ إجراءات من شأنها التخفيف من آثار موجات الصقيع، التي تصدر بشأنها تحذيرات مسبقة من الأرصاد الجوية وإدارات الكوارث قبل وقوعها.
وتشمل هذه الإجراءات إزالة الأعشاب من البساتين المزروعة بالأشجار المثمرة، ورش مواد تعزّز مقاومة النباتات للصقيع، مثل الفوسفِت أو سماد سلفات البوتاسيوم والأحماض الأمينية، إضافة إلى تحصين البيوت المحمية بشكل مناسب.
وتشدّد الوزارة على أهمية الالتزام بمواعيد الزراعة المناسبة لكل محصول، وتقليل عدد الريّات قدر الإمكان، ومراقبة درجات الحرارة بشكل مستمر، مع تأخير تقليم الأشجار في المناطق المعرّضة للصقيع إلى فصل الربيع.
وتنوه إلى ضرورة الامتناع عن رش المحاصيل والأشجار بالمبيدات قبل فترة الصقيع، إضافة إلى لف جذوع الأشجار المزروعة حديثاً بالخيش للحد من الأضرار المحتملة، والاهتمام بتسميد الفوسفور والبوتاسيوم والعناصر الصغرى، إلى جانب تغطية سطح التربة تحت مسقط الأشجار بالقش أو النشارة، عند توفرها، لأنها تسهم في حماية الجذور وتقليل تأثير درجات الحرارة المنخفضة.
ورغم وجود إنذارات وتحذيرات مبكرة تُوجَّه إلى المزارعين قبل موجات الصقيع، يبقى التحدي الحقيقي في سرعة الاستجابة، غير أن فعالية هذه الإجراءات تبقى محدودة ومرتبطة بشدة الصقيع ومدته، فضلاً عن الإمكانات المادية المتاحة لدى المزارعين، التي تشكل عائقاً حقيقياً في كثير من المناطق.
تحديات مستمرة
في بعض المناطق الزراعية، لا يأتي الصقيع وحده، إذ تتداخل آثاره مع أضرار سابقة ناجمة عن غرق الأراضي بالمياه نتيجة الهطولات الغزيرة، ما يضعف جذور النباتات ويجعلها أقل قدرة على تحمّل التجمّد، ويؤدي إلى خسائر مضاعفة، خاصة في محاصيل القمح والبقوليات.
ومع استمرار احتمالات الصقيع حتى نهاية آذار/ مارس، يبدو أن الصقيع لم يعد طقساً عابراً، بل عامل ضغط دائم على القطاع الزراعي يفرض إعادة التفكير في أدوات الحماية والدعم، إذا ما أريد لهذا القطاع أن يصمد في مواجهة مناخ يزداد تقلباً عاماً بعد عام.
ولا يقتصر أثر الخسائر على المزارعين فحسب، بل يمتد ليطال الأمن الغذائي في بلد يعاني أصلاً من تحديات اقتصادية متزايدة، مما يجعل مواجهة هذه الظاهرة المناخية تحدياً يتطلب إجراءات عاجلة ومتكاملة.










