لم يعد التفكير بالمستقبل رفاهية متاحة لشريحة واسعة من الشباب، بل تحوّل إلى عبء يومي مثقل بالأسئلة والخيبات، تدور النقاشات في المقاهي الشعبية، وعلى أطراف الحقول، وداخل ورش العمل عن البطالة وتدنّي الأجور، والبحث عن طرق هجرة غير نظامية (التهريب)، رغم ما تحمله من مخاطر متزايدة، وكلفة تفوق قدرة معظم العائلات.
جيل كبر قبل آوانه
معظم الشباب الذين يناقشون اليوم فكرة التهريب هم في العشرينات أو أوائل الثلاثينات من العمر. لم يعرفوا سوريا قبل عام 2011، ولم يعيشوا سوى سنوات الثورة والحرب والحصار، سواء في مناطق كانت تحت سيطرة النظام، أو في مناطق شهدت اشتباكات وقصفاً وتبدّلاً مستمراً في الواقع الأمني والمعيشي.
هذا الجيل، كما يصفه أحد الشبان، “كبر قبل أوانه”، وحُرم من فرص التعليم المستقر والعمل الطبيعي، ليجد نفسه اليوم أمام واقع اقتصادي لا يمنحه سوى خيارات محدودة.
يقول سامر (27 عاما) من ريف دمشق، وهو يعمل في ورشة خياطة: “نحن جيل لم يعرف الاستقرار يوما. عشنا أزمات متتالية. واليوم نعمل فقط كي نأكل لا أكثر”.
ويشير سامر لـ”963+” إلى أن العمل المتوفر لا يمنحه شعوراً بالأمان، فالأجر لا يكفي لتغطية الإيجار، ولا يسمح حتى بالتفكير بتأسيس عائلة أو بناء مستقبل.
وهذا الإحساس بالعجز، كما يقول، هو ما يدفع كثيراً من أصدقائه إلى التفكير بالهجرة، حتى لو كانت عبر طرق غير نظامية.
اقرأ أيضاً: أين ذهبت الليرة الجديدة؟ المواطن بين أكوام الليرات القديمة وندرة الجديدة – 963+
أجور متدنية
في المدن والأرياف على حد سواء، يعمل معظم الشباب في أعمال يومية أو مؤقتة. كمهن الزراعة، وورشات البناء، وفي المحال التجارية الصغيرة،و كلها وظائف لا تضمن دخلاً ثابتاً، وتخضع لتقلبات الموسم والسوق. ومع الارتفاع المستمر في الأسعار، باتت الأجور عاجزة عن ملاحقة تكاليف الحياة.
يقول خالد (30 عاما) وهو من سكان ريف إدلب لـ”963+”: “ليس لدي دخل ثابت وما أجنيه بالكاد يكفي للطعام. فلا يمكنني الادخار، ولا حتى التخطيط لشيء”.
هذا الواقع لا يختلف كثيراً في المدن الكبرى ففي العاصمة دمشق يعمل محمد (28 عاما) في متجر صغير، يوضح أن راتبه الشهري لا يغطي سوى جزء من إيجار منزله.
ويقول لـ “963+” :”كل شيء غالٍ السكن، النقل، والطعام، والراتب لا يتغير، لكن الأسعار ترتفع باستمرار”.
الهجرة مجدداً
ليس كل من يفكر بالهجرة اليوم لم يسبق له أن غادر سوريا من قبل. فمن جرّب الاغتراب، وعاد بدافع الحنين أو الرغبة في الاستقرار العائلي، اصطدم بواقع اقتصادي أصعب مما توقع.
أيهم (34 عاما) من دمشق، عاد من مصر قبل عدة أشهر بعد أن عمل هناك في مجال المطاعم يقول “تركت عملي وعدت لأنني اشتقت لأهلي، واعتقدت أن الوضع تحسّن قليلًا”.
ويضيف أيهم لـ “963+”: “العودة لم تكن سهلة ولم أتوقع أن تكون الإيجارات مرتفعة جدا، والرواتب لا تكفي. شعرت أنني بدأت من الصفر”.
ورغم المبلغ الذي أنفقه سابقاً ليغترب، يجد نفسه اليوم يفكر مجددا بالمغادرة “بعد أن رأيت أهلي واطمأننت عليهم، عدت لأفكر بالرحيل مرة أخرى. العاطفة وحدها لا تكفي للعيش” قال أيهم.
اقرأ أيضاً: رسوم جديدة على السوريين في تركيا: بين ضغوط اقتصادية وتراجع الدعم الأوروبي – 963+
لماذا التهريب؟
في ظل هذه الفجوة الواضحة بين الدخل وتكاليف المعيشة، أصبح التفكير بالهجرة محاولة للنجاة أكثر منه بحثا عن الرفاهية.
ويرى كثير من الشباب أن التهريب، رغم كلفته المرتفعة، يبقى أقل تعقيداً من محاولة السفر النظامي. فالحصول على تأشيرة يتطلب أوراقاً وضمانات مالية لا يملكها معظمهم، إضافة إلى رسوم مرتفعة واحتمال الرفض بعد انتظار طويل.
طرق التهريب صعبة
خلال السنوات الأخيرة، ازدادت صعوبة طرق التهريب بشكل ملحوظ. وشهدت الحدود التركية تشديداً غير مسبوق، مع وجود جدار فاصل ومراقبة مكثفة، ما جعل محاولات العبور أكثر خطورة، وأدى إلى تراجع هذا المسار بالنسبة لكثيرين.
في المقابل، تبقى الحدود اللبنانية خياراً مطروحاً، لكنه لا يخلو من المخاطر، سواء من حيث الاعتقال أو الإعادة، أو الابتزاز من قبل سماسرة الطريق.
ولا توجد إحصاءات دقيقة توثق عدد السوريين الذين فقدوا حياتهم خلال محاولات التهريب، غير أن الأرقام العالمية للهجرة غير النظامية تعكس حجم الخطر.
وخلال السنوات الأخيرة، سُجلت آلاف حالات الوفاة بين المهاجرين على طرق الهجرة المختلفة، سواء عبر البحر أو البر، في أرقام تشير إلى أن هذه الطرق لا تزال من بين الأكثر خطورة في العالم.
ووفق تقرير تابع للمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، تم توثيق وفاة أو اختفاء أكثر من 63,000 شخص على طرق الهجرة غير النظامية حول العالم (معظمهم بسبب الغرق في البحر الأبيض المتوسط) خلال الفترة 2014–2023، من بينهم 1270 سوريا تم توثيقهم باعتبارهم من بين القتلى والمفقودين في هذه الرحلات.
التهريب خلال 14 عاما
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، وخلال سنوات حكم نظام بشار الأسد المخلوع، تحوّلت الهجرة غير النظامية إلى مسار واسع اتّبعه ملايين السوريين، هرباً من القتال أولاً، ثم من الانهيار الاقتصادي وفقدان سبل العيش لاحقاً.
وخلال هذه السنوات، لم تكن طرق التهريب مجرّد خيار فردي، بل ظاهرة ارتبطت بتفكك سوق العمل، وتراجع الأجور، وغياب أي أفق اقتصادي واضح، خاصة لدى فئة الشباب.
ومع سقوط النظام أواخر عام 2024 الذي شكّل لحظة مفصلية في تاريخ البلاد، إلا أن هذا التحول السياسي لم ينعكس مباشرة على الواقع المعيشي.
في المقابل، شهدت سوريا حركة عودة كبيرة للاجئين السوريين من الدول المجاورة منذ سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024 وفق تقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد نحو 860 ألف سوري إلى البلاد حتى بداية أيلول 2025، عبر الحدود الرسمية من لبنان وتركيا والأردن والعراق ومصر.
وتشير بعض التقديرات إلى أن الرقم قد يكون أعلى إذا احتُسب العائدون غير المسجلين رسميا، ليصل إلى أكثر من مليون شخص بحلول نهاية العام.
ورغم هذه العودة الملحوظة، يواجه العائدون تحديات كبيرة على صعيد الإيجار والأجور البسيطة والقدرة على تأمين المعيشة الأساسية، ما يجعل بعضهم يفكر مجددا في الهجرة أو البحث عن طرق بديلة لتحسين ظروفه.
هذه الأرقام تعكس تعقيد المشهد السوري بعد سقوط النظام، حيث تتقاطع حركة العودة مع استمرار ضيق الفرص الاقتصادية، مما يجعل السؤال عن الاستقرار في الوطن مسألة صعبة ومستمرة.










