بعد سنوات من الجفاف وتراجع الموارد المائية، شهدت أنهار دمشق وريفها في الأيام الماضية عودة محدودة للجريان بفعل الهطولات المطرية وتساقط بعض الثلوج، في مشهد أعاد الأمل لسكان العاصمة وريفها، ولا سيما المزارعين الذين يعتمدون على الأنهار في ري أراضيهم وتغذية الآبار. هذا التحسّن، الذي شمل نهرَي الأعوج وبردى ورافقه ارتفاع نسبي في منسوب بعض المجاري المائية الأخرى، فتح باب التساؤلات حول طبيعته وحدوده: هل يشكّل بداية تعافٍ حقيقي في الواقع المائي، أم أنه مجرد انفراجة مؤقتة بعد سنوات طويلة من الاستنزاف والجفاف؟
فرح مشوب بالحذر
في القرى الممتدة على طول مجرى نهر الأعوج، من سعسع وعرنة وصولاً إلى زاكية ومعضمية الشام وداريا، استقبل الأهالي عودة المياه بكثير من الفرح. وينبع نهر الأعوج من السفوح الشرقية لجبل الشيخ قرب قرية عرنة، لينتهي في سبخة الهيجانة، ويتفرع على امتداد مساره إلى 11 قناة ري، تغذي نحو 745 هكتاراً من الأراضي الزراعية. غير أن هذه الفرحة بقيت مشوبة بالحذر، بعد سنوات طويلة من الجفاف تركت آثارها الواضحة على الأراضي الزراعية والآبار والينابيع، وجعلت السكان أكثر تحفظاً في قراءة أي تحسّن طارئ.
يقول محمد الخالد، من سكان بلدة زاكية بريف دمشق، لـ”963+” إن مياه نهر الأعوج “لم تصل بشكل جيد بعد إلى المنطقة”، موضحاً أن جريان النهر يبقى مرتبطاً بشكل أساسي بهطول الأمطار وذوبان الثلوج وغزارة الينابيع القادمة من جبال الحرمون (جبل الشيخ). ويضيف أن الأهالي يدركون أن استمرار الجريان مرهون بالعوامل المناخية أكثر من كونه نتيجة تحسّن مستدام في إدارة الموارد.
ورغم محدودية الجريان حتى الآن، يشير الخالد إلى أن عودة المياه تسهم بشكل مباشر في تغذية آبار المنطقة، ما ينعكس إيجاباً على الفلاحين، ويساعدهم على ري محاصيلهم وتخفيف أعباء الزراعة، خاصة في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وكلفة الضخ من الأعماق الكبيرة. كما يلفت إلى أن أهمية نهر الأعوج لا تقتصر على مجراه الرئيسي، “إذ يتفرع عنه نهر الزوكاني ونهر الديرخباني، ما يوسّع دائرة الاستفادة المائية ويعزّز فرص تغذية المياه الجوفية في أكثر من منطقة ضمن ريف دمشق الجنوبي والغربي”
تحسّن مطري.. لكن هل يكفي؟
يوضح الدكتور صالح إسماعيل القادري، الأستاذ في كلية الزراعة بجامعة دمشق، أن حوض الأعوج يُعد الرافد الأساسي للنهر، ويشكّل الشريان الأهم في تغذية المياه الجوفية في المنطقة. ويؤكد لـ”963+” أن مرور مياه النهر في المناطق التي يعبرها يعكس تحسّناً واضحاً على الواقع المائي، سواء على مستوى الآبار أو رطوبة التربة.
ويشير القادري إلى أن الفلاحين يعتمدون حالياً بشكل كبير على جريان الأنهار في الزراعات البعلية، موضحاً أن دور الأنهار لا يقتصر على توفير مياه ري مباشرة، بل يمتد إلى تعزيز تغذية الخزان الجوفي، وهو ما ظهر مؤخراً من خلال ملاحظات عدد من المزارعين حول تحسّن منسوب المياه في آبارهم.
ويصف القادري تحسّن الهطولات المطرية خلال الفترة الحالية بأنه “ممتاز” مقارنة بالسنوات الماضية، معرباً عن أمله باستمرار هذه الظروف الإيجابية لصالح المزارعين. لكنه يحذّر في الوقت نفسه من المبالغة في التفاؤل، معتبراً أن الاعتماد على المواسم المطرية وحدها لا يكفي لمعالجة أزمة المياه المزمنة في المنطقة. كما يبيّن أن جزءاً من التحسّن الذي لمسه الفلاحون من خلال زيادة كميات المياه المضخوخة من الآبار، وهو مؤشر إيجابي على المدى القصير، لكنه لا يضمن استدامة المورد في ظل الاستنزاف المستمر للمياه الجوفية. وفي محاولة لتعظيم الاستفادة من الجريان الحالي، دعا إلى اتخاذ قرار بتنظيم مرور مياه نهر الأعوج لمدة خمسة عشر يوماً، عبر إغلاق الروافد بالكامل والإبقاء على مجرى الأعوج فقط، بما يسهم في إبقاء المياه أطول فترة ممكنة داخل الحوض وتعزيز عملية تغذية الخزان الجوفي، بدلاً من تشتت الجريان في عدة مسارات قصيرة الأمد.
ويعكس هذا الطرح حاجة ملحّة إلى تدخل إداري منظم، يتجاوز ردود الفعل الآنية، ويهدف إلى إدارة المورد المائي وفق رؤية علمية تراعي هشاشة النظام الهيدرولوجي في المنطقة.
تحسّن محدود
أما في دمشق، فرغم انتشار مشاهد ارتفاع منسوب المياه في نهر بردى عبر مقاطع انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أظهرت المعطيات أن تأثير الهطولات بقي محدوداً، نتيجة استنزاف الحوض المائي غير المتجدد، وتراجع قدرة الينابيع على التعافي. ويرى مختصون أن الاستفادة من الجريان الحالي، سواء في بردى أو الأعوج، تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تبدأ بتعزيل مجاري الأنهار وتنظيفها من المخلفات لمنع الفيضانات وحماية الأراضي الزراعية، ولا تنتهي عند تنظيم الجريان وضبط الروافد. كما تبرز ضرورة تأهيل قنوات الري التقليدية التي تعاني من تسرب كبير، والتوسع في استخدام تقنيات الري الحديث للحد من الهدر وتحقيق توازن بين الاحتياجات الزراعية والموارد المتاحة.
في هذا السياق، لم تخضع مجاري الأنهار، بما فيها الأعوج وبردى، لعمليات تعزيل وتنظيف كاملة، إذ تحوّلت في عدد من البلدات إلى مكبّات للنفايات، في ظل ضعف الإمكانات الإدارية لترحيل القمامة؛ ما أعاق الانسيابية الطبيعية للمياه وتسبّب بفيضانات محدودة على الأراضي المحاذية.
وعلى صعيد الينابيع التي تغذي دمشق وريفها بمياه الشرب فإنه لم يطرأ عليه تغير ملحوظ فالأمر يتطلب معدلات أمطار أكبر وعلى مدة طويلة لتكون كفيلة بتعويض النقص جراء مواسم الجفاف التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية. وكان المدير العام لمؤسسة المياه والصرف الصحي في دمشق وريفها، أحمد درويش، قد أوضح أن كميات المياه الواردة من نبع عين الفيجة ما تزال عند أدنى مستوياتها منذ عقود، رغم الهطولات المطرية وتساقط بعض الثلوج خلال الفترة الأخيرة. وأعرب درويش في منشور عبر صفحته في “فيسبوك” عن أمله بزيادة الغيث خلال المرحلة المقبلة، بما يُسهم في ارتفاع غزارة النبع ويسمح بتعديل دور تزويد المياه.
المشهد المائي في سوريا
لا يمكن فصل واقع جريان الأنهار عن المشهد المائي العام في سوريا. وبحسب تقرير فريق تحليل أزمة سوريا التابع لمنظمة “ميرسي كوربس”، الصادر في آب 2025، فإن البلاد تمر بواحدة من أشد أزمات الجفاف منذ عقود، نتيجة تفكك واسع في الدورة الهيدرولوجية. ويشير التقرير إلى أن معدل هطول الأمطار انخفض بنحو 28% على مستوى البلاد، مع تسجيل تراجعات تجاوزت 30% في محافظات جنوبية وشمالية، بينها درعا وإدلب وحلب. ولم يقتصر هذا الانخفاض على المياه السطحية فقط، ولكنه أثر بشكل أخطر على المياه الجوفية التي تشكّل العمود الفقري للأمن المائي.
وفقاً للتقرير، انخفض التدفق الأساسي للمياه الجوفية التي تغذي الأنهار والينابيع بنسبة وصلت إلى 80% على مستوى سوريا، وتجاوزت 90% في بعض المناطق، نتيجة الحفر العشوائي للآبار، وضعف الرقابة، وتراجع كفاءة إدارة الموارد. وحذّر التقرير من أن هذا الواقع يجعل أي تحسّن مرتبط بالأمطار مؤقتاً بطبيعته، وقابلاً للانتكاس مع أول موسم جفاف جديد. ويبقى الأمل قائماً مع إحصائيات الأرصاد الجوية المحلية الحالية التي تشير لتحسن ملحوظ في معدل الهطولات والتي سجلت في بعضها زيادة للضعفين مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.










