ليس كل خطأ يمكن تجاوزه أو التصالح معه، خاصةً إذا كان الخطأ مرتبطاً بالحياة أو يترك ضرراً جسدياً لا يمكن إصلاحه. هنا يصبح الأمر جريمة لا مجرد هفوة، ويغدو من غير المقبول التساهل مع مرتكبيها. بهذه الكلمات عبّر منهل المهنا عن استيائه من الإهمال الطبي الذي أودى بحياة زوجته رهف (30 عاماً)، التي دخلت إحدى المشافي العامة في مدينة اللاذقية لإجراء عملية الزائدة الدودية، لكنها خرجت من غرفة العمليات محمولة على النعش.
الكثير من النساء في سوريا وقعن ضحايا للأخطاء الطبية المتكررة في المستشفيات والمراكز الصحية، نتيجة الإهمال أو ضعف الخبرة أو سوء التعامل مع التجهيزات الطبية، فضلاً عن غياب الرقابة والمحاسبة. فمن لم تفقد حياتها تحت القصف والحرب، تخسرها ببساطة في أروقة المستشفيات.
أما جيلان عبد الرحمن، البالغة من العمر 35 عاماً من مدينة قامشلي شرقي سوريا، فلها حكاية مؤلمة مع الأطباء. تقول لـ”963+”: دخلتُ غرفة العمليات لإجراء عملية قيصرية، كنتُ أظن أنني سأخرج حاملة طفلي بين يديّ، لكنني خرجتُ محملة بوجع لا ينتهي. بعد عدة أيام من العملية، بدأتُ أشعر بآلام غريبة في بطني، حرارة مرتفعة، وانتفاخ غير طبيعي. ظننتُ في البداية أن الأمر طبيعي بعد الجراحة، لكن الألم كان يزداد يوماً بعد يوم حتى لم أعد قادرة على الحركة.
وتضيف: عائلتي اضطرت لإعادتي إلى المستشفى، وهناك اكتشف الأطباء بعد فحوصات طويلة أن قطعة من الشاش الطبي قد نُسيت داخل بطني أثناء العملية. ذلك الخطأ البسيط في نظرهم كان كفيلاً بأن يهدد حياتي بالكامل. أجريتُ عملية ثانية لاستخراج الشاش، لكن آثار الإهمال لم تتوقف عند هذا الحد؛ فقد أصبتُ بالتهابات حادة استمرت لشهور، وتركت ندوباً جسدية ونفسية لا تمحى.
جيلان تروي قصتها اليوم بمرارة، وتقول إنها لم تعد تثق بسهولة في أي طبيب أو مستشفى، وأنها تعتبر نفسها ناجية من موتٍ محقق. بالنسبة لها، لم يكن الخطأ مجرد حادث عرضي، بل جريمة إهمال كادت أن تحرم طفليها من أمهم، وتضيف: “أخطر ما في هذه الأخطاء أنها تُرتكب بصمت، بلا محاسبة، وكأن حياة الناس لا قيمة لها”.
في مدينة حلب، كانت سمر العلي، البالغة من العمر 28 عاماً، تعاني من صداع شديد متكرر مع دوار وفقدان توازن. قصدت المستشفى أكثر من مرة، لكن الطبيب كان يصرّ على أن الأمر مجرد إرهاق نفسي أو “شقيقة” عادية، فوصف لها مسكنات وأدوية مهدئة.
مرت أسابيع، والأعراض تزداد سوءاً، حتى بدأت سمر تفقد القدرة على الرؤية بوضوح. عندها فقط قررت عائلتها نقلها إلى طبيب آخر خارج مدينتها. وبعد إجراء صورة طبقية للرأس، كانت المفاجأة: سمر تعاني من ورم دماغي صغير كان يمكن السيطرة عليه لو تم اكتشافه مبكراً، لكن التأخر في التشخيص جعل حالتها أكثر تعقيداً. خلت سمر رحلة علاج طويلة بين العمليات والعلاج الإشعاعي، وهي تقول لـ”963+”: “لم يكن المرض هو ما كاد يقتلني، بل التشخيص الخاطئ الذي جعلني أعيش شهوراً من الألم بلا جدوى. حياتي تغيّرت، لكنني أحكي قصتي لأقول إن الاستهانة بأعراض المرض قد تكون قاتلة”.
أسباب الأخطاء الطبية في سوريا
يرى أنس دللو، المحامي السوري والمدير التنفيذي لمنظمة “عائلات من أجل الحقيقة والعدالة”، أن الأخطاء الطبية في سوريا لم تعد حوادث فردية معزولة، بل تُشكّل انعكاساً مباشراً لخلل عميق في المنظومة الصحية، تفاقم خلال سنوات النزاع، وترك أثراً مضاعفاً على النساء بشكل خاص، ولا سيما في مجالات حساسة كالحمل والولادة وعمليات التجميل.
ويوضح دللو لـ”963+” أن الطب، وإن كان علماً احتمالياً وليس التزاماً بالشفاء، إلا أن الإهمال أو سوء التشخيص أو مخالفة الأصول الطبية المعترف بها قد يؤدي إلى الوفاة أو التشوه الدائم أو العجز الجسدي، ما يضع هذه الممارسات ضمن إطار الخطأ الطبي الذي يستوجب المساءلة القانونية.
ويعرّف الخطأ الطبي بأنه انحراف الطبيب عن السلوك الطبي المألوف وما تفرضه المهنة من يقظة وحذر، إلى درجة يهمل فيها المريض ويُلحق به ضرراً.
وحول أسباب تفشي الأخطاء الطبية، يشير دللو إلى أنها تعود إلى عوامل متداخلة، أبرزها تدهور البنية التحتية الصحية، نقص التجهيزات، هجرة الكوادر الطبية المؤهلة، ضغط العمل والاكتظاظ، وضعف التدريب المستمر. ويضيف أن من أخطر العوامل دخول أشخاص غير مختصين إلى اختصاصات طبية دقيقة كالجراحة والتخدير والتجميل والتوليد، في ظل ضعف الرقابة وغياب المحاسبة الفعالة.
حقوق المرأة ثابتة
وفيما يتعلق بحقوق المرأة، يؤكد دللو أن المرأة التي تتعرض لإهمال طبي في سوريا تملك حقوقاً ثابتة لا تنتقص منها الحصانة الإجرائية الممنوحة للطبيب.
وتشمل هذه الحقوق الحق في رعاية طبية آمنة قائمة على الأصول العلمية، واحترام الكرامة والخصوصية، والحصول على معلومات واضحة وكاملة حول حالتها الصحية والإجراءات والمخاطر المحتملة، وعدم إخضاعها لأي تدخل طبي دون موافقتها الواعية، إلا في حالات الضرورة القصوى.
بين الحصانة الإجرائية وحق الضحايا في العدالة
يبيّن دللو أن القوانين السورية، رغم منحها الطبيب حماية إجرائية تمنع توقيفه أو ملاحقته مباشرة قبل الاستعانة بخبرة طبية اختصاصية، لا تلغي حق المرأة في تقديم شكوى رسمية وطلب تحقيق طبي مستقل لتحديد وجود الخطأ من عدمه. وعند ثبوت الإهمال أو التقصير، يحق لها مساءلة الطبيب والمنشأة الطبية والمطالبة بالتعويض عن الأضرار الجسدية أو النفسية أو المادية التي لحقت بها.
ويشدد على أن القضايا المرتبطة بالحمل والولادة وعمليات التجميل تكتسب حساسية خاصة، لأن الإهمال أو تدخل غير المختص قد يؤدي إلى نتائج جسيمة تمس جسد المرأة ونفسها ومكانتها الاجتماعية، ويُعدّ ذلك انتهاكاً مباشراً لحقها في الصحة والسلامة الجسدية، ولا يجوز تبريره باعتباره قدراً أو مضاعفات طبيعية.
وعلى الصعيد النفسي والاجتماعي، يوضح دللو أن آثار الإهمال الطبي لا تقتصر على الضرر الجسدي، بل تمتد لتشمل الاكتئاب، القلق، اضطراب ما بعد الصدمة، فقدان الثقة بالجسد وبالقطاع الصحي، والعزلة الاجتماعية، وقد تصل إلى توتر العلاقات الأسرية وتحميل المرأة مسؤولية ما جرى، إضافة إلى أعباء اقتصادية ناتجة عن العلاج أو العجز.
أما من الناحية القانونية، فيشرح دللو أن الأعمال الطبية تُعدّ مجازة بموجب المادة 185 من قانون العقوبات السوري، شريطة أن تُمارَس وفق أصول المهنة ومن قبل شخص مختص ومجاز، وبموافقة المريض أو في حالات الضرورة. وأي مخالفة لهذه الشروط تُخرج الفعل من نطاق الإباحة وتضعه ضمن إطار المسؤولية القانونية.
ويبيّن أن المسؤولية الناشئة عن الخطأ الطبي تنقسم إلى مسؤولية مدنية تقوم على التعويض وفق المادة 164 من القانون المدني، ومسؤولية جزائية تُثار متى توافرت أركان الجريمة، ويُحدَّد وصفها وعقوبتها تبعًا لجسامة الضرر، وصولاً إلى جريمة التسبب بالوفاة غير المقصودة المنصوص عليها في المادة 550 من قانون العقوبات.
ويؤكد دللو أن الحصانة الإجرائية الممنوحة للطبيب لا تعني الإعفاء من المسؤولية الجزائية، بل تنظّم الإجراءات وتوقيتها فقط، وأن المساءلة تبقى قائمة متى ثبت الإهمال أو مخالفة أصول المهنة أو ممارسة الطب دون ترخيص أو اختصاص.
ويختم دللو بالتأكيد على أن الإهمال الطبي بحق النساء في سوريا يُشكّل انتهاكاً مزدوجاً جسدياً ونفسياً واجتماعياً، وأن معالجته تتطلب ضبط الممارسة الطبية، ومنع غير المختصين، وتفعيل المساءلة القانونية، وتأمين الدعم اللازم.










