لم يعد الخبز في سوريا مجرد مادة غذائية، بل مؤشراً مكثفاً على عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية منذ 2011، مع تراجع قدرة الحكومة على تأمين القمح وتآكل منظومة الدعم، مقابل اعتماد واسع على تدخلات منظمة الأغذية العالمية (WFP). وعلى مدى عقد، لعبت المنظمة دوراً محورياً عبر دعم المخابز وتقديم مساعدات غذائية لملايين السوريين، قبل أن يتراجع هذا الدور تدريجياً بسبب انخفاض التمويل الدولي وتغير أولويات المانحين، ما انعكس تقليصاً لكميات الطحين المدعوم وتضييقاً لنطاق المستفيدين. هذا التراجع زاد الضغط على الحكومة السورية، التي تواجه أصلاً صعوبات حادة في تأمين القمح والاستيراد في ظل شح الموارد والعقوبات، ليصبح الخبز اليوم سؤالاً يومياً عن الأمن الغذائي ومعيشة المواطنين.
الحاجة السنوية 2.5 مليون طن
يقول المدير العام للمؤسسة السورية للحبوب، المهندس حسن العثمان، في حديثه لـ”963+” إن حاجة سوريا السنوية من القمح تقدر بنحو 2.5 مليون طن، في حين لم تتجاوز الكميات المستلمة من المزارعين المحليين خلال الموسم الحالي 375 ألف طن فقط، ما يعني أن نسبة الاكتفاء الذاتي لا تتجاوز 15% من الحاجة الفعلية للسكان.
ويضيف: تواجه سوريا عجزاً في القمح يقدّر بنحو 70% نتيجة تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع تكاليف الزراعة، ما يدفع الحكومة إلى تغطيته عبر الاستيراد، إذ وُقّعت عقود لجلب نحو 1.375 مليون طن جرى توريد جزء منها تباعاً.
وفي هذا السياق، يقتصر دعم برنامج الأغذية العالمي حالياً على أربع محافظات وبكمية تقارب 20 ألف طن من الطحين لفترة مؤقتة لا تتجاوز شهرين، ويُنفذ حصراً عبر الحكومة.
وتوزَّع كميات الطحين المدعوم على الأفران وفق الحاجة الفعلية مع رقابة تموينية على الجودة والوزن، بينما يبقى الخبز مدعوماً بنحو 55% من كلفته، وتتحمل الدولة عجزاً تموينياً يقارب 45% في ظل استحالة رفع الدعم حالياً.
ويشير العثمان إلى أنه وبحسب التقييم الرسمي، تحسنت جودة الخبز بنحو 70% مقارنة بالسنوات السابقة، مع استمرار العمل على رفعها مستقبلاً.
ويعكس واقع الخبز في سوريا عمق الأزمة الاقتصادية، إذ تعمل الأفران في المدن الكبرى بطاقة الدعم مما خفّض الطوابير، بينما تعاني المناطق الريفية وانقطاع الإمدادات، ما يدفع السكان للاعتماد على أفران خاصة بأسعار مرتفعة أو بدائل أقل جودة.
تحسن نسبي
ويبرز الفرق بين الخبز المدعوم وغير المدعوم كمؤشر للتفاوت، فالمدعوم منخفض السعر لكنه أقل جودة، فيما يُباع الخبز غير المدعوم بسعر أعلى لكنه أفضل، ليصبح خياراً اضطرارياً لفئة من المواطنين.
ويرى محمد العاشور (38عاماً)، وهو موظف حكومي يقيم في مدينة دمشق، في تصريحات لـ”963+” أن توفير الخبز شهد في الأشهر الأخيرة تحسناً نسبياً بانخفاض الطوابير وسهولة الحصول على المخصصات، لكنه لم يحل المشكلة جذرياً بسبب جودة غير مستقرة للربطات، خصوصاً في الريف حيث الانقطاعات أكثر وتكون البدائل محدودة. ومع تفاوت التوزيع بين المدن الكبرى والمناطق النائية، يبقى الخبز المدعوم غير كافٍ لضمان الأمان الغذائي، ما يجعل تحسين النوعية لا يقل أهمية عن استمرارية التوفر.
وحول الفارق بين الخبز المدعوم وغير المدعوم، تقول رؤى القاسم (32عاماً) وهي ربة منزل من ريف دمشق، لـ”963+” إن السعر يبقى العامل الحاسم في خياراتها اليومية، في ظل دخل محدود لا يسمح بهوامش إنفاق إضافية، وأن الخبز المدعوم، رغم ملاحظاتها عليه، يبقى الخيار الأساسي لمعظم الأسر، لأنه الأقل كلفة والأكثر توفراً مقارنة بالبدائل.
لكن القاسم تؤكد أن هذا الخيار لا يخلو من المشكلات، نتيجة عدم استقرار جودة الخبز المدعوم. فتقول: “أحياناً لا تكفي الربطة ليوم واحد، إما بسبب نقص الوزن أو لأنها تجف بسرعة”، مشيرةً إلى أن الأسرة تضطر في بعض الأحيان لشراء كميات إضافية أو تقليل الاستهلاك، ما يضيف عبئاً يومياً على تدبير شؤون المنزل.
وتضيف أن الخبز غير المدعوم يتمتع بجودة أفضل من حيث الطراوة والنظافة وطول فترة الصلاحية، لكنها تصفه بأنه “خيار اضطراري وليس دائماً”، حيث تلجأ إليه فقط في حالات محددة، كنفاد الخبز أو عند وجود ضيوف، نظراً لارتفاع سعره مقارنة بقدرة الأسرة الشرائية.
وتشير إلى أن الفارق بين نوعي الخبز يعكس تفاوتاً واضحاً في السوق، حيث تصبح الجودة مرتبطة بالقدرة على الدفع، مما يضع شريحة واسعة من الأسر أمام معادلة صعبة بين السعر والجودة، في مادة يفترض أن تكون متاحة للجميع بمستوى مقبول.
بين الجودة والسعر
أما رائد اليونس (44عاماً)، وهو من سكان مدينة معضمية الشام بريف دمشق، فيضطر في كثير من الأحيان إلى شراء الخبز من مدينة داريا المجاورة، بسبب رداءة الخبز المنتج في مدينته.
ويوضح في حديث لـ”963+” أن الخبز المتوفر في معضمية الشام “سيئ من حيث الطراوة والوزن، ولا يصلح للاستهلاك ليوم كامل”، ما يدفعه لتحمل كلفة ومشقة التنقل بحثاً عن بديل أفضل، إذ أن هذه الرحلة ليست خياراً مريحاً، بل ضرورة فرضها واقع الجودة.
“أدفع أكثر، وأتحمل أجور المواصلات، لكن الخبز من داريا أنظف وأفضل”، يقول رائد في إشارة منه إلى الفارق في الجودة بين منطقتين متجاورتين، ما يطرح تساؤلات حول آليات الرقابة وتوحيد معايير الإنتاج.
ويضيف أن اعتماده على الخبز غير المدعوم أو القادم من خارج مدينته أصبح جزءً من الروتين اليومي، رغم تأثيره المباشر على ميزانية الأسرة، غير أن المشكلة لا تكمن فقط في توفر الخبز، بل في جودته، فـ “توفر مادة أساسية بجودة متدنية لا يحقق الغاية من الدعم”، كما يجب أن تخضع مادة الخبز لمعايير موحدة بغض النظر عن المنطقة، مؤكداً أن استمرار التفاوت في الجودة بين المدن يعكس خللاً في منظومة الإنتاج والرقابة، تتحمل نتائجه الأسر ذات الدخل المحدود قبل غيرها.
وتتباين أسعار الخبز في سوريا بشكل واضح، إذ تباع الربطة المدعومة بوزن 1200 غرام (10 أرغفة) بـ 2500 ليرة سورية، أما الخبز غير المدعوم فيصل سعره إلى 5000 ليرة، في حين يباع الخبز السياحي في الأفران الخاصة بنحو 10 آلاف ليرة الربطة الواحدة، ما يعكس فجوة كبيرة بين القدرة الشرائية وجودة الخبز المتوفر.
أصحاب أفران خاصة يقولون إنهم يعملون في بيئة شديدة التقلب، حيث ترتفع أسعار الطحين والمحروقات بشكل مستمر، بينما يتوقع منهم الحفاظ على سعر مقبول للمستهلك، ويؤكد بعضهم أن هامش الربح ضئيل، وأن أي ارتفاع إضافي في التكاليف قد يدفعهم إلى الإغلاق.
يقول فراس عبد الباقي (45عاماً)، صاحب فرن خاص في ريف دمشق، لـ”963+” إن العمل في قطاع صناعة الخبز بات “مغامرة يومية” في ظل تقلب التكاليف وغياب الاستقرار السعري.
ويشهد الطحين والمحروقات ارتفاعاً مستمراً، ما يضغط على أرباح الأفران التي تواجه تكاليف مرتفعة تشمل العمال والكهرباء والصيانة، بينما يُطلب منها الحفاظ على أسعار منخفضة للمواطن. أصحاب الأفران الخاصة مضطرون بين رفع السعر وخسارة الزبائن أو الالتزام بسعر منخفض على حساب الجودة والربحية، ما قد يؤدي إلى إغلاق بعض الأفران وتهديد توفر الخبز وتنوعه في المناطق المعتمدة عليها.










