بعد سنوات من ربط الساحل السوري بمعادلة معقدة بين السلمية والعسكرة وتنميطه بصورة ساهمت في ترسيخها سياسة النظام المخلوع، عادت مدن اللاذقية وطرطوس لتشهد احتجاجات سلمية تحمل مطالب سياسية وحقوقية واضحة، أبرزها اللامركزية وإطلاق سراح المعتقلين.
هذه التظاهرات لا تعكس مجرد حراك مطلبي، بل تمثل محاولة لإعادة تعريف هوية الساحل السياسية، وكسر الصورة النمطية التي لازمته طويلاً، مع وعي متراكم بكلفة العسكرة وتجاربها السابقة.
وتضع هذه الاحتجاجات الحكومة السورية الانتقالية أمام اختبار حقيقي، يتجاوز الخطاب المعلن حول احترام حق التعبير إلى طبيعة الممارسة على الأرض، إذ أن التعامل معها سيكشف ما إذا كانت المرحلة الانتقالية تشكل قطيعة فعلية مع نهج العسكرة، أم امتداداً له بأدوات أكثر ليونة.
وبين وعود الاحتواء السياسي ومؤشرات الضبط الأمني، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متناقضة تحدد ملامح الشرعية الجديدة للسلطة، إذ أن المطالب المرفوعة، وعلى رأسها اللامركزية وملف المعتقلين، تتجاوز اللحظة الراهنة لتلامس جوهر إعادة صياغة العقد السياسي في سوريا.
وقد تفتح الاستجابة السياسية الجدية الباب أمام مسار أكثر شمولاً وعدالة، في حين أن تجاهلها أو مقاربتها أمنياً يحمل مخاطر توترات أوسع، خاصة في بيئاتٍ كانت تُعد بعيدة عن الاحتجاج، ما يجعل من حراك الساحل محطة مفصلية في مسار الانتقال السوري.
تطور بالغ الدلالة
يقول الدكتور محمد اليمني، أستاذ العلاقات الدولية في القاهرة، إن الاحتجاجات التي شهدتها مناطق الساحل السوري في الآونة الأخيرة تمثل تطوراً سياسياً واجتماعياً بالغ الدلالة، كونها خرجت من بيئة اعتُبرت طويلاً خزاناً داعماً للسلطة المركزية، ولأنها تضع الحكومة السورية الانتقالية أمام اختبار يتجاوز البعد الأمني إلى أسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة الدولة القادمة، وحدود القطيعة مع إرث النظام، وإمكانية إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأطراف على أسس سياسية وقانونية جديدة.
ويشير اليمني في حديث لـ”963+”، إلى أن هذه الاحتجاجات لا يمكن قراءتها بوصفها مطالب خدمية أو أحداثاً أمنية معزولة، بل ينبغي مقاربتها ضمن سياق أوسع يرتبط بالهوية السياسية، والعدالة الانتقالية، وإعادة بناء العقد الاجتماعي في سوريا، وأن خروج الاحتجاجات من الساحل يحمل دلالة رمزية عميقة، ويؤكد أنها أزمة بنيوية في شكل الحكم وآليات إدارة التعدد.
ويلفت إلى أن مطالب المحتجين تركزت على قضايا سياسية وحقوقية واضحة، أبرزها إطلاق سراح المعتقلين، ووقف الاعتقالات التعسفية، وإعادة النظر في مركزية القرار، وتوسيع المشاركة المحلية في إدارة الشأن العام، معتبراً أن هذه المطالب تعكس وعياً متنامياً بضرورة إعادة تعريف الدولة بوصفها كياناً خاضعاً للمساءلة، لا هدفاً للتقويض.
وفي ما يخص تعامل الحكومة الانتقالية، يقول اليمني إن ردود الفعل الرسمية ما تزال متأرجحة بين خطاب يؤكد احترام حرية التعبير، وممارسات ميدانية تعكس استمرار الذهنية الأمنية، مشيراً إلى أن هذا التناقض يعكس صعوبة الانتقال من دولة “الأمن أولاً” إلى دولة “السياسة أولاً”، ويؤكد أن هذه اللحظة تمثل اختباراً حقيقياً: إما تأسيس سابقة تحترم الاحتجاج السلمي كأداة سياسية مشروعة، أو إعادة إنتاج مقنعة لمنطق الضبط الأمني.
وحول مطالب اللامركزية وملف المعتقلين، يشير اليمني إلى أنها تمس جوهر بنية الدولة، ويمكن أن تشكل مدخلاً لإعادة صياغة العقد السياسي السوري إذا عولجت ضمن إطار وطني شامل، محذراً من أن تجاهلها أو تسويفها، في ظل تدهور اقتصادي وغياب أفق سياسي، قد يقود إلى توترات أوسع.
ويخلص اليمني إلى أن احتجاجات الساحل السوري تمثل لحظة مفصلية في المسار الانتقالي، وأن طريقة تعامل الحكومة معها ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، بين انتقال سياسي حقيقي يعيد الاعتبار للسياسة، أو عودة مقنّعة لمنطق أمني أثبت فشله تاريخياً.
ليست امتداداً للثورة
يقول مصطفى هاني إدريس، عضو مركز رؤى للدراسات والأبحاث السياسية في اللاذقية، إن مقاربة هذه الاحتجاجات بوصفها امتداداً طبيعياً لاحتجاجات سنوات حكم النظام المخلوع “قراءة غير دقيقة”، مشيراً إلى أن الفارق لا يقتصر على الشكل، بل يشمل السياق السياسي وهوية الجهات الداعية وطبيعة المطالب والتوقيت.
ويضيف في حديث لـ”963″، أن الاحتجاجات خلال الحقبة السابقة خرجت بمطالب سياسية واضحة وقوبلت بالقمع والعسكرة، ما أدى إلى انزلاق البلاد إلى حرب مدمرة، بينما يجري التعامل مع الاحتجاجات الحالية من قبل السلطة الانتقالية بدرجة عالية من الضبط والحذر.
ويشير إدريس إلى أن الحكومة السورية الانتقالية، حتى الآن، لم تلجأ إلى القمع، بل وفرت حماية أمنية للتظاهرات، ويضيف أنها تدخلت لمنع احتكاكات شعبية كان من الممكن أن تتطور إلى صدامات خطيرة، في ظل حالة غضب متراكمة لدى قطاعات واسعة من السوريين المتضررين من سنوات الحرب، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن هذا النهج “لا يمكن أن يستمر من دون أفق سياسي وقانوني واضح”.
وحول الشعارات المرفوعة، ولا سيما المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، يقول إدريس إن هذا المطلب يُستخدم – في بعض الحالات – كواجهة إنسانية، بينما تشير المعطيات، بحسب رأيه، إلى أن المقصود قد يكون إطلاق سراح أشخاص متورطين بجرائم جسيمة، ما يطرح إشكالية تتعلق بالعدالة الانتقالية وحقوق الضحايا.
كما يلفت إدريس إلى أن الدعوات إلى اللامركزية، كما تُطرح حالياً، تثير مخاوف من تحوّلها إلى مدخل لإضعاف الدولة المركزية أو خلق مناطق نفوذ خارج السيادة الوطنية، معتبراً أن المشكلة لا تكمن في مستوى الصلاحيات الإدارية بقدر ما تتعلق بالمشاريع السياسية الكامنة خلف بعض هذه الطروحات.
ويخلص إدريس إلى أن ما يجري في الساحل السوري يعكس، في أحد أبعاده، صراعاً مبكراً بين منطق الدولة الجديدة ومحاولات بقايا النظام إعادة إنتاج نفوذهم، مستشهداً بتقارير صحفية دولية تحدثت عن تحركات منسقة لشبكات أمنية وعسكرية سابقة، وأن الحكومة السورية الانتقالية تقف أمام اختبار حقيقي، يتمثل في الانتقال من سياسة الاحتواء الأمني إلى مسار واضح للعدالة الانتقالية وتطبيق القانون ونزع السلاح، محذراً من أن غياب هذا المسار قد يفتح الباب أمام توترات أوسع.










