مع ساعات الصباح الأولى، يدخل حمدو اليحيى (10أعوام) وهو طالب في الصف الرابع الابتدائي إلى صفه المدرسي في مدينة كفرنبل جنوب إدلب، بخطوات مترددة وهو يشد معطفه الرقيق حول جسده الصغير. يجلس على مقعد خشبي بارد، ويضع حقيبته تحت قدميه محاولاً الاحتماء من الأرض الإسمنتية التي تحتفظ ببرودة الليل، وأمامه نافذة مكسورة لا تغلق، وباب غائب يترك الصف مفتوحاً على الرياح، كأن المدرسة بلا جدران تحمي من الشتاء.
هذا المشهد يتكرر يومياً في عشرات المدارس في إدلب وريفها، حيث يكشف الشتاء غياب الحد الأدنى من مقومات العملية التعليمية، ويطرح أسئلة جدية حول موقع التعليم ضمن سلم الأولويات.
“لا يوجد باب يغلق”
يقول حمدو لـ”963+” إن الذهاب إلى المدرسة في الشتاء لم يعد أمراً سهلا بالنسبة له، خاصة وأن البرد يبدأ منذ لحظة دخوله الصف، حيث لا يوجد باب يغلق ولا نوافذ تمنع الهواء.
ويشرح أنه يجلس طوال الحصة وهو يحاول تدفئة يديه، وأنه أحياناً لا يستطيع الإمساك بالقلم أو الكتابة بشكل طبيعي، خاصة وأن البرد يجعله غير قادر على التركيز في شرح المعلم، وأن صوته بالكاد يسمع عندما تشتد الأمطار أو الرياح.
ويقول إنه يشعر بالتعب بسرعة، ويتمنى أن تنتهي الحصة بأسرع وقت، لا لأنه لا يحب الدراسة، بل لأنه لا يحتمل الجلوس في هذا الجو.
لم يكن حال الطالب عبد الرحمن القزيز (13عاماً) أفضل من سابقه حيث يتعرض هو الآخر للمشكلة ذاتها فيقول لصحيفتنا، إن البرد هو أكثر ما يسيطر على تفكيره خلال الحصة الدراسية، لا مضمون الدرس نفسه، إذ أن يديه تتجمدان إلى حد يمنعه أحيانا من الكتابة أو متابعة ما يطلب منه داخل الصف.
ويضيف أن محاولات المعلمين تسريع الشرح اختصارا للوقت لا تحل المشكلة، بل تزيدها تعقيداً، إذ يصبح الدرس أقرب إلى مرور سريع على العناوين، دون فهم حقيقي، في ظل صعوبة السمع والتركيز مع اشتداد الرياح داخل الصفوف.
ويشير إلى أن عدداً من زملائه تغيبوا لأسابيع كاملة خلال فصل الشتاء، بعضهم بسبب المرض، وآخرون لأن عائلاتهم فضلت إبقائهم في المنازل، مؤكداً أن الغياب بات مشهداً يومياً متكرراً.
ويوضح أن المدرسة بالنسبة له لم تعد مكانا يشعر فيه بالراحة أو الأمان، بل تحولت إلى عبئ يومي، خاصة في الأيام الماطرة، حين يصبح الصف أكثر برودة وتسوء الظروف أكثر.
ويضيف أن رغبته في التعلم لا زالت موجودة، لكنه يشعر بأنها تتراجع مع كل برد جديد، متمنياً أن تتوفر ظروف تعليمية بسيطة تسمح له ولزملائه بالدراسة دون معاناة إضافية.
تراجع التحصيل العلمي
يربط معلمون وأهالي طلاب بين غياب التدفئة وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض الشتوية، خصوصاً بين الأطفال الأصغر سناً حيث يلاحظ تراجع واضح في مستوى تحصيلهم العلمي خلال فصل الشتاء، وهو ما يؤكده خالد الحصرم (38عاماً) والد طالبين في مدرسة كفروما جنوب إدلب، فيقول لصحيفة 963+ إن أبناءه أصيبوا خلال فصل الشتاء الحالي بالزكام والتهابات صدرية أكثر من مرة، إذ أن تكرار المرض لم يكن أمراً عابراً، بل بات مرتبط مباشرة بأيام الدوام المدرسي.
ويضيف أن الطبيب الذي تابع حالة طفليه أرجع السبب إلى التعرض المستمر للبرد داخل الصفوف، في ظل غياب التدفئة ووجود نوافذ مكسورة وأبواب غير موجودة، ما يجعل الأطفال عرضة للهواء البارد لساعات طويلة يومياً.
ويشير إلى أن كل نوبة مرض كانت تعني غياباً قسرياً عن المدرسة، وتكاليف علاج إضافية لا يستطيع تحملها بسهولة، لافتاً إلى أن المرض لم يعد استثناءً بل نمطاً يتكرر مع كل موجة برد.
ويوضح أن العائلة تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مر، إما إرسال الأطفال إلى المدرسة وتعريضهم للمرض، أو بقائهم في المنزل وخسارة تعليمهم، مما يضع الأهالي تحت ضغط نفسي مستمر.
ويشير الحصرم إلى أن التعليم في هذه الظروف لم يعد حق مضمون، بل مخاطرة صحية حقيقية، محملاً الجهات المسؤولة عن التعليم في المنطقة مسؤولية ترك المدارس دون أدنى مقومات الحماية للأطفال.
وتأتي معاناة طلاب المدارس في إدلب مع البرد في سياق تعليمي هش تعيشه المنطقة منذ سنوات، نتيجة الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية، إذ أن كثيراً من المدارس العاملة اليوم هي مبانٍ متضررة أعيد استخدامها بشكل جزئي، أو منشآت مؤقتة لا تستوفي الحد الأدنى من شروط السلامة أو العزل.
وترجع إدارات مدارس أزمة برد الصفوف إلى ضعف التمويل وغياب الدعم المنتظم، معتبرة أن المشكلة ترتبط بنقص الموارد المتاحة وليس بإهمال مباشر، وهو ما يؤكده أحد الإداريين الذي فضل عدم ذكر اسمه لصحيفتنا فيقول، إن المدارس ترفع تقارير شهرية تفصل الاحتياجات، لكن الدعم المالي المتوفر لا يكفي لتغطية أساسيات التدفئة والصيانة.
ويضيف أن التدفئة غالبا لا تدرج ضمن أولويات الاحتياج، حيث يتم التركيز على تأمين الرواتب والمواد التعليمية الأساسية، ما يجعل حلول الشتاء مؤقتة أو جزئية فقط، ولا تلبي حاجة الطلاب والمعلمين بالكامل.
ويشير إلى أن الجهات الإدارية تعمل ضمن حدود الإمكانات المتاحة، وهناك محاولات لتوزيع الوقود أو استخدام وسائل تدفئة بسيطة، لكنها تبقى عاجزة أمام شدة البرد وغياب البنية التحتية الملائمة.
لم يقتصر أثر هذه المشكلة على الطلاب فحسب، بل امتد ليطال المعلمين الذين يجدون أنفسهم أمام واقع تدريسي قاس يحد من قدرتهم على أداء دورهم التربوي.
ويقول مصطفى حاج سليمان (36عاماً) وهو معلم لغة عربية في إحدى مدارس معرة النعمان، إن الصفوف المدرسية تتحول في فصل الشتاء إلى بيئة طاردة للتعليم، لا للطلاب فقط، بل للمعلمين كذلك، نتيجة البرد الشديد الذي يفرض إيقاعه على الحصة الدراسية، مما يجبرهم على اختصار الشرح، والغاء الأنشطة الصفية، والاكتفاء بالحد الأدنى من إيصال المعلومة.
ويضيف أن غياب التدفئة لا يمكن قياسها بدرجة الحرارة وحدها، بل بتأثيرها المباشر على جودة التعليم، حيث أن الطالب الذي يرتجف من البرد لا يستطيع الإصغاء أو المشاركة، كما أن المعلم نفسه يفقد القدرة على الشرح المتسلسل والمتماسك، فيتحول الدرس إلى محاولة إنجاز شكلية.
ويشير إلى أن بعض الصفوف تفتقر حتى للأبواب والنوافذ، ما يجعل وجود المدافئ، إن وجدت بلا جدوى، إذ يتسلل الهواء البارد من كل الجهات، وأحيانا تصل مياه المطر إلى داخل الصفوف، في مشهد يعكس حجم التدهور في البنية التحتية.
ويوضح أن هذه الظروف تنعكس بشكل مباشر على نسب الحضور، خاصة في الصفوف الدنيا، حيث يفضل كثير من الأهالي إبقاء أطفالهم في المنازل بدلا من تعريضهم للبرد، ما يؤدي إلى انقطاع متكرر عن الدراسة.
ويحذر المعلم السليمان من أن استمرار هذا الواقع سينتج فجوة تعليمية حقيقية يصعب تعويضها لاحقاً، خاصة وأن مشكلة البرد في المدارس لم تعد ظرفاً طارئاً مرتبطاً بالشتاء، بل أزمة بنيوية مستمرة تهدد العملية التعليمية برمتها.










