شهد الأسبوع الأخير من ديسمبر 2025 تصاعداً حاداً في التوتر بين السعودية والإمارات على خلفية الملف اليمني، حيث قصف التحالف السعودي ميناء المكلا في حضرموت مستهدفاً شحنات أسلحة قالت الرياض إنها وصلت من الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي، ما أدى إلى طلب الرئيس اليمني رشاد العليمي سحب القوات الإماراتية خلال 24 ساعة وإعلان حالة الطوارئ لمدة 90 يوماً وإغلاق المنافذ لمدة 72 ساعة.
وردّت الإمارات بالإعلان عن نية سحب قواتها، مؤكدة التزامها بالأمن الإقليمي وسيادة السعودية، فيما شددت الرياض على أن أي تهديد لأمنها “خط أحمر”. وفي الوقت نفسه، ألغى المجلس اليمني اتفاقية الدفاع المشترك مع أبو ظبي، وطالب المجلس الانتقالي بتسليم المواقع، في حين عبّر قيادات عسكرية يمنية عن دعم جهود احتواء الأزمة، مؤكدة أن الخلافات الأخيرة تعكس تغيّر موازين التحالفات الخليجية وتطرح تساؤلات حول مستقبل التنسيق السعودي الإماراتي في اليمن والمنطقة.
تباين المصالح
يقول ماركو مسعد، الباحث في العلاقات الدولية بهيئة الشرق الأوسط للسياسات، والمقيم في واشنطن لـ”963+”: “العلاقة الاستراتيجية والأخوية والشقيقة بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية هي علاقة ممتدة تاريخياً”، ويشير إلى أن العلاقات بين البلدين تشهد توتراً واضحاً نتيجة تضارب البيانات: “الإمارات تقول إنها كانت جزءاً من التحالف العربي، وأنها قامت بواجباتها وقدمت مساعدات عسكرية ومادية كثيرة من أجل استقرار اليمن، بينما تشير المملكة العربية السعودية إلى أن دعم السلطات الجنوبية سيؤدي إلى انفصال وتقسيم اليمن، وهو ما سيخلق مشكلة كبيرة”.
ويختتم مسعد الحديث حول التوتر قائلاً: “هناك حالياً مصالح متضاربة ورؤى مختلفة، التباين قد يشكّل شرخاً كبيراً في العلاقات؛ إعلان الإمارات سحب جزء من قواتها، والتأكيد على أن هذا القرار جاء بناءً على قرار إماراتي، يُعد أمراً إيجابياً قد يهدئ التوتر ويقلل التصدع في العلاقات”.
من جانبه، يرى صدام الحريبي، السياسي اليمني في تصريحات لـ”963+”: “التعاون بين الرياض وأبوظبي بات مستبعداً في الوقت الراهن، فالسعودية لم تعد تثق بالإمارات، خصوصاً بعد ما جرى في المحافظات الجنوبية من تسليم نفوذ وممارسات، وتعطيل الموانئ اليمنية، وعرقلة تصدير النفط وهو ما أراه مساساً مباشراً بالاقتصاد اليمني”.
ويشير مسعد إلى بداية الخلاف: “المشكلة تبدأ عندما لا تتلاقى المصالح. فالملف اليمني يُعد مثالاً واضحاً على ذلك، إذ كانت المصالح في البداية متلاقية، لكنه يرى أنها أصبحت اليوم غير متوافقة، الإمارات، وطبقاً لطريقة تعاملها مع الملف اليمني، ووفقاً للبيانات السعودية، قد تتسبب في مشكلة كبيرة في اليمن”.
تحركات أبو ظبي تُغضب الرياض
ويعلل مسعد سبب القلق: “هذا التعامل، بدلاً من أن يحل الأزمة، قد يزيدها تعقيداً قد يؤدي إلى تقسيم اليمن، وزيادة مشكلات الإرهاب، وهو ما يشكل خطراً على الأمن القومي الخليجي بشكل عام، حتى وإن لم يكن مقتصراً على الأمن القومي السعودي فقط”.
ويستدرك مسعد عن الانسحاب الإماراتي: “كل دولة لا تزال ترى الحل في اليمن من زاوية مختلفة. الانسحاب الإماراتي لا يُعد حلاً، بل على العكس قد تزيد المشكلة في الفترة القادمة. فرؤية الإمارات ومصالحها في اليمن تختلف عن رؤية السعودية ومصالحها”.
ويضيف الحريبي: “الإمارات تقوم بتحريض ميليشيات المجلس الانتقالي على استهداف المصالح السعودية في اليمن؛ فذهاب هذه الميليشيات إلى المحافظات الشرقية جعلها تقترب جداً من الحدود اليمنية السعودية، الأمر الذي يشكّل خطورة بالغة على الأمن القومي السعودي”.
ويشرح تطور الصراع: “الإمارات أدخلت الصراع إلى هاتين المحافظتين. حيث حاولت سابقاً إدخال الصراع من خلال تنظيم القاعدة وفشلت، ثم أدخلت الميليشيات التابعة لها. وهذا يفسر التطورات التي نشهدها اليوم”.
ويوضح الحريبي الجانب القانوني: “من أصدر مهلة الأربع والعشرين ساعة لخروج القوات الإماراتية هي الحكومة الشرعية اليمنية، وليس المملكة العربية السعودية؛ وقد صدر هذا القرار بقرار من رئيس مجلس القيادة الرئاسي”.
ويرى الحريبي أن الإمارات لم تلتزم بالانسحاب: “الإمارات لم تقدم سوى النفي، فوزارة الدفاع الإماراتية أعلنت عام 2019م أنها ستغادر اليمن، لكنها ظلت قواتها موجودة. فشحنات الأسلحة التي وصلت إلى اليمن ليست للمتمردين التابعين للمجلس الانتقالي، وإنما لقواتها الموجودة هناك، وهو ما يناقض إعلانها السابق بالمغادرة”.
ويصف الحريبي الوضع الحالي: “الصراع ليس جديداً، بل بدأ قبل سنوات، لكنه خرج مؤخراً من السر إلى العلن ولا يزال صراعاً بارداً يقتصر على البيانات والتصعيد الإعلامي، ولم يصل بعد إلى مواجهة عسكرية مباشرة، رغم استهداف بعض المركبات العسكرية الإماراتية”.
يقول مسعد: “الولايات المتحدة الأميركية تنظر إلى هذا الملف بترقب بالغ، لأنها ترتبط بعلاقات مع الطرفين. فواشنطن تجد نفسها في موقف وسطي، غير قادرة على اتخاذ قرار مع هذا الطرف أو ذاك، نظراً لعلاقاتها الاقتصادية والسياسية الكبيرة مع الإمارات، وكذلك مع المملكة العربية السعودية”.
ويضيف: “الولايات المتحدة تقول إنها تدعم الاستقرار وتنسق مع الحليفين، ولا تريد اتخاذ قرار بالانحياز إلى طرف على حساب الآخر. ورغم حديث وزير الخارجية الأميركي مع نظيره السعودي، فإن الولايات المتحدة الأميركية ما زالت تدرس الموقف، وتسعى إلى الاستقرار لأنها لا تريد مشكلات في الخليج، ولا ترغب في استمرار العمليات العسكرية، وفي الوقت نفسه لا تريد خسارة علاقاتها مع الإمارات أو السعودية”.
ويخلص مسعد إلى أن “الوضع حساس بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، وحساس أيضاً بالنسبة للأشقاء الخليجيين ومجلس التعاون الخليجي. فالمصالح لم تتلاقَ بعد، وكل دولة تنظر إلى مصلحتها بعكس مصلحة الدولة الأخرى. وهذه هي المشكلة الأساسية. فالمصالح يجب أن تتلاقى حتى يبدأ حل دائم”.
ويوضح الحريبي: “الدول الكبرى لا تتحرك في اليمن إلا عبر السعودية أو الإمارات حتى إيران التي تمتلك ذراعاً في اليمن متمثلاً في جماعة الحوثي، لا تتدخل بشكل مباشر. فالتحالف العربي انتهى وتفكك والواقع يؤكد أنه لم يعد كما كان إذا شعرت السعودية بخطورة الوضع، ولم تستجب الإمارات والميليشيات للمهلة، فإن المملكة السعودية ستعمل على إعادة إحياء التحالف، ودعوة دول أخرى للمشاركة فيه”.
ويؤكد: “المملكة العربية السعودية هي اللاعب الأكثر تأثيراً في الملف اليمني، بحكم الجوار الجغرافي، والحدود الطويلة، والعلاقات التاريخية بخلاف الإمارات التي لا تربطها باليمن علاقات حدودية وعلاقاتها سطحية مقارنة بالعلاقات اليمنية السعودية”.










