تشير التطورات الأخيرة في ملف العقوبات البريطانية على سوريا إلى تحوّل ملحوظ في طريقة تعاطي لندن مع هذا الملف بعد سنوات من فرض قيود شاملة طالت الدولة ومؤسساتها.
ففي خطوة جديدة، أعلنت الحكومة البريطانية فرض عقوبات محددة استهدفت عدداً من الأفراد المرتبطين بالجيش السوري، في توقيت حساس يتقاطع مع تصاعد الخطاب الدولي حول مكافحة الإرهاب، ومع النقاشات المتزايدة بشأن إعادة هيكلة المنظومة الأمنية والعسكرية، وضبط سلوك الفصائل المسلحة المنضوية ضمنها.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار مقاربة جديدة تقوم على الانتقال من العقوبات العامة التي أثقلت كاهل الاقتصاد والمجتمع، إلى عقوبات موجّهة تستهدف أشخاصاً بعينهم، على خلفية اتهامات تتعلق بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو بالضلوع في أحداث أمنية سابقة، من بينها أحداث الساحل السوري.
وفي الوقت ذاته، تحرص بريطانيا على التأكيد أن هذه العقوبات لا تستهدف مؤسسات الدولة بشكل مباشر، بل تندرج ضمن مبدأ عدم الإفلات من العقاب، والسعي إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم، وفق المعايير القانونية المعتمدة لديها.
ويأتي هذا التطور بالتوازي مع خطوات غربية أخرى تمثلت في تخفيف أو تعديل بعض القيود المفروضة على كيانات سورية، في محاولة لتحقيق توازن بين الضغط السياسي من جهة، وتقليل الأثر الإنساني للعقوبات من جهة أخرى. غير أن الإبقاء على العقوبات الفردية يعكس رغبة واضحة في استمرار أدوات الضغط، مع توجيه رسائل سياسية وأمنية تتعلق بإعادة ضبط أداء المؤسسة العسكرية، وملف الحوكمة، وحدود الدعم الدولي الممكن في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، تثار تساؤلات واسعة حول خلفيات القرار البريطاني، وما إذا كان مرتبطاً بتطورات ميدانية وأمنية حديثة، أو بملفات موثقة تعود إلى سنوات سابقة، إضافة إلى التساؤل عن مدى تأثير هذه العقوبات على بنية الجيش السوري، وعلى توازناته الداخلية، وعلى مستقبل العلاقة بين دمشق والعواصم الغربية.
الخلفيات والتوقيت
يوضح عصمت العبسي، أكاديمي ومحلل سياسي مقيم في دمشق، لـ”963+”، أن الدوافع السياسية والقانونية وراء فرض بريطانيا عقوبات جديدة على أفراد من الجيش السوري في هذا التوقيت تحديداً تعود إلى مسار قديم ومتجدد في آنٍ واحد، يشير إلى أن بريطانيا كانت قد علّقت سابقاً العقوبات المفروضة على بعض الكيانات، لكنها أبقت العقوبات المفروضة على الأفراد، ما يعني أن هذه الإجراءات ليست جديدة كلياً، لكنها أُعيد تفعيلها وتوسيعها ضمن سياق مختلف.
ويضيف أن “جزءاً من هذه العقوبات مرتبط بأحداث الساحل، في حين يستند جزء آخر إلى المعطيات والتقارير المتوافرة لدى الحكومة البريطانية، وإلى السردية التي تعتمدها لندن بشأن أحداث وقعت خلال الثورة السورية”. ويلفت إلى أن بعض العقوبات شملت فصائل وشخصيات، مثل فصيل “سلطان مراد” و”فرقة الحمزة”، استناداً إلى تقارير تتحدث عن تورطها في انتهاكات، بعضها صادر عن جهات مرتبطة بقوات “قسد”.
ويرى العبسي أنه لا يوجد ترابط مباشر بين “قانون قيصر” والعقوبات البريطانية، معتبراً أن لكلٍ منهما مساره القانوني والسياسي المختلف. ويعتقد أن بريطانيا، رغم إلغاء قانون قيصر قبل ساعات من صدور القرار، حرصت على التأكيد على مبدأ “عدم الإفلات من العقاب” وفق معاييرها الخاصة، مع التشديد في الوقت ذاته على دعمها لمسار الانتقال السياسي في سوريا.
يعتقد عهد مراد، كاتب وصحفي مقيم في لاهاي، أن تزامن صدور هذه العقوبات مع الحملة الدولية ضد تنظيم “داعش” والحديث المتزايد عن مكافحة الإرهاب في سوريا يحمل دلالاتٍ واضحةً.
ويشير مراد في تصريحات لـ”963+” إلى وجود عددٍ كبيرٍ من الفصائل ضمن الجيش السوري لها، بحسب وصفه، تاريخٌ حافلٌ بالانتهاكات، لافتاً إلى المجازر التي وقعت في اللاذقية، والتي تؤكد تقارير عديدة تورط تلك الفصائل فيها.
ويضيف أن “بعض قادة هذه الفصائل حاولوا نفي مشاركتهم في تلك الأحداث، كما فعل أبو عمشة الذي برر غيابه بأسبابٍ صحيةٍ، إلا أن ذلك لم يغيّر من نظرة المجتمع الدولي”.
وينوّه العبسي إلى أن بريطانيا أبقت العقوبات على كل من تصنّفهم على أنهم منتهكون أو مرتكبو جرائم حرب، مع إبداء تحفظه على بعض الأسماء الواردة في القائمة، معتبراً أن بعضها لا يستند إلى معطيات دقيقة، في حين يرى أن أسماءً أخرى تستحق المساءلة.
وحول ما إذا كانت العقوبات تستند إلى أدلة جديدة أم ملفات سابقة، يجيب العبسي بأنها تقوم على مزيج من تقارير قديمة وأخرى حديثة، موضحاً أن أحداث الساحل شكّلت أساساً واضحاً لفرض العقوبات على شخصيات مثل فتحية مقداد وآخرين مرتبطين بهذه الأحداث، إضافةً إلى أسماء أخرى تقول بريطانيا إنها متورطة في جرائم وقعت خلال الثورة السورية.
وبشأن تأثير هذه العقوبات على بنية الجيش الميدانية، يوضح أن بريطانيا تتبع اليوم فلسفةً جديدةً تقوم على الانتقال من العقوبات الشاملة على الدولة إلى العقوبات المحددة على الأفراد. ويشير إلى أن التأثير الفعلي يقتصر على تجميد الأصول ومنع السفر، ما يعني أن الأثر المباشر يطال الأشخاص المعنيين أكثر مما يطال المؤسسة ككل.
ويؤكد أن هذه الإجراءات لا تؤثر على تسليح الجيش السوري أو قدراته اللوجستية، لأنها لا تستهدف مؤسسات أو كيانات عسكرية، بل أفراداً بعينهم.
الدلالات الدولية وحدود الدعم
ويرى أن القوى الدولية تسعى من خلال هذه العقوبات إلى إيصال رسالةٍ مفادها أنها تراقب الجيش السوري وآليات حوكمته، وتفرض قيوداً عليه عند الضرورة.
ويتساءل مراد عما إذا كانت هذه الإجراءات ستحد من دعم الجيش السوري، ليجيب بأنه لا يرى وجود دعمٍ عسكريٍّ حقيقيٍّ حتى الآن، باستثناء محاولاتٍ تتعلق بإعادة التنظيم والتدريب على مبادئ الحوكمة. ويعتبر أن المجتمع الدولي لا يسعى إلى بناء جيشٍ سوريٍّ قويٍّ بقدر ما يريد قوةً أمنيةً أو شرطيةً متماسكةً تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
ويلفت إلى أن المخاطر لا تزال قائمةً، لا سيما بعد اعتراف وزارة الداخلية بأن أحد عناصرها قتل أفراداً من الوفد الأميركي، وأنه يحمل خلفيةً جهاديةً، وهو ما يعدّه اعترافاً بوجود عناصر ذات عقائد متطرفة داخل بعض المؤسسات.
ويرى مراد أن العقوبات قد تساهم، بشكلٍ غير مباشر، في تنظيم الجيش إذا ما استُثمرت سياسياً بالشكل الصحيح، خصوصاً إذا تم التعامل مع الفصائل المعاقَبة على أنها منبوذةٌ دولياً وإبعادها عن المؤسسة العسكرية.
لكنه يحذر في المقابل من أن توسع العقوبات لتشمل فصائل قريبةً من القيادة قد يؤدي إلى توتراتٍ وصراعاتٍ داخليةٍ، وقد تتهم بعض الفصائل القيادة بالتآمر دولياً حفاظاً على مواقعها.
ويختم بالقول إن معظم الفصائل المسلحة تعمل اليوم ضمن اقتصاد حربٍ واقتصادٍ أسود، ما يجعلها غير معتمدةٍ على التجارة الخارجية، وبالتالي يضعف الأثر المادي للعقوبات.
ويخلص إلى أن التأثير الحقيقي لهذه الإجراءات يظل محدوداً، وينعكس أساساً على العلاقات الداخلية بين أفراد المؤسسة العسكرية، أكثر مما ينعكس على الواقع الميداني.
وعن الطابع الرمزي أو العملي للعقوبات، يوضح العبسي أنها تحمل بعداً عملياً يتمثل في تغيير فلسفة العقوبات ذاتها، وتهدف إلى التأكيد على أن الانتماء إلى مؤسسة رسمية لا يشكل حمايةً من المساءلة. كما تسعى، بحسب رأيه، إلى الحد من التأثير الرمزي لبعض الشخصيات والفصائل، دون أن يكون لها تأثير فعلي على أداء الدولة أو بنية الجيش.










