تعكس تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة حول الجولان تعارضاً بين الموقف الأميركي الذي يقدّم قراره كخطوة سياسية حاسمة، وبين المرجعيات القانونية الدولية التي تعتبره مؤقتاً ولا يغيّر الوضع القانوني. وبينما تُربط الجولان بحسابات أمنية وإقليمية، تؤكد القوانين الدولية أن السيادة لا تُحسم بقرارات أحادية، مع تمسّك سوري برفض التنازل والتركيز على التهدئة وإعادة البناء.
اقرأ أيضاً: باراك في دمشق.. وترامب: يجب أن تحافظ إسرائيل على الحوار مع سوريا – 963+
ماذا يعني تصريح ترامب حول مرتفعات الجولان؟
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كلمة ألقاها في البيت الأبيض إنه اتخذ قرار الاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية بعد سنوات طويلة من المحاولات الديبلوماسية التي لم تُفضِ إلى أي نتيجة.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد وقّع في 25 مارس/آذار 2019 إعلاناً يعترف فيه بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، وذلك خلال مؤتمر صحفي مشترك في واشنطن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ويوضح الدكتور خالد العزي، أستاذ العلاقات الدولية والسياسات الخارجية، لـ”963+” أن هذا الإعلان جاء في سياق اتهام ترامب خصومه السياسيين آنذاك بإطلاق تصريحات معادية للسامية.
من جانبه، يقول الدكتور إحسان الخطيب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة موراي ستيت بولاية كنتاكي، لـ”963+” إن “موقف ترامب من الجولان المحتل يندرج في إطار الحسابات الانتخابية والسياسة الداخلية الأميركية، ولا يغيّر من الوضع القانوني أو السياسي للجولان على المستوى الدولي”.
ويوضح أن إعلان ترامب الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان يعود إلى ولايته الرئاسية الأولى، ويستند إلى دوافع انتخابية تتعلق بكسب دعم اللوبي اليهودي والتبرعات الانتخابية، مؤكداً أن هذا الموقف لا يحظى بأي دعم دولي.
أما المحامي المختص في القانون الدولي مجيد بودن، فيقول لـ”963+” إن الاعتراف بالدول أو بتقسيمها أو بضمّ أجزاء من أراضيها لا يشكّل أساساً قانونياً في القانون الدولي، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني يغيّر من الحقوق التاريخية أو السيادية للدول.
ويضيف أن “أي قرار تتخذه دولة ما، بما في ذلك الولايات المتحدة أو أي إدارة أميركية، للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل، لا يُعد سنداً قانونياً لأن القانون الدولي يعترف بالحدود التاريخية والمعترف بها دولياً ولا يجيز تغييرها بقرارات أحادية”.
اقرأ أيضاً: ترامب يطالب نتنياهو بـ”التهدئة” في سوريا – 963+
إلى ماذا يسعى ترامب من خلال طرح ملف الجولان؟
أشار ترامب إلى أنه أدرك لاحقاً الأهمية الاقتصادية الكبيرة لمرتفعات الجولان، قائلاً إن قيمتها قد تصل إلى تريليونات الدولارات، ما دفعه للتساؤل عمّا إذا كان ينبغي أن يطلب مقابلاً من إسرائيل نظير هذا الاعتراف.
كما كشف أنه طلب من السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، تقديم شرح موجز حول ملف الجولان، وبعد دقائق قليلة فقط، بحسب قوله، تبين له مدى الأهمية الدفاعية للمرتفعات بالنسبة لإسرائيل، خاصة في الفترات التي سبقت تطور تقنيات الرادار الحديثة.
وفي هذا الإطار، يقول العزي إن “إعادة طرح ملف الجولان في المرحلة الراهنة قد تشير إلى توجّه أميركي جديد يقوم على تغليب لغة المفاوضات والترتيبات الأمنية، وربما التراجع عن الاعتراف السابق، في ظل وجود حكومة انتقالية ورئيس انتقالي في سوريا”.
ويضيف أن هذا المسار قد يفتح الباب لاحقاً أمام إدماج سوريا في الاتفاقات الإبراهيمية التي تسعى واشنطن إلى توسيعها.
بدوره، يوضح الخطيب أن هذا الموقف لا يُعد سياسة ثابتة في القانون الأميركي، بل هو موقف إدارة بعينها، وقد تتبناه أو تتراجع عنه إدارات أميركية لاحقة.
ويشدد على أن قراءة هذه المواقف يجب أن تكون من زاوية السياسة الداخلية الأميركية والانتخابات، وليس باعتبارها مؤشراً على المصالح الاستراتيجية الأميركية طويلة الأمد.
من جهته، يؤكد بودن أن أي ربط بين القرارات السياسية أو الاقتصادية وبين السيادة على الأرض يبقى بلا قيمة قانونية، مشدداً على أن القانون الدولي لا يعترف بأي تغيير في الحدود أو السيادة خارج الأطر القانونية المعترف بها دولياً.
اقرأ أيضاً: باراك: ترامب يريد اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل ينتهي بالتطبيع – 963+
ما تأثير هذه التصريحات على إسرائيل؟
قال ترامب إن مرتفعات الجولان تمثل أهمية دفاعية كبيرة لإسرائيل، مشيراً إلى أن احتلالها يعود إلى عام 1967، وأن إسرائيل ضمّت الجولان رسمياً عام 1981، رغم عدم حصول هذه الخطوة على اعتراف دولي.
في المقابل، يقول العزي إن التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية تهدف إلى إبقاء حالة عدم الاستقرار وخلق فراغ أمني، إلى جانب التلاعب بالمكونات الطائفية والمذهبية والعرقية عبر الادعاء بحمايتها، واستخدامها كورقة ضغط لفرض إقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا.
ويضيف أن هذه التوغلات شكّلت عبئاً سياسياً وأمنياً على إسرائيل، وربما أسهمت في دفع مجلس الأمن الدولي إلى وضعها في مواجهة جديدة مع المجتمع الدولي.
وبدوره، يشير الخطيب إلى أن الاعتراف الأميركي لا يغيّر من الواقع القانوني للجولان، ولا يمنح إسرائيل أي شرعية دولية إضافية، مؤكداً أن الوجود الأميركي في سوريا لا يرتبط بحماية إسرائيل، بل بمواجهة التنظيمات الإرهابية ومنع تهديد المصالح الأميركية.
ويؤكد بودن أن التوغلات والتصعيدات الإسرائيلية تهدف إلى فرض أمر واقع على الأرض، إلا أن هذا الأمر الواقع لا يكتسب أي شرعية قانونية مهما طال الزمن، موضحاً أنه لا يوجد تقادم في القانون الدولي ولا تسقط الحقوق بمرور الوقت.
اقرأ أيضاً: ترامب: سنلحق ضرراً بالغاً بمنفذي الهجوم على قواتنا في سوريا – 963+
كيف ينعكس ذلك على الحكومة السورية الانتقالية؟
يقول العزي إن “الحكومة السورية الانتقالية تمتلك أوراق ضغط متعددة، لكنها لا تزال تؤكد عدم رغبتها في الانخراط في مواجهات عسكرية جديدة، في ظل الإرهاق الذي يعانيه الشعب السوري بعد سنوات الحرب”.
ويضيف أن “دمشق لا تسعى للانضمام إلى تحالفات من شأنها تحويل سوريا إلى منصة عدائية ضد جيرانها، بل تركز على تضميد جراحها وإعادة بناء بنيتها الاقتصادية بمساندة الغرب والولايات المتحدة والدول العربية”.
من جانبه، يؤكد الخطيب أن السياسة السورية، بغضّ النظر عن طبيعة النظام القائم، تبقى ثابتة في رفض أي تنازل عن الجولان، معتبراً أن الاعتراف الأميركي لا يغيّر من هذا الواقع، ولا يؤثر في الموقف القانوني الدولي.
بدوره، يشدد مجيد بودن على أن الحكومة السورية، سواء كانت انتقالية أو منتخبة ديموقراطياً، وكذلك رئيس الدولة والبرلمان، “لا يملكون أي صلاحية للتنازل عن أي شبر من أراضي الدولة”.
ويضيف أن أي اتفاق يتضمن تنازلاً مباشراً أو غير مباشر عن الأرض “يُعد باطلاً بطلاناً مطلقاً وفق القانون الدولي، ويعرّض من وقّع عليه للمساءلة القانونية الدولية”.










