في كانون الأول/ديسمبر 2019، أقرّ الكونغرس الأميركي “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا” كإحدى أشد أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي على نظام بشار الأسد، بهدف معاقبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب، وعرقلة قدرة الدولة على إعادة الإعمار. واستند القانون إلى فرضية أن العقوبات الواسعة يمكن أن تدفع السلطة إلى تغيير سلوكها أو الانخراط في مسار انتقال سياسي، لكنه سرعان ما تجاوز استهداف الأفراد ليشمل عقوبات ثانوية طالت شركات وحكومات وأفرادًا خارج سوريا، ما جعل التعامل الاقتصادي معها عالي المخاطر وأعاد تشكيل بنية الاقتصاد السوري.
وخلال سنوات تطبيقه، فُعِّل القانون عبر حزم تنفيذية متتالية شدّدت الخناق على قطاعات حيوية، وأثارت نقاشًا متزايدًا حول كلفته الإنسانية والاجتماعية، ومن يتحمّل عبئه الفعلي. ومع سقوط النظام السابق وتبدّل المشهد السياسي السوري أواخر عام 2025، اتجهت واشنطن إلى إلغاء القانون تشريعياً ضمن موازنة الدفاع، في خطوة تمهّد لمرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف العلاقة مع سوريا، ودور العقوبات في مقاربة ما بعد الصراع وإعادة الإعمار.
قيصر: نجاح تقني وفشل استراتيجي
ترى لانا بدفان، الباحثة في العلاقات الدولية في جامعة مدرسة الاقتصاد العليا في موسكو، في تصريحات لـ”963+” أن قانون قيصر حقق هدفه التقني المتمثل في خنق القنوات الاقتصادية الرسمية للنظام السابق، لكنه أخفق في تحقيق غايته السياسية.
فبحسب قراءتها، لم يدفع القانون السلطة إلى تقديم أي تنازلات في مسارات التفاوض الدولية، ولا إلى الالتزام بالقرار 2254، بل شجّعها على تطوير ما تصفه بـ”التكيّف السلبي”، عبر توسيع اقتصاد الظل، وتعميق الاعتماد على شبكات التهريب وتجارة الكبتاغون، وتعزيز الارتهان للحلفاء الإقليميين، وعلى رأسهم إيران.
وتلفت بدفان إلى أن الفجوة الأساسية التي خلقها القانون كانت بين من صُمم لاستهدافهم ومن دفعوا كلفته فعلياً. فالمواطن السوري، بحسب توصيفها، تحمّل العبء الأكبر عبر انهيار العملة وتآكل القدرة الشرائية، في حين نجحت النخب المستهدفة في تحويل العقوبات إلى فرصة لاحتكار السوق، والتحول إلى “تجار أزمات” راكموا أرباحهم من الندرة وارتفاع الأسعار. وبذلك، أسهم القانون في إفقار المجتمع وتعزيز ثراء شبكات الحرب بدل إضعافها.
الإلغاء: صدمة إيجابية وحدود التعافي
تقدّر بدفان أن إلغاء قانون قيصر قد يُحدث “صدمة إيجابية” قصيرة الأجل، تنعكس على سعر الصرف، وسهولة التحويلات، وحركة التبادل التجاري. غير أنها تحذّر من تضخيم التوقعات، مؤكدة أن سوريا لن تشهد خطة إنعاش كبرى على غرار “خطة مارشال”، في ظل استمرار المخاطر الأمنية، وغياب البيئة القانونية الجاذبة، وتردّد الشركات العالمية في الاستثمار طويل الأمد.
وترى أن إلغاء القانون يمثّل الإشارة الدولية الأقوى التي تحتاجها حكومة أحمد الشرع لتثبيت شرعيتها وفتح باب إعادة الإعمار، بما يتيح إعادة تشغيل القطاعات المتوقفة ودمج المهجّرين في الدورة الاقتصادية. لكنها تشير في المقابل إلى تحديات داخلية ثقيلة، أبرزها تفكيك الاقتصادات الموازية التي أدارتها الفصائل، وأزمة الديون الخارجية، خصوصاً لروسيا وإيران، إضافة إلى الفساد المتجذّر في البيروقراطية، والذي لا يسقط بسقوط رأس النظام.
ومن جانبه، يرى مؤيد اسكيف، الصحفي السوري المقيم في سويسرا، في تصريحات لـ”963+” أن قانون قيصر كان له أثر عميق على بنية النظام السابق، لا سيما في قدرته على تمويل مؤسساته العسكرية والاقتصادية.
ويعتبر أن القانون أسهم في إنهاك النظام من الداخل، ومنع إعادة ترميم الجيش ومؤسسات الدولة، ما جعله أحد العوامل التي ساهمت في تآكله التدريجي.
ويشير اسكيف إلى أن الرغبة في إلغاء القانون كانت واسعة، شعبياً ورسمياً، نظراً للأعباء الثقيلة التي ألقيت على كاهل المواطنين. ويعبّر عن أمله في أن يشكّل الإلغاء بداية يشعر بآثارها المواطن السوري، من خلال تشجيع تدفّق رؤوس الأموال وتحويل مذكرات التفاهم السابقة إلى مشاريع ملموسة، ولو بشكل تدريجي.
لكن اسكيف يربط أي تحسّن مستدام بإصلاح أداء مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القضاء، وتوفير بيئة آمنة وشفافة تحمي حقوق المواطنين. فبرأيه، التركة الثقيلة من ضعف الخدمات، وتدهور البنية التحتية، وانخفاض قيمة العملة، تجعل من الإلغاء خطوة ضرورية لكنها غير كافية ما لم تُستكمل بإصلاح إداري وتنموي واسع.
ويقدّم زردشت محمد، السياسي والحقوقي السوري، لـ”963+” قراءة أكثر نقدية لتجربة قيصر، معتبراً أن القانون جرى التعامل معه بوصفه أداة تغيير سياسي محتملة، لكن حصيلته الفعلية تفرض تقييماً أكثر واقعية. فمن وجهة نظره، لم يؤدّ القانون إلى تعديل سلوك السلطة السابقة، بل عزز خطاب المواجهة، ووفّر ذريعة لتحميل العقوبات مسؤولية الانهيار، من دون أن يُربط بمسار تفاوضي واضح أو ضغط سياسي متدرّج.
ويرى محمد أن الكلفة الأساسية وقعت على الفئات الأضعف، وصغار المنتجين، والمناطق المهمشة، حيث أدّت العقوبات إلى رفع كلفة الاستيراد، وتقييد التحويلات، وتوسيع السوق السوداء، بما سمح لشبكات الاحتكار والتهريب بالتمدّد.
ويشير إلى أن مناطق شمال وشرق سوريا عانت بشكل مضاعف، في ظل هشاشة الاعتراف السياسي وغياب قنوات اقتصادية بديلة.
ويحذّر محمد من أن رفع العقوبات قد يؤدي إلى تحسّن قصير الأجل مدفوع بعوامل نفسية، لكنه سيبقى هشًا ما لم يترافق مع إصلاحات سياسية ومؤسسية تعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والسوق، وتكبح اقتصاد الريع والفساد.
ويؤكد أن رفع العقوبات بحد ذاته لا يشكّل مدخلاً تلقائياً للتغيير السياسي، بل قد يتحول إلى إعادة تأهيل لمنظومة الحكم إذا لم يُقترن بمسار إصلاحي واضح.
العقوبات من منظور المجتمع
من موقعها كمواطنة سورية، ترى رويدا الحرفوش، السياسية النسوية من السويداء والمقيمة في بلجيكا، في تصريحات لـ”963+” أن قانون قيصر لم يحقق هدفه السياسي، بل أسهم في تحصين اقتصاد الحرب وتعميق ارتهان السلطة السابقة لحلفائها. وتعتبر أن العقوبات كانت أداة ضغط بلا استراتيجية سياسية، ما جعلها عاجزة عن إنتاج ضغط متراكم فعّال.
وتؤكد الحرفوش أن المواطن العادي، ولا سيما الفئات غير المحمية وسكان المناطق الطرفية، دفع الثمن الأكبر، في حين تكيفت النخب عبر التهريب والتحويلات غير النظامية.
وترى أن إلغاء القانون قد يخفف الألم، لكنه لا يعالج المرض، ما لم يُربط بإصلاحات حقيقية في بنية الحكم، وبناء دولة قانون ومؤسسات.
ويذهب ميلاد مالك الأطرش، الباحث والمحلل السياسي، في تصريحات لـ”963+” إلى أن قانون قيصر لم يكن يوماً أداة فعالة لتغيير سلوك النظام، بل تحوّل إلى واقع عقابي طويل الأمد جمد الأزمة السياسية والمعيشية معاً. ويرى أن رفعه قد يفتح انفراجاً اقتصادياً تدريجياً، يتمثل في تحسن الاستيراد والتحويلات، وعودة محدودة للثقة بالقطاع الخاص، لكنه يشدد على أن الاستدامة مرهونة بالإصلاح الداخلي، ومكافحة الفساد، وتحسين الإدارة الاقتصادية.
أما حسام القس، عضو المكتب الإعلامي للمنظمة الآثورية الديموقراطية وعضو مجلس إدارة منصة مدنية، فيصف في تصريحات لـ”963+” العقوبات بأنها كانت كارثية على السوريين بكل مكوناتهم، معتبراً أن النظام السابق امتلك خبرة كافية للالتفاف عليها، بينما دفع المجتمع كلفتها.
ويرى في إلغاء القانون خطوة ضرورية لبدء إعادة تشغيل الاقتصاد وإعادة بناء البنية التحتية، بما ينعكس إيجابًا ليس فقط على الوضع الاقتصادي، بل أيضًا على الحقوق والمشاركة السياسية.
في المحصلة، يكشف مسار قانون قيصر عن حدود العقوبات الشاملة كأداة للتغيير السياسي، وعن كلفتها الباهظة على المجتمعات الهشة. أما إلغاؤه، فرغم ضرورته لتخفيف المعاناة وفتح نافذة للتعافي، فلا يشكّل بحد ذاته حلًا للأزمة السورية. إذ يبقى مستقبل البلاد مرهوناً بقدرة السلطة الجديدة على ترجمة الانفتاح الخارجي إلى إصلاح داخلي حقيقي، وبناء دولة قانون ومؤسسات، تضع سوريا على مسار استقرار مستدام، لا مجرد تحسّن مؤقت في واقع مأزوم.










