عند حافة أرضه الزراعية في ريف معرة مصرين، يقف خالد الراعي (52 عاماً) متأملاً مجرى مائي داكناً يمر بمحاذاة بستانه الصغير. لطالما اعتمدت قريته على بئر محلي كان يضخ ما يصل إلى 30 متراً مكعباً من المياه في الساعة، وهو ما كان يكفي لري الأراضي المحيطة وتغطية احتياجات الموسم الزراعي.
لكنّ السنوات الأخيرة كانت قاسية؛ فقد انخفض إنتاج البئر إلى نحو عشرة أمتار مكعبة فقط، فيما ارتفعت تكلفة تشغيل المضخات إلى مستويات جعلت الري بالمياه النظيفة عبئاً يفوق قدرة معظم المزارعين. يردد خالد بلهجة صريحة لـ”963+”: “المسألة لم تعد خياراً؛ نحن نستخدم هذه المياه لأننا لو لم نفعل سنخسر كل شيء”.
لم يكن خالد يعتقد يوماً أنه سيصل إلى حد ريّ محاصيله بمياه الصرف الصحي غير المعالجة، لكنه اليوم مثل كثير من المزارعين في إدلب، يجد نفسه محاصراً بين ندرة المياه وانهيار البنية التحتية وارتفاع تكاليف التشغيل، مما دفع قطاعاً واسعاً من المزارعين للجوء إلى مصدر المياه الوحيد المتوفر: شبكات الصرف المكشوفة.
فهذه التحولات التي بدأت كحلول إسعافية، بحسب خالد، “باتت اليوم واقعاً يغيّر شكل الإنتاج الزراعي في المنطقة، ويضع السكان أمام أزمة صحية وغذائية معقدة تمتد من الحقول إلى موائد الطعام”.
شح المياه يفرض واقعاً جديداً
في ريف معرة مصرين، كانت السواقي الطبيعية التي تعبر الأراضي الزراعية جزءاً من ذاكرة المكان؛ مياه صافية تتدفق على مدار العام، تغذي الحقول وتمنح المزروعات حيوية تكفي لأسواق إدلب وما حولها. اليوم تحولت تلك السواقي إلى خطوط ضيقة موسمية، بالكاد تكفي لري بساتين صغيرة، فيما تسبب الجفاف المتكرر خلال الأعوام الأخيرة بانخفاض كبير في منسوب المياه الجوفية، ما أدى إلى تراجع إنتاج الآبار وتوقف بعضها عن العمل.
وفي ظل هذه الظروف، بدأ المزارعون يمدّون أنابيب بلاستيكية صغيرة تربط بين الحقول وشبكات الصرف المكشوفة في أطراف القرى.
يقول خالد إن هذه الشبكة العشوائية تحولت إلى “منظومة غير رسمية” يتشاركها المزارعون بالتناوب، بعد أن أصبح الاعتماد على البئر أمراً شبه مستحيل بسبب تكاليف التشغيل، وغياب أي دعم زراعي فعلي يساعدهم على الصمود.
ويشير إلى أن محاولات المجالس المحلية لمنع استخدام مياه الصرف لم تكن واقعية، لأنها لم تقدّم بديلاً عملياً أو مصادر مياه بديلة.
أزمة تمتد إلى قرى أخرى
الشكوى ذاتها تتكرر في قرى بسنقول وكفريحمول ودير حسان، حيث تسببت أشهر الجفاف الطويلة هذا العام بانخفاض غير مسبوق في منسوب الآبار، بينما فشلت كثير من مشاريع الري بسبب انقطاع الكهرباء وارتفاع كلفة تشغيل المولدات.
ويقول المزارع سليمان العيدو من مدينة حارم لـ”963+” إن الأزمة الاقتصادية دفعت الكثير من المزارعين إلى استخدام مياه الصرف، موضحاً أن تكلفة ري الدونم الواحد بمياه الآبار تصل أحياناً إلى 25 دولاراً، في حين تعد مياه الصرف شبه مجانية.
ويضيف: “نحن نعمل في سوق يباع فيه المحصول بأسعار منخفضة أصلاً، وما من دعم أو وقود مخفض أو محطات معالجة. الالتزام بالطرق السليمة يعني الخسارة المؤكدة”.
ويشرح أن المزارع يجد نفسه في معادلة غير عادلة: إما خسارة المحصول أو المخاطرة بجودة الغذاء وصحة المستهلك.
خوف يتسرب إلى بيوت المدنيين
مع انتشار الحديث عن ري المحاصيل بمياه غير صالحة، يتزايد الذعر بين الأهالي. راميا الفارس (43 عاماً) من سلقين تقول لـ”963+” إن رائحة بعض الخضار باتت غريبة، وإنها تفسد بسرعة غير معتادة، مما يرجّح استخدامها لمياه ملوثة.
وتضيف أن كثيراً من الأهالي يضطرون لشراء هذه الخضار لأنها الأرخص في السوق، رغم خوفهم على صحة أطفالهم.
وتتابع: “نعيش أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما شراء الخضار الرخيصة المشكوك فيها، أو التخلي عنها بالكامل. وهذا خيار لا يمكن للأمهات تحمله في ظل هذه الظروف”.
وتشير الفارس إلى أن ارتفاع حالات الإسهال بين الأطفال خلال الصيف أصبح أمراً مقلقاً، وأن الأطباء يصرحون أحياناً بوجود احتمال لارتباط هذه الحالات بطعام ملوث، لكن غياب التأكيد يجعل السكان يعيشون حالة من الارتباك الدائم.
وتضيف: “المشكلة لم تعد سراً. الكل يعرف أن بعض الخضار تُروى بمياه غير صحية. لكن الظروف الاقتصادية تضيق الخيارات إلى حد يفرض القبول بالمخاطرة”.
الأسواق.. الحلقة الأكثر خطراً
في سوق الهال بمدينة إدلب، حيث تتدفق الخضار منذ ساعات الصباح الأولى، تبدو الخضار الورقية كالبقدونس والنعناع والخس الأكثر لفتاً للنظر بسبب أسعارها المنخفضة.
ويقول التاجر محمد الحمود لـ”963+” إن جزءاً كبيراً من هذه الخضار يأتي من مناطق أطمة والدانا وسرمدا، وإن بعضها يُروى بمياه صرف، والبعض الآخر بمياه مختلطة.
ويتابع: “لا توجد جهة تلزمنا بمعرفة مصدر المياه. نحن نستقبل الشاحنات كما تأتي، ولا يوجد مختبر لاختبار كل شحنة. المستهلك يبحث عن السعر، وإذا لم نشترِ هذه البضائع سيشتريها تاجر آخر. الرقابة غائبة، وهذا يجعل سلسلة الغذاء بالكامل غير آمنة”.
مخاطر صحية عميقة
من الناحية الطبية، يؤكد اختصاصي أمراض الهضم الدكتور مصطفى الأزرق، لـ”963+” أن مخاطر تلوث الخضار لا تتعلق فقط بالجراثيم السطحية، بل بفيروسات وبكتيريا خطيرة يصعب التخلص منها بمجرد الغسل. ويذكر منها التهاب الكبد A والإشريشيا كولي والديدان الطفيلية التي تلتصق بالخضار الورقية بشكل يصعب إزالته.
ويشرح الأزرق أن المشكلة الأكبر تكمن في أن الأعراض لا تظهر فوراً، بل بعد أيام أو أسابيع، ما يجعل من الصعب على المرضى أو الأطباء الربط بين تناول غذاء ملوث وظهور المرض.
ويضيف: “غياب نظام وطني لتتبع الأمراض الناتجة عن الغذاء يجعل المشكلة أكثر تعقيداً. الحالات تظهر متفرقة، بينما هي في الحقيقة جزء من سلسلة واحدة لا تُسجَّل ولا تُحلَّل بشكل ممنهج”.
خطر صامت يفتك بالتربة
على الجانب البيئي، يقول الخبير محمد رحماني من منظمة محلية تعنى بمراقبة مصادر المياه، لـ”963+” إن استخدام مياه الصرف في الري يشكل “خطراً صامتاً” على التربة، لأن أثره لا يظهر فوراً، بل يتراكم ببطء عبر سنوات.
ويوضح أن المعادن الثقيلة مثل الرصاص والزنك والكادميوم تستقر في الطبقات السطحية والعميقة للتربة، ولا تتحلل أو تزول مع الزمن، مما يؤدي إلى تدهور خصوبة الأرض وصعوبة استعادتها لاحقاً.
ويضيف أن نتائج الفحوص الميدانية في مناطق سلقين والدانا أظهرت ارتفاعاً في نسب الأملاح والتلوث العضوي، ما يشير إلى أن الضرر أصبح واسعاً ويمس مساحات كبيرة. ويحذر من أن استمرار هذا النمط من الري قد يؤدي خلال السنوات المقبلة إلى خروج بعض الحقول من الخدمة نهائياً.
حلول ممكنة وعقبات كبيرة
يرى مختصون أن مواجهة الأزمة تتطلب إنشاء محطات معالجة صغيرة في المناطق الأكثر تضرراً، وتقديم دعم مباشر للمزارعين لخفض تكلفة استخدام المياه النظيفة، وإلزام الأسواق بإظهار بيانات الري على المحاصيل، إلى جانب إجراء فحوص دورية للمنتجات وربط المؤسسات الصحية والرقابية بشبكة رصد مشتركة.
لكن هذه الحلول تصطدم بواقع مالي وإداري هش، وضغط سكاني كبير نتيجة النزوح، ما يجعل التطبيق صعباً دون توفير تمويل مستدام وخطط واضحة تضمن استمرارية أي مشروع يُطرح.
وفي الوقت الذي تنتظر فيه إدلب حلولاً عملية، يبقى المزارعون والأهالي محاصرين بين ندرة المياه، وتلوث المحاصيل، وضيق الخيارات، بينما تزداد المخاطر على صحة السكان وأمنهم الغذائي يوماً بعد يوم.










