تدخل سوريا عامها الأول بعد سقوط النظام وهي محمولة على سؤال ثقيل: هل تسير المحاكمات نحو عدالة حقيقية أم نحو تسويات هشة؟ فالمسار القضائي، كما يصفه مطلعون، يولد في بيئة مضطربة تفتقر إلى مؤسسات قوية قادرة على فرض القانون، فيما يُقدَّم بوصفه محاولة لإنقاذ المجتمع من الانزلاق إلى منطق الانتقام، رغم نقص الوسائل وتعقيد المرحلة. وبين تشكيل لجان وكشف حقائق معلّقة وأرقام صادمة للضحايا والمفقودين، تتبلور قناعة متزايدة بأن العدالة لن تستقيم دون تشريعات ملزمة، ولا ثقة ستُبنى ما لم تُفتح ملفات الجرائم الكبرى، وتُلاحق القيادات المسؤولة.
يرى الإعلامي المتخصص في العلاقات الدولية لمنطقة المتوسط في فرنسا يوسف لهلالي في تصريحات لـ”963+” أن ما يجري خلال العام الأول من المحاكمات “يبقى محكوماً بحالة عدم الاستقرار التي تعيشها سوريا، وبغياب مؤسسات قوية وقادرة”، معتبراً أن هذه الإجراءات تمثّل “محاولة لإحلال العدالة داخل المجتمع بدل الانزلاق إلى منطق الانتقام والقصاص”.
لكنه يقرّ في الوقت نفسه بأن “المرحلة الانتقالية بطبيعتها صعبة ومعقدة في ظل نقص الوسائل لدى الدولة لفرض القانون وتحقيق العدالة بصورة كاملة”.
اقرأ أيضاً: العدالة الانتقالية في سوريا.. مسألة شاملة ومصالحة وطنية – 963+
خطوات مؤسسية.. ولكن دون مظلة قانونية مكتملة
مع انطلاق المرحلة الانتقالية، أعلنت السلطات عن تشكيل “اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية”، إلى جانب لجان متخصصة بملف المفقودين والمختفين قسرًا، في خطوة وُصفت بأنها الأساس المؤسسي لمسار المساءلة. كما جرى طرح مشروع متكامل لقانون العدالة الانتقالية يُفترض أن ينظم أربعة مسارات متوازية: المحاكمات الجنائية، كشف الحقيقة، جبر الضرر، وإصلاح المنظومة القضائية والأمنية.
غير أن هذا المشروع بقي حتى الآن في حيّز النقاش العام ولم يتحول إلى تشريع نافذ، ما جعل عملية المحاسبة تسير دون إطار قانوني جامع يحدد الأولويات والآليات.
في هذا السياق، يقول الكاتب والباحث السياسي الدكتور عمران زهوي في تصريحات لـ”963+” إن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع “أطلق بشكل رسمي مشروعاً واسعاً لتحقيق العدالة الانتقالية في سوريا”، موضحاً أن مهمة اللجنة لا تقتصر على المحاكمات، بل تشمل “كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام السابق، وجبر الضرر الذي لحق بالضحايا، وترسيخ مبدأ عدم التكرار، وصولاً إلى المصالحة الوطنية”.
إلا أن زهوي شدد على أن “الاكتفاء بتشكيل اللجان دون حلول عملية لن يؤدي إلى تقدم فعلي ما لم يتحول هذا المسار إلى منظومة قانونية ملزمة”.
محاكمات تلاحق الحاضر.. وتتجنب الماضي
عملياً، تركزت معظم المحاكمات التي أُجريت خلال العام الأول على أحداث العنف التي وقعت بعد سقوط النظام، ولا سيما تلك التي شهدها الساحل السوري ومناطق أخرى خلال آذار/مارس 2025، حيث مثل 14 شخصاً أمام القضاء بتهم تتعلق بالقتل والانتهاكات الجسيمة.
وبرغم إتاحة حد أدنى من ضمانات المحاكمة، مثل العلنية وحضور محامين، ترى منظمات حقوقية أن هذه القضايا ما تزال بعيدة عن صلب العدالة الانتقالية، إذ لم تُفتح حتى الآن ملفات الجرائم الكبرى التي وسمت عهد النظام السابق، وأبرزها التعذيب المنهجي والإخفاء القسري والقصف العشوائي.
ويوضح زهوي أن ما جرى في الساحل “لم يكن محاكمة في إطار عدالة انتقالية متكاملة بقدر ما كان تعبيراً عن التوتر القائم بين جرائم الحاضر وجرائم الماضي”، معتبراً أن استمرار العنف مرتبط ارتباطاً مباشراً “بغياب آليات حقيقية لمحاكمة جرائم النظام السابق، وهو ما يضعف ثقة السوريين بمسار العدالة”.
خطاب رسمي ومخاوف ميدانية
تؤكد الحكومة الانتقالية في خطابها الرسمي أن هدفها هو ترسيخ مبدأ “المساءلة لا الانتقام”، وتستشهد بتعاونها مع المحافل الدولية، بما في ذلك القضية المنظورة أمام محكمة العدل الدولية بشأن التعذيب في عهد النظام السابق، باعتباره التزاماً قانونياً لا ثأرياً.
غير أن هذا الخطاب، بحسب محللين، يصطدم بواقع أمني هشّ في بعض المناطق، حيث ما تزال حوادث الخطف والقتل والتصفية خارج القضاء تتكرر، ما يهدد بتحويل العدالة من مسار مؤسسي إلى أفعال فردية.
في هذا الإطار، يحذّر لهلالي من أن أي عدالة “تفقد ثقة الناس تفقد مشروعيتها”، مشدداً على أن “إيمان السوريين، ولا سيما الضحايا، بنزاهة القضاء هو الأساس لبناء سوريا الجديدة”، وأن غياب هذه الثقة سيفتح الباب أمام الانتقام بدل القانون.
اقرأ أيضاً: إلى أين وصل ملف العدالة الانتقالية؟ – 963+
أرقام ضئيلة أمام مأساة ضخمة
لا تتوفر أرقام رسمية بعدد القضايا التي نظرتها المحاكم منذ سقوط النظام، لكن تقارير بحثية تشير إلى مساءلات أولية طالت 83 قاضياً سابقاً من قضاة محاكم الإرهاب والقضاء العسكري، إضافة إلى محاكمة 14 شخصاً على خلفية أحداث العنف الطائفي في الساحل.
في المقابل، تبدو هذه الأرقام ضئيلة أمام حجم المأساة. إذ يقدّر المحلل الأمني والسياسي إحسان القيسون عدد ضحايا الحرب بأكثر من 750 ألفاً، قائلاً إن “أكثر من 80% منهم سقطوا على يد قوات النظام المخلوع”، معتبراً أن العدالة الانتقالية “خطوة أساسية لامتصاص غضب السوريين وإيقاف دوامة الثأر”.
ويضيف القيسون لـ”963+” أن محاسبة من وصفهم بـ”الأكثر رعباً وقتلاً” ضرورة لـ”تهدئة الاحتقان الشعبي وتهيئة الأرضية لبناء دولة مستقرة”، مشدداً على أن العدالة “لا تهدف إلى الانتقام بل إلى إنصاف الضحايا وذويهم”.
التهم الحالية وأزمة القيادة الغائبة
تكشف الملفات المنظورة حتى الآن أن الغالبية الساحقة من القضايا تتعلق بجرائم آنية، مثل القتل والتجمهر المسلح والتحريض الطائفي، إضافة إلى مخالفات مهنية بحق بعض القضاة والمسؤولين السابقين.
لكن ملف التعذيب، على ثقله، ما يزال محصوراً بعناصر من رتب دنيا أو متوسطة، في حين لم تُفتح حتى الآن ملفات تطال القيادات الأمنية العليا التي يُتهم بعضها بإدارة التعذيب بوصفه سياسة عامة.
يشير زهوي إلى أن من أخطر العقبات أمام هذا المسار “فرار عدد كبير من رموز النظام خلال الساعات الـ48 الأولى من السقوط”، فضلاً عن “استمرار وجود مقاتلين أجانب وفصائل غير منضبطة”، إضافة إلى أن “جزءاً من جهاز الدولة السابق ما يزال قائماً داخل السلطة الجديدة”، وهو ما يعقّد عملية تفكيك المنظومة القديمة.
وإلى جانب المحاكم، يبقى ملف المختفين قسراً أحد أكثر القضايا حساسية، إذ تشير تقديرات حقوقية إلى اختفاء ما بين 120 ألفاً و300 ألف شخص منذ سبعينيات القرن الماضي.
ويؤكد زهوي أن هذا الرقم “يجعل الغالبية الساحقة من العائلات السورية معنية بشكل مباشر بهذه القضية”، معتبراً أن أي عدالة انتقالية لا تضع ملف المختفين في صلب أولوياتها ستفقد بعدها الإنساني والسياسي.
اقرأ أيضاً: مسار العدالة السوري: خطوة أولى أم تزيين سياسي؟ – 963+
هل العدالة شرط للاستقرار؟
يرى القيسون أن إنهاء ملف العدالة الانتقالية “شرط لفتح صفحة جديدة من البناء والاستقرار والاقتصاد”، داعياً إلى عدم إطالة هذا الملف إلى ما لا نهاية، بل حسمه ضمن مدة زمنية معقولة تتيح الانتقال إلى إعادة الإعمار وترميم المجتمع.
كما دعا إلى أن تكون المحاكمات “علنية وشفافة وبحضور محامين”، منتقداً “غياب الشفافية في بعض الإجراءات الحالية”، ومؤكداً أن “استعادة حقوق الضحايا لن تتحقق بالتغاضي والتسويات”.
ويقف القضاء السوري اليوم عند مفترق طرق: إما أن يتحول إلى أداة لبناء دولة قانون، أو ينزلق إلى مسار انتقائي يعمّق الشروخ المجتمعية.
يوسف لهلالي يختصر هذا الاختبار بالقول: “من دون ثقة لن تكون هناك عدالة حقيقية”. بينما يؤكد القيسون أن “محاكمة قتلة الأسرى والمجرمين الموثقين ستُسهم في طي صفحة الماضي”.ويحذر زهوي من أن الفشل في تفكيك منظومة القمع سيُبقي البلاد في دائرة الخطر، في ظل تشابك إقليمي وعنف غير منضبط “قد يفتح باباً لمخاطر التقسيم”.










