في مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري، تبدو البلاد وكأنها تدخل طوراً سياسياً وجيوسياسياً بالغ التعقيد، يتجسد في تداخل صراعات النفوذ الإقليمي مع تحديات الداخل السوري المتشعبة. فالمشهد العام يوحي بأن سوريا أصبحت ساحة تنافس مفتوح بين قوى إقليمية تمتلك مصالح متعارضة أحياناً، ومتشابكة أحياناً أخرى، ضمن بيئة مضطربة تتقاطع فيها خطوط الطاقة مع خطوط الانقسام الاجتماعي.
وتستند التحليلات المختلفة إلى فكرة محورية مفادها أن سوريا اليوم لم تعد مجرد دولة خارجة من صراع طويل، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تتجه إليها أنظار قوى إقليمية كبرى، كلٌّ وفق حساباته السياسية والاقتصادية والأمنية. فالموقع الجغرافي الحساس للبلاد، وما تختزنه من ثروات محتملة في مجالي النفط والغاز، إضافة إلى دورها التقليدي في ممرات الطاقة بين الشرق والغرب، كلها عوامل تجعل من سوريا مركزاً لصراع نفوذ يتجاوز حدودها المباشرة.
وفي الوقت نفسه، يبرز بعدٌ داخلي لا يقل خطورة عن التنافس الخارجي، إذ تعاني البلاد من إرث الانقسامات الطائفية وما رافقها من ممارسات يومية تترك أثرها العميق في النسيج الاجتماعي السوري.
ويأتي هذا في لحظة تاريخية حساسة، حيث تقف الحكومة الانتقالية أمام اختبار مصيري يتعلق بقدرتها على تجاوز الطائفية وبناء علاقة عادلة مع مختلف مكونات المجتمع. فالتحدي الداخلي لا يتمثل فقط في إعادة بناء مؤسسات الدولة، بل أيضاً في احتواء الميليشيات والفصائل المتعددة التي تمتلك رؤى مختلفة لمستقبل البلاد، وفي بعض الأحيان ترتبط حساباتها بمصالح أو مخاوف طائفية.
وهذا الواقع الداخلي ينعكس مباشرة على قدرة سوريا على الاستفادة من موقعها الاستراتيجي أو حماية ثرواتها أو صياغة دورها الإقليمي بعيداً عن تأثيرات الخارج.
وهكذا يتضح أن سوريا تقف عند نقطة تقاطع بين صراع إقليمي على النفوذ والثروات، وصراع داخلي على هوية الدولة وطبيعة نظامها الاجتماعي والسياسي. ففي الوقت الذي تسعى فيه قوى إقليمية لتعزيز حضورها في الجغرافيا السورية، سواء عبر النفوذ الأمني أو مشاريع الطاقة أو تشكيل مناطق نفوذ، تواجه البلاد تهديداً آخر أكثر عمقاً يتعلق بإمكانية الانزلاق نحو مزيد من الانقسام إذا لم تُعالج جذور المشكلة الطائفية.
ومن ثم، فإن مستقبل سوريا مرهون إلى حدٍّ كبير بمدى قدرتها على تجاوز التوترات الداخلية وتحقيق الحد الأدنى من التماسك الوطني، بما يسمح لها بتجنب سيناريوهات التفكك والتقسيم، ويعيد تمكينها من إدارة موقعها الحيوي وثرواتها بشكل يحفظ استقلال قرارها ويمنع القوى الإقليمية من استغلال هشاشتها. بهذه الصورة، يتشكل إطار شامل لفهم طبيعة المرحلة الحالية في سوريا، حيث تتكامل اعتبارات الجغرافيا السياسية مع التحديات الاجتماعية الداخلية في رسم ملامح مستقبل مفتوح على احتمالات متعددة.
تنافس إقليمي.. صراعٌ على الثروات
يقول الدكتور أكرم حسام، رئيس مركز السلام للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، لـ”963+”: إنه بعد عام تقريباً من سقوط نظام بشار الأسد، أصبحت سوريا في موضع تنافس بين مركزَي قوة إقليميين جديدين، وهما تركيا وإسرائيل، ويرى أن الجانب التركي والجانب الإسرائيلي باتا الطرفين الأكثر تحكماً وتأثيراً في مسار الأحداث في سوريا، سواء فيما يتعلق بالأحداث الداخلية وتطورات المشهد الداخلي، أو فيما يتعلق بالتأثير الخارجي على علاقات سوريا مع دول الجوار بشكل عام، وربما مع الإطار الدولي بشكل خاص.
ويتابع قائلاً إن ضمن محور هذا التنافس محاور عديدة، منها ما يعلل بأنه يتعلق بمحاولة تركيا السيطرة أو الاقتراب من مناطق شمال سوريا، وتحقيق نوع من السيطرة الهادئة على هذه المناطق عبر الاستمرار في عمليات التغيير الديموغرافي وتعزيز وجودها الأمني والاقتصادي في هذه المناطق بشكل أساسي، مستفيدة من علاقتها القوية مع الحكومة الحالية في دمشق.
بينما إسرائيل، كما يوضح، تركز على مناطق الجنوب السوري، وتستفيد من علاقاتها مع بعض الطوائف السورية الموجودة في مناطق الجنوب، في درعا والسويداء، كالدروز وغيرهم، وتحاول توسيع مساحة الرقعة الجغرافية التي تسيطر عليها حالياً عبر تشكيل ما يسمى بالمناطق العازلة، والتأثير على خطوط الحدود أو خطوط فك الاشتباك التي كانت محددة وفق اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 بين سوريا وإسرائيل.
ويفسر الدكتور حسام أنّ ضمن هذا التنافس لأن هذا المحور غير ظاهر للرأي العام وغير ظاهر بشكل واضح في الإعلام الإقليمي والدولي، تنافساً بين الجانب التركي والإسرائيلي على الثروات السورية، خصوصاً ما يتعلق بثروة سوريا في مجالي النفط والغاز بشكل أساسي.
أطماع بالطاقة
يشير إلى أنّه لا ننسى أن سوريا تعتبر الدولة المنتجة الوحيدة للنفط من دول شرق المتوسط في منطقة الشام، ولذلك هي دولة غنية في هذا الإطار. كما أن لديها احتياطات من الغاز في مياه شرق المتوسط، ويتوقع أن يكون لها دور في تشكيل معادلة الغاز والمساهمة في التأثير على معادلة الغاز الحالية الموجودة في منطقة شرق المتوسط، والتي تمثل فيها إسرائيل وتركيا إلى جانب مصر واليونان ولبنان أضلاعاً أساسية في هذا الإطار.
ويستكمل أنه إذًا هناك منافسة على محاولة الوصول إلى مناطق الإنتاج الحالية والمحتملة للنفط والغاز في سوريا، سواء في المناطق البرية أو الحدودية أو حقول النفط على الأراضي السورية، أو حتى في مناطق الحدود البحرية. ويتوقع في هذا الإطار أن يكون هناك تنافس أو تأثير أو خشية من جانب إسرائيل من محاولة دخول تركيا على خط المفاوضات الجارية أو المتوقعة فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية في هذه المنطقة، بين سوريا والدول المجاورة لها، وكذلك فيما يتعلق بلبنان، بحكم تأثير سوريا المعروف على بعض مجريات الأمور في لبنان، نظراً لعوامل تاريخية وطائفية وسياسية عديدة لا يتسع المجال لذكرها.
ويضيف أن ضمن محاور هذا التنافس يأتي التنافس على الموقع الاستراتيجي لسوريا، وهذا هو لب الحديث أو محور الحديث. فالموقع الاستراتيجي الحالي لسوريا كان ولا يزال موقعاً مثالياً لخطوط نقل الطاقة من الشرق باتجاه أوروبا. وقد كان هذا الأمر مطروحاً منذ عام 2004 عبر عدد من المشاريع الإقليمية، كان منها مشروع الخط الغازي القطري عبر سوريا إلى تركيا ثم أوروبا، وهذا المشروع لاقى معارضة في ذلك الوقت من جانب الحكومة السورية.
ويشرح أن هذه المشاريع الآن تجددت بعد سقوط نظام الأسد، وأصبح لدى تركيا فرص لإتمام وتنفيذ ثلاث مشروعات أو ثلاثة خطوط لنقل الطاقة. أحدها المشروع القطري–التركي، الذي سينقل الغاز من السعودية ودول الخليج عبر الأردن ثم إلى سوريا وتركيا. وهناك أيضاً مشروع آخر — يعتقد أنه — قد يمتد مما يسمى بخط الغاز العربي، الذي يبدأ من مصر باتجاه الأردن ثم لبنان وسوريا. هذا المشروع كان فاعلاً في مرحلة من المراحل وتعطل بسبب بعض الأحداث في سوريا. ويمكن أن تساهم تركيا أو تستفيد منه في حال استطاعت أن ينتهي الخط الحالي في الأراضي التركية، لتصبح لتركيا مكانة مهمة في محاور الطرق ومحاور نقل الطاقة المارة بالأراضي السورية عبر أراضيها.
ويشير كذلك إلى أن هناك حديثاً عن خط آخر أو مشروع آخر تفكر فيه الحكومة التركية، وهو مشروع مدّ مباشر للطاقة بين تركيا وسوريا، ومن شأنه أيضاً تقوية موقف الحكومة السورية واستغنائها عن بعض الإمدادات التي كانت تأتي إليها سابقاً من إيران ومن دول أخرى، مما يعزز قوة الحكومة السورية وموقفها الداخلي.
ويعلل الدكتور حسام أن هذا الأمر بلا شك يتقاطع مع المصالح الإسرائيلية التي تريد أن تظل سوريا دولة ضعيفة ومفككة وغير قادرة على السيطرة على مواردها. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه المشروعات التركية الثلاث — كما يوضح — لها تأثير مباشر على فرص إسرائيل لتكون مركزاً إقليمياً للطاقة في منطقة شرق المتوسط، ومن ضمنها مشروع “ميد إيست” الذي تنفذه إسرائيل حالياً مع قبرص واليونان ودول أخرى.
ويرى أن هناك تنافساً واضحاً بين الدولتين على مسألة محاور الطاقة المارة عبر الأراضي السورية. وهذا التنافس، في تقديره، سيستمر قائماً إلى أن يتم التواصل أو التوصل إلى معادلة سياسية ممكنة بين البلدين.
ويقول في هذا السياق إن هذا الأمر هو الاحتمال الأكبر، إذ لابد من حدوث تعاون بين القوتين الإقليميتين الأكبر ذات التأثير في الشأن السوري في الوقت الراهن، لأنه دون ذلك لن تتمكن أي دولة من تنفيذ المشاريع الحالية. فسوريا وإسرائيل وتركيا قوى إقليمية كبيرة.
والإدارة الأميركية — كما يشير — لا تريد أن يحدث صراع بين إسرائيل وتركيا بحكم التحالف بينهما، ولا تريد كذلك أن يحدث صراع على الأراضي السورية. ولذلك ستدفع باتجاه مقاربة للتعاون المشترك ومحاولة الوصول إلى حلول وسط تتحقق من خلالها الفائدة المشتركة أو بعض الفوائد، بحيث لا تتقاطع هذه الخطوط أو تتعارض مع بعضها البعض.
ويوضح أن هذا هو مضمون التنافس الحالي أو الفكرة الحالية حول الممرات الحيوية في سوريا، والتي يتوقع أنها ربما تحتاج إلى مزيد من الوقت حتى يتبلور شكل المنافسة بشكل نهائي باتجاه محدد.
خطر داخلي
في المقابل، يقول الدكتور أحمد ياسين، وهو خبير اقتصادي يقيم في لندن، لـ”963+”: إنه إذا لم تستطع الحكومة الانتقالية تجاوز الطائفية، والتعامل مع جميع مكونات الشعب السوري بشكل عادل، والسيطرة على الميليشيات والفصائل المسلحة — التي يمتلك كل فصيل منها استراتيجيته الخاصة وطريقة تعامله مع الأقليات — فإن ذلك سيقود، كما يشير، إلى وقوع بلاء كبير سيطاول سوريا والعالم كله.
ويضيف أن غياب أي استراتيجية قابلة للنجاح سيكون النتيجة الحتمية في حال عجز هذه الحكومة عن تجاوز الطائفية، موضحاً أن الطائفية تُمارس اليوم بشكل يومي ومقلق. ويشير إلى حوادث حصلت مؤخراً، متسائلاً: كيف يمكن لدولة أن تنهض في ظل هذا الواقع؟
ويتابع الدكتور ياسين موضحاً أن هناك مكونات من الأقليات تموت فقط لأنها تنتمي إلى طائفة محددة، معتبراً أن هذا هو الجواب الأساسي والوحيد: فإذا لم تستطع الحكومة معالجة هذا الخلل، فإن البلاء — كما يراه — سيقع على سوريا، وقد يأخذ شكل تقسيم خطير قد تشجع عليه إسرائيل بشكل مباشر، بحسب روايته.
ويشير إلى أنه يتجاوز في تحذيراته الجانب الاقتصادي وكل ما عداه، مؤكداً أن الأولوية المطلقة هي أن تتجاوز الحكومة الطائفية، وأن تحظى بدعم كامل من مختلف مكونات الشعب السوري. ويختم قائلاً: ما لم يتحقق ذلك، فلن يكون هناك أي أمل حقيقي في الخروج من الأزمة.










