في قضية أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الشعبية والرسمية في حلب، تقدّم رجل أعمال سوري بمقترح غير مسبوق للمحافظة: تبرع بمليون دولار لمشاريع تنموية في المحافظة مقابل تسمية أحد الشوارع الرئيسية باسم والده، وهذا الطلب فتح باباً للنقاش حول حدود العلاقة بين القطاع الخاص والمجال العام، وأخلاقيات التبرعات المشروطة، وسيادة القانون في حماية الملكية العامة من التخصيص الرمزي، فبين من يرى “الشارع مجرد اسم، بينما المليون دولار قد تُنقذ أسراً كثيرة أو تُصلح شبكة مياه أو كهرباء”. وبين من يحذر “الذاكرة والهوية ليست لمن يدفع ولا يمكن أن تكون في مزاد علني”.
وفي فرنسا عام 2016، رفضت بلدية باريس عرضاً مماثلاً من رجل أعمال لتمويل تجديد متحف مقابل تسميته باسم ابنه. وعلّقت عمدة باريس آنذاك آن هيدالغو بأن “التراث العام ليس للبيع، حتى لو كان الثمن إعادة تأهيله”.
ما الذي حدث؟
ظهرت مبادرة محلية بعنوان “حلب ست الكل”، ترافقت مع تعهدات مالية من رجال أعمال، بينها تعهد بمليون دولار من رجل أعمال، مع تداول معلَن عن وعد محافظ حلب بتسمية شارع باسم والد رجل الأعمال كنوع من التكريم المرتبط بالتبرع، أثارت الفكرة موجة رفض ونقاشات على المنصات الاجتماعية بدعوى أن أسماء الشوارع جزء من الذاكرة العامة وليست سلعة للمقايضة.
اقرأ أيضاً: استمرار التغيير الديمغرافي في سوريا: عفرين وريف حلب نموذجاً بارزاً – 963+
الأبعاد القانونية: ما يقول القانون السوري؟
ماهي التشريعات الناظمة لتسمية الشوارع في سوريا؟ وفقاً للمحامي الدكتور خالد الحسين، الخبير في القانون الإداري، فإن قانون الإدارة المحلية السوري رقم (107) لسنة 2011 وتعديلاته، يمنح المجالس المحلية صلاحية تسمية الشوارع والساحات العامة، لكنه يشترط أن تكون التسميات “لشخصيات ساهمت في خدمة الوطن والمجتمع بشكل استثنائي ومعترف به على نطاق واسع”.
ويضيف الحسين لـ”963+”: “القانون لا ينص صراحة على منع التبرعات المالية مقابل التسمية، لكن المبدأ العام في القانون الإداري يرفض ربط الخدمات العامة بمقابل مادي، مما قد يُعتبر مخالفاً لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص”.
من جهته يوضح نضال الحسيني وهو رئيس مجلس محلي سابق في تصريحات لـ”963+” أن تسمية الشوارع في سوريا تتطلب موافقة من المجلس المحلي للمنطقة الإدارية، وتتضمن الشروط العامة تقديم طلب رسمي وتوضيح سبب التسمية مع مراعاة الأمور التاريخية والوطنية والأدبية، وغالباً ما تُعتمد أسماء الأشخاص الذين ساهموا في بناء المنطقة، أو أسماء شخصيات وطنية هامة، أو حتى تسميات مرتبطة بالموقع الجغرافي، ويقوم المجلس المحلي بالنظر في الطلب واتخاذ القرار المناسب بناءً على اللوائح المعمول بها، ويُشرف المجلس على عملية اعتماد وتسمية الشارع، وتتبعها إجراءات تثبيت اللوحات التعريفية عليه، وأنواع الأسماء الشائعة.
كما يقول الحسيني، هي أسماء شخصيات وطنية هامة أو شخصيات ساهمت في بناء المنطقة، وتسميات مستوحاة من المواقع الجغرافية أو أسماء الأحياء القريبة، وقد تُختار الأسماء بناءً على أحداث تاريخية مهمة، خاصة تلك التي تتعلق بتاريخ المنطقة، أما ربط المساعدات الإنسانية بتسمية شارع باسم المتبرع فهناك حادثة مشابهة في عام 2018، حيث رفضت محكمة القضاء الإداري في دمشق طلباً مشابهاً مقدماً من عائلة ثرية، حيث قضت بأن “تسمية المرافق العامة حق للمجتمع بأسره، ولا يجوز تحويله إلى سلعة قابلة للشراء، حتى لو كان الغرض تمويل مشاريع تنموية”.
الأبعاد الاجتماعية والسياسية
الذاكرة والهوية ليست لمن يدفع ولا يمكن أن تكون في مزاد علني كما يرى الباحث الاجتماعي صالح خير الدين في تصريحات لـ”963+” لأن الشوارع تحمل أسماء شخصيات أو أحداث ذات إجماع أو قيمة تاريخية وثقافية، واختزال التسمية بمعيار القدرة المالية يهدد شرعية السردية المدنية، كما أن مزاج الرأي العام الرافض لهذه الظاهرة بشكل واسع على المنصات يعكس حساسية عالية لأي إشارة لبيع الرموز العامة، ويُظهر حاجة لآليات مشاركة مجتمعية قبل قرارات التسمية، أما في سياق الاقتصاد المحكوم بالندرة، وفي بيئة اقتصادية مأزومة، كل دولار يُحدث فرقًا، لكن ربطه بامتيازات رمزية قد يعمّق فجوة الثقة ويضعف استدامة مبادرات التكافل، والمجتمعات في مراحل الأزمات والحروب كما هي الحال السورية قد تميل لتقبل اختراقات في مبادئها تحت ضغط الحاجة.
ويضيف: “لكن هذه الاختراقات تترك آثاراً عميقة على المدى البعيد، حيث تتحول القيم الرمزية إلى سلع، وتُستبدل معايير التقدير العام من الإنجاز إلى الثروة، وتجنباً للانقسامات أو التجاذبات السياسية أو الاجتماعية التي قد تنشأ بسبب تبجيل أشخاص دون آخرين، يمكن تسمية الشوارع بأسماء المواقع الجغرافية السورية: مثل (شارع تدمر )، ( ساحة جبل قاسيون )، ( ساحة الكرامة)، واستخدام الأسماء التاريخية أو الثقافية المحايدة: مثل “شارع الحضارة”، “شارع الحرية”، “ساحة الثورة السورية” ويمكن تكريم الهوية الوطنية الشاملة عبر أسماء تعكس التراث، مثل “شارع الغار”، “ساحة السلام”، أو أسماء الصناعات والحِرَف التقليدية، فنحن بحاجة إلى بناء ذاكرة وطنية مشتركة تبتعد عن الأشخاص والأفراد، لأن التاريخ أثبت أن التبجيل الشخصي قد يقسمنا أكثر مما يوحدنا، وسوريا يجب أن تكون للجميع، وشوارعها وساحاتها رموز تمثل التنوع والجمال والقيم المشتركة التي توحدنا كسوريين”.
اقرأ أيضاً: أسواق حلب القديمة تربط الماضي بالحاضر – 963+
الأبعاد الأخلاقية: تضارب المصالح والرمزية العامة
تقول الإعلامية المتخصصة في قضايا المجتمع المدني لمياء الحبيب في تصريحات لـ”963+” أن هناك تجارب عالمية عالجت مثل هذا الطرح، ففي بعض الولايات الأميركية، تسمح القوانين المحلية بتسمية المرافق مقابل تبرعات، لكن بشروط صارمة، مثل أن تكون القيمة المقدمة تغطي 80% على الأقل من تكلفة الإنشاء، وأن تمرّ بقرار من المجلس البلدي بأغلبية خاصة (ثلثي الأعضاء)، وأن تخضع للاستفتاء الشعبي في المنطقة المعنية، لكن أن يترك الأمر بيد “المحافظ” فهذا يثير مخاوف بشأن المقايضة على أمور أخرى لا علم للشعب بها، كما أن أسماء الشوارع ترمز للهوية المشتركة والذاكرة الجمعية، وربطها بهِبة من متبرع يفتح باب “تسليع الرمزية العامة” وتحويل مرفق معنوي إلى مقابل مالي، وتتساءل عن عدالة التقدير؟ كيف يكون تكريم أصحاب المال دون مسار شفاف لمعايير الاستحقاق الأخلاقي أو المدني؟ هذا يُقصي فئات خدمت المدينة بلا موارد مالية، ويؤسس لعدم مساواة في الاعتراف العام، وربط التسميات بالتبرعات قد يُضعف ثقة الجمهور بصفاء نية المبادرات الخدمية، ويشجّع تصوّر “شراء المكانة” بدل المسؤولية الاجتماعية غير المشروطة، ويفتح باب الجدل الأخلاقي بين الإحسان والاستعراض.
ويدعم بعض أعضاء المجلس المحلي في حلب العرض، بحجة الوضع الاقتصادي الصعب، يقول عضو المجلس (طلب عدم ذكر اسمه) لـ”963+”: “المحافظة تحتاج لأي مورد مالي ممكن لإعادة تأهيل البنى التحتية، إذا كان بإمكاننا تسمية شارع باسم شاعر، فلماذا لا نسميه باسم شخص ساهم بمليون دولار لإعادة إعمار المدينة؟ الفائدة المادية ملموسة للمواطنين”.
من ناحية أخرى، يعتبر خبراء في الأخلاقيات العامة أن العرض يمثل “انحرافاً خطيراً عن مفهوم العمل الخيري”، ومنهم الدكتورة سهير الحسن التي قالت في تصريحات لـ”٩٦٣+”: “التبرع الحقيقي لا يشترط، والإحسان الذي يبحث عن مقابل رمزي هو شكل من أشكال الاستعراض وشراء الذاكرة الجماعية، وهذا يخلط بين مفهومي الإنجاز والثروة”.
وتحذر من أن “تقبل مثل هذه العروض يفتح الباب أمام تسليع الفضاء العام، حيث يصبح بإمكان الأثرياء شراء أسماء الشوارع والميادين والمدارس، بينما تهمل الشخصيات التي قدمت إسهامات حقيقية للمجتمع”.
وتضيف: “أسماء الشوارع انعكاس للهوية الوطنية وليس للأفراد لذلك يجب أن نبتعد عن الأسماء الشخصية التي تشتري بمالها ما تريد، ولأن الشوارع ملك لكل السوريين، يجب أن تحمل رموزاً تعبر عن التراث الوطني والثقافي والتاريخ المشترك، وليس تكريم أشخاص قد يكونون محل جدل أو خلاف”، مؤكدةً من أن “تقبل مثل هذه العروض قد يخلق سوقاً سوداء للرموز العامة، ويشوّه آلية صنع القرار، حيث قد تتفاوت القرارات حسب قدرة المتبرعين المالية، لا حسب احتياجات المجتمع وأولوياته التنموية”.
اقرأ أيضاً: قلعة حلب.. تاج معماري يحرس ذاكرة الشرق – 963+
بدائل مقترحة
اقترح عدد من سكان محافظة حلب الذين التقتهم “٩٦٣+” عدة بدائل قد تحقق التوازن بين الاحتياج المالي والحفاظ على المبادئ، فرح الجابر وهي طالبة جامعية تقترح قبول التبرع دون شرط التسمية، وتخليد اسم المتبرع بلوحة شكر في المشروع الممول، بينما يشير أحمد عبدالمجيد وهو معيد في الجامعة إنشاء “جدارية المحسنين” في مكان عام تذكر أسماء جميع المتبرعين الكبار دون ربطها بموقع معين.
أما محمود شريف سائق سيارة أجرة فيطالب بتشكيل صندوق وطني لإعادة الإعمار بضوابط شفافة تحول دون الربط بين التبرعات والمزايا الرمزية.
بينما يؤكد المحامي سمير الحميد على ضرورة تعديل القانون ليسمح بتسمية أجزاء من المشاريع (كقاعة في مستشفى أو جناح في مدرسة) مقابل تبرعات كبيرة، وليس الشوارع الرئيسية، مشيراً إلى أن قضية تسمية الشارع في حلب تكشف عن معضلة أخلاقية وقانونية عميقة تواجه المجتمعات في مراحل الانتقال وإعادة الإعمار، وأن الفقر لا يجب أن يدفعنا لبيع رموزنا، والحاجة لا يجب أن تجعلنا نتخلى عن مبادئنا، الوضع في حلب يستحق كل دعم مادي، لكنه يستحق أيضاً حماية ذاكرته العامة من أن تصبح سلعة في سوق المزايدات.
القرار النهائي للمحافظة لم يُعلن بعد، لكن مهما يكن، فإن هذه القضية ستترك أثراً في كيفية تعامل المجتمعات مع ترابط القيم المادية والرمزية في زمن الأزمات.










