تدل التطورات الأخيرة على وجود جهود دولية لدفع سوريا وإسرائيل نحو حوار مباشر يسعى لإرساء استقرار نسبي في المنطقة، مستفيدة من المرحلة الانتقالية في سوريا ورفع العقوبات عنها، لإتاحة فرصة للحكومة الانتقالية للانخراط في تفاهمات أمنية شاملة دون التنازل عن سيادتها، فيما يظل الموقف الإسرائيلي التقليدي واعتماد القوة العسكرية عامل تعقيد أساسي، يعكس أن أي تقدم في الحوار يعتمد على استمرار الضغط الدولي وتنسيق القوى الإقليمية والدولية ضمن بيئة تفاوضية قابلة للتحقق على الأرض.
ترامب يدعو إسرائيل للحوار
صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الاثنين، أن على إسرائيل “الحفاظ على حوار قوي مع سوريا”، مشيراً إلى رضاه عن النتائج التي تحققت في سوريا. وأضاف أن رفع العقوبات القاسية عن الحكومة السورية الانتقالية يساعدها على بناء “دولة مزدهرة”.
وتابع: “أن القيادة السورية والشعب السوري قدّروا أهمية رفع العقوبات، ومن الواجب أن لا يحدث شيء يتعارض مع بناء الدولة المزدهرة”.
ووصف ترامب ما يحدث بأنه “فرصة تاريخية كي تتمتع سوريا وإسرائيل بعلاقة طويلة”، مشدداً على أن النجاح الذي تحقق يسهم في السلام بالشرق الأوسط.
ويرى ممتاز سليمان المختص بالقانون الدولي في تصريحات لـ”963+” أن التصريحات التي أدلى بها ترامب والداعية إلى ضرورة حفاظ إسرائيل على حوار قوي وبنّاء مع الإدارة السورية الانتقالية برئاسة الرئيس أحمد الشرع، تمثّل تحولاً لافتاً في السياسة الخارجية الأميركية منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض.
ويوضح سليمان أن ترامب يسعى، وفق ما يظهر من مواقفه الأخيرة، إلى جعل الشرق الأوسط منطقة أكثر استقراراً عبر الدفع نحو حلّ النزاعات بالحوار وإيجاد أرضية لتفاهمات أمنية شاملة، خصوصاً بين إسرائيل وسوريا.
ويضيف أن الإدارة الأميركية مارست في الآونة الأخيرة ضغوطاً واضحة باتجاه تجميد العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا ورفع جزء منها، في إطار رؤية ترامب لـ”سوريا جديدة مستقرة”، ولا سيما بعد زيارة الشرع ووزير خارجيته الشيباني إلى واشنطن ولقائهما ترامب.
ويبيّن سليمان أن واشنطن تضغط على دمشق للانخراط في المسار الإبراهيمي وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، الأمر الذي يعكس توجه إدارة ترامب نحو إعادة تشكيل نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط، وهو ما سبق للرئيس الأميركي أن تحدث عنه مراراً، إضافة إلى تأكيد فريقه السياسي على المسار ذاته.
وفي المقابل، يشير المختص في القانون الدولي إلى أن الإدارة السورية الجديدة تبدو أكثر تجاوباً مع المطالب الأميركية، غير أن العقبة الأساسية تكمن في حكومة بنيامين نتنياهو التي وصفها بـ”المتطرفة”، معتبراً أنها أثبتت عدم رغبتها في الانخراط في عملية سلام أو تفاهمات أمنية مع سوريا ودول الجوار، واعتمادها نهج القوة والضربة الاستباقية، فضلاً عن استثمارها في بعض التوترات الداخلية تحت عناوين حماية الأقليات.
ويؤكد سليمان أن هذه الحكومة لا تظهر أي نية للدخول في مفاوضات سلام إلا في حال ممارسة الولايات المتحدة ضغوطاً جدية لإحياء العملية السلمية. وأضاف أن هناك معوقات أخرى أمام مشروع ترامب الهادف إلى تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة سلام، من أبرزها نفوذ اللوبي اليهودي داخل مؤسسات الدولة الأميركية، بما في ذلك الكونغرس ووزارة الدفاع وبعض الأجهزة الأمنية، ومساعيه للحد من الضغط الذي يمارسه ترامب على حكومة نتنياهو.
ويشدد سليمان على أن الولايات المتحدة، بوصفها قوة دولية كبرى ذات مؤسسات راسخة، “قادرة في نهاية المطاف على صياغة خياراتها في السياسة الخارجية، وأن دور اللوبي اليهودي سيظل محدوداً أمام قرار الدولة الأميركية”.
ضغط أميركي مباشر على نتنياهو
كشف موقع “أكسيوس” أن ترامب دعا نتنياهو خلال مكالمة هاتفية يوم الإثنين إلى التهدئة ووقف الأعمال العسكرية في سوريا، محذراً من استفزاز الحكومة السورية الانتقالية. وذكرت القناة الإسرائيلية “12” أن ترامب قال لنتنياهو: “اهدؤوا ولا تقوموا بخطوات استفزازية، الحكومة السورية الجديدة تحاول جعل البلاد مكاناً أفضل، ويجب مساعدتها”.
وأشار المسؤولون الأميركيون إلى أن استمرار الضربات الإسرائيلية قد يقوض فرص التوصل إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل.
ونقل أحد المسؤولين: “نحاول إقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوقف هذا، لأنه إذا استمر، سيدمر نفسه بنفسه ويفقده فرصة دبلوماسية ضخمة. يعد دعم جهود الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع لتحقيق الاستقرار في سوريا وتشجيعه على الانخراط في عملية سلام مع إسرائيل عنصرين أساسيين في استراتيجية إدارة ترامب”.
وأمس الثلاثاء، قال نتنياهو خلال زيارة الجنود الجرحى: “ما نتوقعه من سوريا هو بالطبع إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح من دمشق إلى المنطقة العازلة، بما في ذلك مداخل جبل الشيخ وقمة جبل الشيخ. عبر النية الحسنة وفهم هذه المبادئ، يُمكن التوصل إلى اتفاق مع السوريين، لكننا سنتمسك بمبادئنا في جميع الأحوال”.
ويؤكد الخبير في العلاقات السورية–الإسرائيلية خالد خليل، في تصريحات لـ”963+” أن المرحلة الراهنة تُعدّ دقيقة لكل من سوريا وإسرائيل، مع فرص محتملة لمصلحة دمشق في ظل تراجع نفوذ اليمين المتطرف في إسرائيل وبروز مرحلة جديدة تقوم على الدمج الاقتصادي والأمني.
ويوضح أن سوريا تمر بمرحلة انتقالية تأسيسية مع شبه غياب لمنظومة الردع العسكرية، بينما تواجه إسرائيل مرحلة حساسة خلال الأشهر العشرة المتبقية من ولاية نتنياهو، التي وصفها بأنها “حبلى بالألغام” نتيجة سياسات التصعيد العسكري ومحاولات فرض الهيمنة الإقليمية.
ويشير خليل إلى أن الأولوية الحالية تكمن في التوصل إلى تفاهم أو اتفاق أمني يضمن وقف الاعتداءات الإسرائيلية ويسمح لسوريا بإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية، مع احتمال أن تدفع الجهود الأميركية نحو اتفاق أمني، رغم أن سقف التوقعات الأميركية ما يزال مرتبطاً بانضمام سوريا ولبنان إلى اتفاقيات أبراهام وزوال اليمين المتطرف في إسرائيل.
ويلفت إلى أن مستقبل العلاقات قد يتحسن لاحقاً مع سعي نتنياهو للحصول على “مخرج مشرّف” سياسي، ما يمهد للمرحلة الأمنية–الاقتصادية الجديدة التي بدأت إرهاصاتها بتراجع المشروع الإيراني في سوريا وتفكك الكيانات ما قبل الدولة في المنطقة.
كما تناول خليل التطورات المتعلقة بمجزرة بيت جن، موضحاً أنها دفعت المؤسسة الإسرائيلية إلى إعادة حساباتها والعودة إلى التكتيكات الجوية والاغتيالات التقليدية، وأشار إلى مواقف باحثين ومسؤولين أمنيين إسرائيليين دعا فيها بعضهم إلى التفاوض مع دمشق وتأمين مصالح إسرائيل عبر اتفاق طويل الأمد مع إشراف أمريكي على الجنوب السوري.
ويضيف أن الضغوط الأميركية كشفت المراوغة الإسرائيلية وعززت موقف دمشق، مؤكداً أن سوريا لا تشكل تحدياً أمنياً لإسرائيل، وأن مجزرة بيت جن تمثل محطة مفصلية في العلاقات السورية–الإسرائيلية وانقلاباً مبكراً على التفاهمات الإقليمية ومسار المفاوضات.
زيارة المبعوث الأميركي باراك إلى دمشق
وصل المبعوث الأميركي توماس باراك إلى دمشق، حيث التقى الرئيس الشرع وبحثا المستجدات الأخيرة والقضايا ذات الاهتمام المشترك، بحسب بيان الرئاسة السورية على منصة “فايسبوك”.
ويرى حسن مرهج الخبير في الشؤون السورية والشرق أوسطية، أن سعي واشنطن لخلق حوار سوري–إسرائيلي لا يمكن فصله عن التحولات الكبرى التي يشهدها المشهد الإقليمي، خصوصاً مع الوجود الروسي والتركي داخل سوريا.
ويوضح مرهج في تصريحات لـ”963+”، أن هذا المسار يحمل في جوهره إعادة ترتيب لموازين القوى، إذ تعمل الولايات المتحدة من خلال دعمها لحكومة انتقالية في سوريا على دفع إعادة التموضع الإقليمي بما يخدم تحالفات جديدة تعيد رسم الخريطة الاستراتيجية للمنطقة، لتصبح سوريا ساحة مباشرة للمنافسة بين القوى الكبرى.
ويضيف أن واشنطن تحاول، عبر دعم السلطة الانتقالية، فرض معادلات استراتيجية جديدة تخضع المشهدين الأمني والسياسي لشروط مختلفة عن تلك التي كانت سائدة خلال السنوات الماضية.
ويشير إلى أن تصريحات الولايات المتحدة حول الحوار السوري–الإسرائيلي ليست مبادرة معزولة، بل تأتي ضمن سياق أوسع لصفقة إقليمية تهدف إلى إعادة بناء العلاقات بين الأطراف العربية والإقليمية.
ويلفت إلى أن ما يجري في سوريا مرتبط أيضاً بالتحولات في العلاقة مع تركيا، والتوتر القائم مع إيران، ورغبة بعض الدول العربية في المضي في مسار التطبيع مع إسرائيل ضمن تفاهمات أمنية واقتصادية جديدة.
وحول الظروف الداخلية في سوريا، يؤكد مرهج أن الحديث عن مفاوضات شاملة مع إسرائيل يصطدم بتحديات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، إذ لا تزال السلطة الانتقالية في مرحلة بناء الشرعية، وتواجه ضغوطاً داخلية من قوى مجتمعية وسياسية ترفض أي تسوية قد تُعدّ تنازلاً عن السيادة أو الحقوق الوطنية.
ويضيف أن الانقسامات داخل الساحة السورية، إلى جانب المخاوف من التدخلات الخارجية، تجعل من أي مفاوضات شاملة مهمة شديدة التعقيد.
ويختم بالقول إن “الضغوط الدولية تبدو وكأنها تهدف إلى تسريع مسار التسوية، لكنها تتجاهل في كثير من الأحيان طبيعة التحولات الداخلية وتعقيدات المشهد السوري، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة حول مستقبل سوريا ودورها في النظام الإقليمي، ويجعل مسار الحوار السوري–الإسرائيلي محاولة لإعادة رسم المنطقة، ولكنه يبقى مصطدماً بواقع داخلي شديد التعقيد”.
واعتمدت الجمعية العامة قراراً يطالب إسرائيل بالانسحاب من هضبة الجولان السورية المحتلة إلى خطوط 1967، وأكدت أن الضم الإسرائيلي لعام 1981 باطل ولا شرعية له. وصوّت لصالح القرار 123 دولة، وعارضه 7 دول، وامتنعت 41 دولة عن التصويت.
ورد مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون بالقول: “الجمعية العامة منفصلة عن الواقع لتصويتها لصالح القرار… إسرائيل لن تعود إلى خطوط 1967، ولن تتخلى عن الجولان لا الآن ولا في أي وقت”.
وأصدرت وزارة الخارجية السورية الانتقالية بياناً أعربت فيه عن شكرها للدول التي صوتت لصالح القرار، مؤكدة: “انخراط سوريا في أي محادثات تقنية مع إسرائيل لا يمثل بأي شكل من الأشكال تنازلاً عن الجولان السوري المحتل”.










