أثار إعلان الحكومة التركية فرض رسوم صحية على السوريين المشمولين ببطاقة الحماية المؤقتة جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية والدولية، القرار الذي سيدخل حيز التنفيذ في مطلع عام 2026، يُعد مفاجئاً بعد أكثر من 13 عاماً من تقديم خدمات طبية مجانية للاجئين السوريين في إطار خطط الدعم الحكومي والتمويل الدولي.
وجاء هذا القرار صادماً للسوريين والمنظمات الحقوقية بوصفه تحولاً جذرياً في سياسة الرعاية، فيما اعتبرته الحكومة التركية إعادة تنظيم للموارد الصحية وضماناً للمساواة بين جميع المقيمين على أراضيها، وبين من يرى القرار إجراءً اقتصادياً مبرراً، ومن يراه خطوة تزيد هشاشة اللاجئين في تركيا، يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد توازن بين متطلبات الدولة وحقوق الإنسان في الرعاية الصحية.
ومع اقتراب موعد التطبيق، ينتظر السوريون والجهات الدولية تفاصيل الرسوم وآليات التنفيذ، وسط دعوات لتفادي آثار إنسانية محتملة، ويبقى السؤال الأهم، هل تستطيع تركيا والمجتمع الدولي إيجاد توازن واقعي يحمي كرامة اللاجئ ويضمن استدامة الخدمات العامة؟
ضغوط اقتصادية وتراجع الدعم الأوروبي
تشير بيانات وزارة الصحة التركية إلى أن الدولة أنفقت أكثر من 14 مليار ليرة تركية خلال السنوات الخمس الماضية لتغطية مصاريف العلاج والخدمات الوقائية للسوريين المقيمين ضمن الحماية المؤقتة.
ويرى مسؤول في وزارة المالية التركية، أن القرار ليس تقشفياً بالمعنى التقليدي، بل “خطوة تنظيمية تهدف إلى تحقيق العدالة في توزيع الموارد وإشراك جميع المقيمين في نظام التأمين العام، ويضيف: “القطاع الصحي يعاني من ضغط مالي كبير، ووجود ملايين اللاجئين ضمن النظام المجاني جعل من الضروري إعادة النظر في آلية التمويل لضمان استمرارية الخدمة”.
إذاً صدر القرار وسيتعين على نحو مليونين و375 ألف سوري مشمولين بالحماية المؤقتة دفع رسوم المشاركة في التأمين الصحي العام (GSS)، وكانت هذه الفئة قد استفادت طوال السنوات الماضية من خدمات العلاج المجاني في المشافي الحكومية، ضمن اتفاقات وقوانين أقرّتها أنقرة منذ عام 2011 في إطار “سياسة الباب المفتوح”.
ومن جهتها وزارة الصحة التركية بررت القرار بتزايد الأعباء المالية على القطاع الصحي، إذ تجاوزت تكاليف العلاج والدعم المقدّم للاجئين عدة مليارات من الليرات سنوياً، ويرى بعض الخبراء أن القرار جزء من خطة الحكومة لضبط الموازنة العامة وتقليص الدعم المباشر للفئات غير التركية.
أما ردود المنظمات الدولية، فمن جهتها، عبّرت منظمات أممية، بينها مفوضية اللاجئين ومنظمة الصحة العالمية، عن قلقها من آثار القرار المحتملة، وفي بيان مشترك صدر في 27 نوفمبر 2025، أكدت المنظمتان على ضرورة “استحداث نظام دعم انتقالي يساعد السوريين ذوي الدخل المحدود على الاندماج في منظومة التأمين الصحي دون أن يُحرموا من الخدمات الأساسية”.
ما الذي يتغير للسوريين ابتداءً من 2026؟
بحسب الوثيقة الرسمية التي عممتها وزارة الصحة: سيتوجب على السوريين دفع رسوم رمزية عند مراجعة المستشفيات الحكومية، والاستفادة من خدمات الطوارئ ستظل مجانية بالكامل، والرعاية النسائية والولادة ستكون برسوم “مخفّضة”، والأطفال دون سن الخامسة سيحصلون على لقاحات مجانية وبرامج متابعة النمو، وأصحاب الأمراض المزمنة سيخضعون لـ”آلية دعم”، لكنها غير واضحة بعد، وتعتبر إحدى أبرز النقاط المثيرة للجدل هي عدم وجود آلية محددة حتى الآن لتمييز الأسر الأشد فقراً أو غير القادرة على الدفع.
ومن المتوقع أن يؤدي فرض هذه الرسوم إلى زيادة الأعباء الاقتصادية على السوريين المقيمين في تركيا، خصوصاً أن غالبية العاملين منهم يشتغلون في مهن غير رسمية لا تؤمن دخلاً ثابتاً أو تأميناً اجتماعياً، الناشط الحقوقي المحامي خالد الملا، وهو سوري مقيم في تركيا، يقول في تصريحات لـ”963+” متسائلاً: “هل يسمح إطار “الحماية المؤقتة” بفرض هذه الرسوم، أم أنه يفرض التزامات واضحة بتقديم الخدمات الأساسية مجاناً؟ هذا مالم تجب عنه الحكومة التركية، ومع ذلك بداية عام 2026 يدخل القرار بفرض رسوم صحية على السوريين الحاصلين على بطاقة الحماية المؤقتة حيز التنفيذ”.
ويضيف: “وعليه فإن نسبة كبيرة من السوريين العاملين، خاصة الذين يتقاضون أجوراً حوالي الحد الأدنى أو أقل، ستنفق نسبة كبيرة من دخلها الشهري على هذه الرسوم، مما يتركهم في وضع مالي هش يمكن أن يؤثر سلباً على قدرتهم على تغطية تكاليف المعيشة الأساسية مثل السكن والغذاء، وأشار إلى أن متوسط الراتب الشهري للسوريين العاملين في تركيا يختلف حسب المهنة والمنطقة، لكنه يقدر غالباً بأقل من الحد الأدنى للأجور التركية الذي يبلغ حوالي 22,104 ليرة تركية (حوالي 610 دولاراً) صافي في 2025، وغالبية السوريين يعملون في قطاعات مهنية غير رسمية برواتب أقل من هذا المتوسط بسبب طبيعة العمل ونقص الضمانات الاجتماعية”.
وبالنسبة للرسوم الصحية المتوقعة بعد تطبيق القرار الجديد، فقد تتراوح رسوم الاشتراك الشهري في التأمين الصحي ما بين 200 إلى 500 ليرة تركية حسب الخدمة ومستوى التغطية. مثلاً، تكلفة زيارة طبية أساسية قد تصل إلى 100-150 ليرة، وعلاج أمراض مزمنة مثل السكري أو ضغط الدم قد يكلف شهرياً 300-400 ليرة تركية من الأدوية والفحوصات، وهذا يشكل عبئاً مالياً ثقيلاً مقارنة بدخلهم الشهري، هذه الفجوة بين الدخل والرسوم تظهر التحدي الكبير الذي يواجهه اللاجئون في تحمّل التكاليف الصحية المتوقع فرضها، وتبرز الحاجة الملحّة لتصميم آليات دعم مالية أو إعفاءات تستهدف أصحاب الدخل المحدود لضمان استمرار حصولهم على الخدمات الصحية الضرورية دون مخاطر اجتماعية واقتصادية كبيرة، بحسب الملا.
وتقول الناشطة الحقوقية ابتسام الخلف من منظمة “المرصد السوري للحقوق والحرية” لـ”963+”: “نحن أمام قرار غير مدروس، والأغلبية الساحقة من حاملي البطاقة المؤقتة يعيشون تحت خط الفقر، وأي رسوم، حتى وإن كانت رمزية، تعني حرمانهم من العلاج، هذا قد يؤدي إلى تفشي أمراض يمكن الوقاية منها، وارتفاع في معدلات وفيات الأطفال والأمهات”.
اللاجئون السوريون ما بين الأثر الاجتماعي والاقتصادي
قرار الرسوم الصحية يعكس معادلة معقدة تجمع بين الحاجة لضبط الإنفاق الحكومي وضمان الحق في العلاج، وبينما تصفه الحكومة بأنه إصلاح بنيوي ضروري، يراه كثير من السوريين بداية مرحلة أكثر صعوبة مع استمرار تراجع فرص العمل والدخل.
ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور أرول دمير من جامعة إسطنبول التقنية لـ”963+” إن القرار يعكس توجه الدولة نحو خفض الدعم المباشر عن الخدمات العامة، ويوضح أن “النظام الصحي التركي تحمّل خلال السنوات الماضية ضغطاً إضافياً يفوق 7% من ميزانية وزارة الصحة نتيجة تقديم الخدمات المجانية للاجئين.
ويتابع: “فرض الرسوم لا يعني بالضرورة إقصاء السوريين عن الخدمات، بل هو وسيلة لضمان مساهمة مالية رمزية تتيح استمرار الخدمة وتخفيف العجز،” مؤكداً لم يعد الأمر مجرد “حماية مؤقتة”، بل أصبح عبئاً اقتصادياً دائماً.
لكن النقاش لا يقتصر على الاقتصاد فقط، إذ يحذّر مختصون في شؤون اللاجئين من الأثر الاجتماعي لهذه الخطوة.
وتقول الباحثة في الشأن الإنساني بجامعة أنقرة، ديلارا أوزجان لـ”963+”: “أي نظام صحي يعتمد على الدفع المسبق قد يحد من وصول الفئات الهشة، خصوصاً إذا لم يترافق بآلية دعم للفقراء، وذكرت أنه في استطلاع أجرته صحيفة “جمهوريت” التركية خلال نوفمبر 2025، قال 63% من السوريين المستطلعة آراؤهم إنهم “غير قادرين على تحمّل رسوم التأمين الجديدة”، بينما عبّر 21% فقط عن استعدادهم للاشتراك في النظام الجديد.
وبينما تتبلور غالبية وجهات نظر اللاجئين نحو فكرة “نحن لا نرفض المساهمة، لكن نحتاج نظاماً يتناسب مع مستوى الدخل الحقيقي”، كم عبر عنها أبو سعيد، وهو عامل سوري في مجال البناء بمدينة أضنة.
ويضيف: “دخلنا الشهري لا يتجاوز 10 آلاف ليرة، بينما تكاليف المعيشة ترتفع باستمرار، إذا فُرضت رسوم إضافية، سنضطر إلى الاستغناء عن العلاج في كثير من الحالات”.
ويقول أحمد السعدي، وهو لاجئ سوري يقيم في غازي عنتاب: “نخشى أن نُحرم من العلاج إذا لم نتمكن من دفع الرسوم، الطبابة حق أساسي وليس رفاهية”.
بينما يرى جهاد العبود (55 عاماً)، وهو مهندس سوري يعمل في مصنع، أن “التكلفة قد تكون مقبولة إذا كانت في إطار نظام تأميني عادل يضمن لنا خدمة مستدامة. المشكلة ليست في المبدأ، بل في القدرة المالية للأسر وغياب البديل”.
خيارات ثلاثة أمام اللاجئين السوريين
يرى الناشط في حقوق الإنسان والحريات عباس صابوني في تصريحات لـ”963+” أنه مع دخول القرار حيّز التنفيذ مطلع 2026، يبرز أمام اللاجئين السوريين في تركيا ثلاثة خيارات محتملة: الأول أن ينجح جزء منهم في الاندماج ضمن نظام التأمين الصحي عبر دفع الرسوم، ما يحد من صدمتهم بالقرار لكنه يبقي العبء المالي قائماً، خاصة على الأسر الكبيرة وذوي الأمراض المزمنة، أما الخيار الثاني هو لجوء شريحة واسعة إلى تقليل زياراتها للمستشفيات والاكتفاء بالعلاج الذاتي أو الصيدليات، وهو ما قد يرفع نسب المضاعفات الصحية والأمراض غير المشخَّصة في الأحياء المكتظة بالسوريين، وأخيراً الخيار الثالث يتعلق بمدى استعداد الحكومة التركية والمنظمات الدولية لتفعيل آليات الإعفاء والدعم، إذ يمكن أن يخفّض توسيع شريحة المستثنين من الرسوم أو دعم الاشتراكات للفئات الأشد فقراً من الآثار السلبية، ويحوّل القرار من عبء كامل إلى إصلاح تدريجي أقل إيلاماً.
ويرجّح صابوني أن يؤدي تنسيق أوثق بين البلديات والمنظمات الأممية إلى إنشاء صناديق مساعدة محلية، تدعم الأسر غير القادرة على الدفع وتضمن استمرار خدمات حيوية مجانية مثل اللقاحات وفحوص الأمراض المعدية وبرامج صحة الأم والطفل، التي أكد القرار استمرارها دون رسوم، ودعا إلى حملات توعية باللغة العربية تشرح للسوريين آليات التسجيل في التأمين، وكيفية طلب الإعفاء، والجهات المسؤولة عن تلقي الشكاوى، حتى لا يتحول الغموض الإداري إلى عائق إضافي أمام حقهم في الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية.










