منذ 2011 تحوّلت الملكية العقارية إلى ملف شديد الحساسية بسبب نزوح الملايين وصدور المرسوم 66 والقانون 10 اللذين يفرضان مهلاً قصيرة وإثباتات شبه مستحيلة للغائبين، ما يهدد بفقدان الملكيات وتحويلها لأسهم منخفضة القيمة عبر لجان تقدير واسعة الصلاحيات. وترى منظمات دولية أن هذه التشريعات تستخدم فعلياً لإقصاء المالكين وتغيير الخريطة الديموغرافية في مناطق مدمّرة أو غير موالية، فيما تبقى التعويضات غير عادلة ولا تضمن العودة. ويؤكد خبراء أن استمرار هذه القوانين يرسّخ آثار سياسات الإقصاء ويستدعي مراجعة شاملة لحماية حقوق السوريين داخل البلاد وخارجها.
إقصاء للمالكين
يقول نبيل شوفان، الصحفي المقيم في فرنسا، لـ “963+”: القانون رقم 10 لعام 2018 والمرسوم 66 يفتحان باب الإقصاء واسعاً أمام النازحين والمهجّرين، إذ يفرضان مهلاً قصيرة لإثبات الملكية وإجراءات يصعب على الغائبين تلبيتها، ما يؤدي إلى خسارة الملكيات تلقائياً. ويشير إلى أن كثيرين فقدوا وثائقهم، وأن الإعلان عن المناطق التنظيمية عبر قنوات رسمية محدودة لا يصل إلى معظم المتضررين، ما يجعل الإقصاء واقعاً عملياً لا “قصوراً غير مقصوداً”، بل آلية لإعادة توزيع الملكيات في سياق الإعمار.
ويوضح شوفان أن تطبيق القانونين يُدرج مناطق واسعة ضمن مخططات جديدة مثل “ماروتا سيتي” و“باسيليا سيتي”، مع إعادة رسم الشوارع والبنى التحتية بما يغيّر البنية العمرانية الأصلية ويفتح المجال للاستحواذ على الأراضي عبر أدوات قانونية، ما يفقد المالكين—خصوصاً النساء والأيتام والنازحين—حقوقهم دون علمهم. ويرى أن هذه السياسات تعيد تشكيل الخريطة السكانية وتؤسس لهندسة ديموغرافية مرتبطة بآليات الإعمار.
وينبّه شوفان إلى أن التعويضات وبدائل السكن غير كافية ولا تعالج فقدان الملكية، إذ يمنح القانون بدل إيجار للمستأجرين فقط ولا يوضح مصير المالكين، ما يجعل التشريع “غامضاً” وفق هيومن رايتس ووتش. ويرى أن التركيز على إعادة الإعمار في مناطق موالية أو لصالح مستثمرين نافذين يعمّق مخاوف التغيير السكاني، ويعيد توزيع الملكيات لصالح فئات محددة على حساب سكان خسروا منازلهم وأحيائهم بالكامل.
اللجان الفنية وإعادة توزيع الملكية
يقول مصطفى هاني إدريس، عضو مركز رؤى للدراسات والأبحاث السياسية والمقيم في اللاذقية، لـ “963+”، مجيباً على سؤال: “إلى أي مدى تفتح شروط إثبات الملكية والتسجيل في القانونين 10 و66 الباب أمام إقصاء شريحة واسعة من المالكين والنازحين، وما أثر ذلك على البنية الديموغرافية للمناطق المشمولة بإعادة الإعمار؟”
يرى إدريس أن “شروط إثبات الملكية والتسجيل في كل من القانون رقم 10 لعام 2018 والقانون رقم 66 لعام 2012 تُعد، في الواقع الميداني، أدوات فعالة للإقصاء وليست مجرد إجراءات تنظيمية”. ويوضح أن “هذه القوانين تفرض على المالكين، وخاصة النازحين واللاجئين، عبئاً شبه مستحيل يتمثل في إثبات ملكيتهم خلال فترة زمنية قصيرة”.
ويشير إلى أنها “تتطلب في الغالب حضوراً شخصياً أو توكيلاً رسمياً موثقاً من قبل سفارات النظام، وهو أمر صعب التحقيق للملايين ممن غادروا البلاد”. ويضيف: “هذا الإجراء يفتح الباب واسعاً أمام المصادرة الفعلية للعقارات”. ويبين أنه “عندما يفشل المالك الغائب في إثبات حقه، يتم تحويل ملكيته إلى أسهم تعويضية ذات قيمة منخفضة، مما يجعله عملياً يبيع حقه أو يتنازل عنه”.
ويحلل إدريس الأثر الديموغرافي قائلاً: “أما الأثر على البنية الديموغرافية فهو أثر مقصود وممنهج”. ويؤكد أن “هذه الآليات تضمن أن المالكين الأصليين الذين عارضوا النظام أو فروا من النزاع لن يكونوا قادرين على العودة واستعادة ممتلكاتهم”. ويستنتج أن “بالتالي، يتم إفساح المجال أمام تغيير البنية السكانية للمناطق الاستراتيجية والمدمرة، وتسهيل انتقال الملكية إلى مستثمرين مقربين أو فئات موالية”. ويشير إلى أن هذا “مما يعيد تشكيل الخارطة الديموغرافية والولاءات في تلك المناطق”.
يجيب إدريس: “يُمنح ‘اللجان الفنية’ المشكلة بموجب هذه القوانين سلطات تقديرية واسعة ومطلقة، وخاصة في تقييم قيمة العقارات ضمن المناطق التنظيمية”. ويوضح أن “تُستخدم هذه التقديرات لخدمة غرضين أساسيين يصبان في تغيير نسب الملكية”.
ويشرح: “أولاً: يتم غالباً تقييم العقارات بأسعار بخسة لا تعكس القيمة الحقيقية للسوق ولا تكفي المالك لشراء مسكن بديل”. ويقول: “هذا التقييم المتدني يُعد خطوة أولى نحو الإزاحة الاقتصادية للمالك الأصلي”. ويكمل: “ثانياً: تتمثل الآلية الرئيسية في تحويل حقوق الملكية إلى أسهم في المنطقة المنظمة”.
ويبين أن “يجد المالك نفسه أمام أسهم بدلاً من عقار ملموس، مما يُضعف مركزه التفاوضي”. ويشير إلى أن “هذه الأسهم، خاصة بالنسبة للممتلكات الصغيرة، لا تخوله بالضرورة الحصول على شقة بنفس المساحة أو الموقع، وقد يضطر لبيعها”.
ويستطرد إدريس قائلاً: “هذه العملية تفتح الباب لكبار المستثمرين الذين غالباً ما يكونون مرتبطين بالسلطة لشراء هذه الأسهم المتبقية وتجميعها”. ويضيف: “وبالتالي التحكم في إعادة الإعمار وإعادة توزيع الأراضي بطريقة تضمن تملك مساحات واسعة”.
ويخلص إلى أن “هذا يُعيد تشكيل الخارطة السكانية من خلال تذويب الملكيات الفردية واستبدالها بملكيات لشركات كبيرة”. ويوضح أن هذا “مما يغير التركيبة الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة ويؤدي إلى استيطان فئات جديدة فيها”.
مخاطر المالك الغائب ودور السلطات
يؤكد إدريس أن “حجم المخاطر التي يتعرض لها المالك الغائب أو النازح هو مخاطر فقدان كامل لحقه العقاري”. ويوضح أن “الاشتراطات الإجرائية، كالحاجة إلى التوكيل الرسمي، وتقديم الوثائق الثبوتية الأصلية التي فُقدت أو تلفت بفعل سنوات الحرب، تُعد عائقاً إدارياً لا يمكن تجاوزه بالنسبة لمعظم اللاجئين والنازحين”.
ويشير إلى أن “هذه الاشتراطات ليست مجرد تدابير بيروقراطية، بل هي آليات مُنشأة لإدارة النزاع وتأمين مصادرة الممتلكات”. ويضيف: “إن فشل المالك الغائب في تلبية هذه الشروط يضع عقاره تحت خطر التحويل إلى ملكية عامة أو لصالح الهيئة المنظمة”.
ويحلل إدريس الانعكاسات الديموغرافية قائلاً: “هذا الوضع ينعكس بشكل مباشر على التوازن الديموغرافي للمنطقة”. ويوضح أنه “إذا كان الملايين من الغائبين غير قادرين على استعادة حقوقهم العقارية، فإن ذلك يعني أن خيار العودة يُسحب منهم فعلياً”.
ويشير إلى أن “هذا يرسخ التغيير الديموغرافي الذي حدث خلال سنوات الثورة، ويحول المناطق المدمرة إلى مناطق يمكن أن يتم إعادة توطينها ببطء من قبل فئات سكانية جديدة تخدم الأجندات السياسية والأمنية للنظام”.
ويستنتج أن هذا “مما يؤدي إلى تجميد الوضع الديموغرافي الحالي”. ويختتم قائلاً: “طبعاً هنا نتحدث عن نهج النظام المخلوع مع مراعاة إعادة النظر بهذه القوانين لتفعيلها، وإن لم يكن هناك إعادة نظر فلن يختلف الحال عما كان عليه”.
ويجيب إدريس: “تلعب السلطة والمستثمرون أدواراً متكاملة ومحورية في توجيه مشاريع إعادة الإعمار، وهي أدوار مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاعتبارات السياسية والأمنية”. ويشرح: “دور السلطة يتمثل في استخدام صلاحياتها لـ تحديد المناطق التي سيتم تطبيق القوانين التنظيمية عليها”.
ويشير إلى أنه “غالباً ما يتم اختيار المناطق التي تعرضت لدمار كبير، أو تلك ذات الأهمية الاستراتيجية بالقرب من المراكز الحضرية الكبرى”. ويوضح أن “هذا الاختيار يتم وفق أولويات أمنية وسياسية تهدف إلى تأمين حماية لهذه المناطق بشكل دائم من أي محاولات تخريب”.
ويكمل: “أما المستثمرين فيتمثل دورهم، وهم في الأغلب شركات واجهات مرتبطة بالسلطة أو رجال أعمال مقربين، في الاستحواذ على حقوق التطوير، وشراء الأسهم العقارية من المالكين الغائبين أو المكرهين على البيع”. ويضيف: “هذا يضمن أن تكون عملية إعادة الإعمار في أيدي من يخدمون أجندة السلطة”.
ويقول: “لاحظوا أننا هنا مازلنا نتحدث عن قوانين صدرت أيام النظام الساقط، وحتمية إعادة النظر فيها واجب لنفي الأهداف القذرة لصدورها”. ويشدد على أن “وبما أن الهدف منها بكل المعاني تحقيق الأهداف القذرة، فإن هذا التوجيه المشترك يهدف إلى إعادة تشكيل الهوية السكانية لتلك المناطق”.
ويوضح أنه “من خلال منع عودة السكان الأصليين وتسهيل توطين فئات جديدة موالية أو مرتبطة بأجهزة أمنية وعسكرية، يتم استخدام إعادة الإعمار كأداة لـ تغيير الولاء الديموغرافي وتثبيت السيطرة على الأرض، وتحويلها من مناطق مُهدِدة إلى مناطق داعمة للنظام”.
جدوى التعويضات وعدالتها
يجيب إدريس: “بشكل عام، ووفقاً لتقارير المراقبين والمنظمات الحقوقية، فإن التعويضات المالية وبدائل السكن التي تنص عليها هذه القوانين لا تُعد كافية أو عادلة في أغلب الحالات”. ويوضح أن “المشكلة الأساسية تكمن في طريقة التقييم المتدنية للعقارات، والتي لا تتناسب مع أسعار السوق الحالية أو تكلفة المعيشة”.
ويشرح: “التعويضات الممنوحة نادراً ما تكفي لتمكين المالك الأصلي من شراء مسكن بديل بنفس المستوى في منطقة حضرية”. ويبين أن هذا “مما يضعه أمام خيار صعب: إما قبول التعويض النقدي الزهيد الذي يدفعه للبحث عن مأوى في مناطق ريفية أو نائية، أو الانتظار للحصول على حصة سكنية صغيرة في المشروع الجديد، وهو أمر قد يستغرق سنوات”.
ويحلل الآثار قائلاً: “هذا الوضع لا يقتصر على كونه إجحافاً اقتصادياً، بل هو آلية للإزاحة القسرية غير المباشرة”. ويوضح أنه “من خلال تقديم تعويضات غير مجدية، يتم دفع السكان الأصليين بشكل فعال إلى الخروج من محيطهم التاريخي والاجتماعي”.
ويشير إلى أن “وهذا يخدم هدفاً أوسع وهو إفساح المجال لتغيير سكاني مقصود سابقاً وقد يكون غير مقصود حالياً”. ويضيف: “حيث تتولى شركات الاستثمار والمقربين من السلطة عملية البناء والتطوير لإسكان فئات جديدة أو فئات موالية”. ويستنتج أن هذا “مما يعزز أجندة إعادة التشكيل الديموغرافي”.
يختتم إدريس حديثه بالقول: “في الختام، التأكيد على ضرورة أن نضع هذه القوانين التشريعية، وتحديداً القانونين 10 و66، في سياقها التاريخي والسياسي”. ويشير إلى أن “هذه التشريعات العقارية صدرت في عهد النظام الساقط، وتستمر السلطات الحالية في العمل بها بشكل فعلي”. ويوضح أن هذا “ما يعني أن الاستمرارية في تطبيقها هي استمرارية في تحقيق الأهداف والمشاريع الخاصة بالنظام السابق، بما في ذلك الأهداف المتعلقة بإعادة التشكيل الديموغرافي للمناطق الحضرية”.
ويطالب إدريس بـ “في ظل المرحلة الحالية، وأمام التحديات الإنسانية غير المسبوقة ووجود الملايين من النازحين واللاجئين، يجب بكل تأكيد على أي سلطة تسعى لتحقيق الاستقرار والعدالة أن تعيد النظر جذرياً في هذه القوانين”.
ويحذر من أنه “لا يمكن بناء سوريا الجديدة على أساس قوانين ترسخ الإقصاء وتشرعن المصادرة غير المباشرة للممتلكات”. ويخلص إلى أن “الحل يكمن إما في تعليق العمل بهذه القوانين بالكامل وإصدار تشريعات جديدة شفافة، أو إجراء تعديلات جوهرية تضمن الحقوق العقارية للمالكين الغائبين، وتوفر لهم آليات عادلة ويسيرة لإثبات ملكيتهم عن بعد”. ويشدد على أن هذا “بما يضمن وقف المشاريع الديموغرافية القائمة على الإزاحة”.










