تلقت سوريا مؤخراً شحنتها الثانية والأخيرة من المنحة السعودية للنفط الخام، ليصل إجمالي الكمية إلى 1.65 مليون برميل، لتشكل ما يشبه “حقنة أوكسجين” عاجلة لجسد منهك اقتصادياً، هذه الشحنة، التي استُقبلت بترحيب رسمي وارتياح شعبي حذر، وسط تساؤلات حول مستقبل الطاقة في البلاد، فهل تشكل هذه المنحة بداية عهد جديد من التعافي الطاقي؟ أم أنها مجرد تهدئة لأزمة هيكلية؟ وكيف ستتعامل الحكومة السورية مع فترة “ما بعد المنحة”؟ وهل تتجه للاكتفاء الذاتي أم ستستمر المنح؟ وهل نحن أمام تحول استراتيجي يعيد دمشق إلى حاضنة “الدعم النفطي العربي”، أم أنها مجرد “مسكّن” مؤقت لألم مزمن؟ وكيف سينعكس ذلك على أسعار المحروقات؟ وماهي البدائل الحكومية المتاحة؟
تفاصيل المنحة السعودية وأبعادها
وقّع الصندوق السعودي للتنمية ووزارة الطاقة السورية مذكرة لتقديم منحة نفطية قدرها 1.65 مليون برميل، وصلت على دفعتين إلى بانياس في 17 و23 نوفمبر 2025، بهدف دعم قطاعي الطاقة والاقتصاد وتعزيز التعاون بين الرياض ودمشق، في إطار مسار سعودي لإعادة ترميم العلاقات مع سوريا بعد العزلة، خصوصاً مع توقف إمدادات المحروقات التي كانت تأتي سابقاً من إيران عقب سقوط نظام الأسد.
المهندس محمد الخليل مدير سابق في وزارة النفط، يوضح في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن لدى سوريا مصفاتان رئيسيتان: مصفاة بانياس بطاقة تصميمية تصل إلى حوالي 120,000 برميل يومياً، ومصفاة حمص بحوالي 100,000 برميل يومياً، لكن التكرير الفعلي قد تأثر بسبب تلف البنية التحتية وسوء توفر الخام، خاصة مع توقف بعض الواردات، وهذه البنية التحتية التكريرية معرضة للخطر حتى مع المنحة، فهناك تحدي تشغيل المصافي بكفاءة إذا لم يكن هناك تدفق خام منتظم ومستقر، إذا توقفت المنح، فإن المصافي قد تعود لتواجه الصعوبات.
وحتى الآن لم تُعلن جهات سعودية عن أن المنحة ستكون متكررة، ويبدو أنها دفعة أولى تحت إشراف الصندوق السعودي للتنمية ومراقبة من وزارة الطاقة السعودية، إلا أن تحركاً جديداً من الحقول في الشمال الشرقي حيث تم نقل النفط من (المناطق التي تسيطر عليها قوات قسد) إلى الحكومة المركزية، والذي تم استئنافه مؤخراً، ما يوفر شرياناً داخلياً مهماً، وهذا التحرك يسمح لدمشق أن تحصل على بعض الخام المحلي من هذه المناطق ويقلل من الاعتماد على الخارج، بحسب الخليل.
لغة الأرقام.. ماذا تعني المنحة في “ميزان العجز”؟
لفهم تأثير الشحنة السعودية، يجب أولاً تشريح الواقع الرقمي لاحتياجات سوريا النفطية، بلغة الأعمال وبعيداً عن العواطف، كما يرى خليل، ووفقاً لأحدث البيانات من وزارة الطاقة السورية، حول الإنتاج المحلي في مناطق سيطرت الحكومة السورية حالياً ما يقارب 20,000 إلى 25,000 برميل يومياً فقط، بينما تقع أغلب الآبار النفطية ذات الإنتاجية العالية (شرق الفرات) خارج سيطرتها، والتي كانت تنتج قبل الحرب ما يزيد عن 380,000 برميل، أما الاحتياج الفعلي لكي تدور عجلة الاقتصاد السوري (صناعة، نقل، كهرباء) بالحد الأدنى المقبول، تحتاج البلاد إلى ما يقارب 100,000 إلى 125,000 برميل يومياً، أي أن الفجوة اليومية تشير إلى عجز يتراوح بين 80,000 إلى 100,000 برميل، أمام هذا “الرقم” ماذا تفعل المنحة؟
ويضيف: إن عملية حسابية بسيطة تخبرنا بالحقيقة الصادمة: “هذه الشحنة، رغم أهميتها السياسية والمعنوية، لا تغطي سوى حاجة سوريا لمدة حوالي بين 30 و45 يوماً فقط في حال تم ضخها لتغطية كافة القطاعات” إذاً اقتصادياً، المنحة ليست حلاً، بل هي “جسر” قصير جداً للعبور من شهر إلى آخر، فماذا ما بعد الشحنة، وماهي احتمالات “اليوم التالي”، فالسؤال المنطقي هنا: كيف ستعوض دمشق احتياجاتها بعد استهلاك هذه الشحنة؟
ويؤكد خليل: نحن أمام مفترق طرق تحكمه ثلاثة احتمالات، أما “استئناف المنح” (التفاؤل السياسي) ومن الصعب توقع “نهر نفطي” دائم، فالاستمرار في طلب المنح الخارجية حسب التصريحات الرسمية التي تعول على أهمية الدعم الخليجي -خاصة السعودية- في تحقيق استقرار إمدادات الطاقة، غير أن المنحة الحالية وصفت بأنها استثنائية وليست بداية لسلسلة منح دورية، ومن غير المؤكد حتى الآن وجود خطط فورية لمنح لاحقة، وسط دعوات رسمية وشعبية لتمديد أو تكرار المنح، أو تحقيق “الاكتفاء الذاتي” وهذا يتطلب استعادة حقول الشرق (الرميلان والعمر)، وهو أمر مرهون بتوافقات سياسية محلية
وإقليمية ودولية، أما الرهان على الآبار الصغيرة المتاحة حالياً لن يغطي سوى 25% من العجز في أحسن الأحوال، إذاً تعزيز الإنتاج المحلي.
وبحسب ما تظهر البيانات الرسمية فإن إمكانية رفع الإنتاج المحلي محدودة في الأمد المنظور دون استثمارات كبيرة أو استعادة لمناطق غنية بالنفط خارج السيطرة الحكومية حالياً، بحسب خليل، مضيفاً: “الاحتمال الثالث والأخير هو طرق أبواب الحلفاء الجدد، لكن بشروط مالية أقسى (الدفع النقدي أو المقايضة بالسلع والاستثمارات السيادية)، وخاصة بعد توقف الخط الائتماني الإيراني ومحدودية مصادر أخرى بسبب العقوبات والصعوبات اللوجستية”.
وأمام هذا الواقع يقترح خليل أن تدرس الحكومة الانتقالية “تشجيع الاستثمار في التنقيب وإعادة تأهيل الحقول النفطية القائمة، والحفاظ على المخزون الاستراتيجي من المحروقات، وترشيد توزيعها على القطاعات الأكثر حيوية كالكهرباء والنقل، وتكثيف الحملات الحكومية لمكافحة تهريب المشتقات وبيعها في السوق السوداء، وتعزيز برامج ترشيد الاستهلاك والطاقة البديلة وتسريع توسيع مشاريع الطاقة المتجددة (شمسية، ريحية) وتشجيع الترشيد في الاستهلاك العام والمنزلي، كما يجب منح ملف الطاقة أولوية قصوى في برامج الإعمار، وتخصيص موارد استثنائية لمشاريع الإنتاج المحلي، والانفتاح على مزيد من الاتفاقيات الخارجية لبناء منظومة أمن طاقي أكثر استدامة”.
انعكاسات المنحة على الأسعار.. هدوء مؤقت قبل العاصفة:
يرى الخبير علي فلوح أن المنحة النفطية خفّضت ضغط الأسعار مؤقتاً، مع استقرار رسمي وهدوء في السوق السوداء بسبب توفر المادة، وتراجع فوري بأسعار المحروقات بعد الإعلان عن وصول الشحنات، فيما يُتوقع لاحقاً—بعد نفادها—اتجاه حكومي لرفع الأسعار تدريجياً لمجاراة التكاليف العالمية وسعر الصرف، حتى مع استمرار الإمدادات.
لكن فلوح يحذر في حديثه لـ “963+” من أن هذا الانخفاض هو “فقاعة مؤقتة” والسوق تعمل بمنطق العرض والطلب، والمنحة زادت العرض بشكل مفاجئ، فانخفض السعر، لكن بمجرد أن يبدأ مخزون المنحة بالنضوب، ومع عدم وجود مصدر دائم بديل، ستعود الأسعار للارتفاع، وإذا لم يكن هناك إدارة جيدة للتكرير، أو إذا الكميات غير كافية لتلبية الطلب الأساسي، قد لا تنخفض الأسعار كثيراً أو لفترة طويلة، وهناك أيضاً احتمال أن يكون جزء من النفط الممنوح مخصص للاستعمال الصناعي أو قطاع الكهرباء، وليس بالضرورة لتلبية الطلب في السوق، مما قد يقلل من الأثر المباشر على أسعار التجزئة، ولكن الطلب على المحروقات مرتبط دائماً بالسياسة، وإذا استمرت الحكومة في الاعتماد على المنح، قد يكون هناك ضغط سياسي للحفاظ على الأسعار ضمن نطاق معين، لكن إذا تحول الاعتماد إلى استيراد تجاري خاضع لسوق دولي، قد تتقلب الأسعار حسب أسواق النفط العالمية.
ويختم فلوح بالقول: انتهت شحنات المنحة السعودية، ومعها دخلت سوريا اختباراً جديداً في ملف المحروقات، والحاجة ماسة لاختيارات استراتيجية بعيداً عن حلول الإسعاف الطارئة، عبر مزيج من دعم الحلفاء، وتفعيل البدائل الوطنية، وخفض الهدر والترشيد. ويبقى مستقبل الأسعار رهن توفر موارد الطاقة والظروف الإقليمية والدولية.










