منذ قيام دولة إسرائيل في عام 1948 وحتى اليوم، لم تصادف المنطقة ملفاً شائكاً ومعقداً وحساساً كما ملف العلاقات بينها وبين سوريا، إذ كان “صراع الوجود” معها رافعة أساسيةً في الخطاب السياسي السوري في عهدي حافظ وبشار الأسد.
لم يتعامل الأسد الأب مع القضية الفلسطينية بوصفها مسألة وطنية أو قومية خالصة، إنما كانت في يده ورقةً سياسيةً تعزز نفوذه في العالم العربي وتُحكم قبضته على القرار الفلسطيني. فقد دعم فصائل معينة وناصب أخرى العداء بناءً على حسابات مصلحية، فأتى دعمه الفصائل “المقاومة” مشروطاً بخضوعها الكامل لإرادة دمشق السياسية.
ورغم الخطاب الرسمي السوري الذي قام عقوداً على حجة “المواجهة الدائمة” مع إسرائيل، فإن هذه الأخيرة عرضت على سوريا في تسعينيات القرن الماضي عقد اتفاق سلامٍ شامل، وكان حينها إسحاق رابين رئيساً لحكومة تل أبيب. تضمن العرض انسحاباً كاملاً من مرتفعات الجولان مقابل تطبيعٍ شاملٍ للعلاقات وتوقيع اتفاق سلام رسمي. راوغه الأسد وماطله، لا بدافع الثوابت “القومية” إنما بهدف إبقاء الملف مفتوحاً ليكون أداة مساومة مع القوى الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة. أراد الأسد أن يظهر في موقع “الندّ المقاوم”، بينما كان يسعى في الواقع إلى ضمان استمرارية نظامه وحمايته من أي عزلة دولية، بعدما رسّخ “القضية الفلسطينية” في أذهان الجميع كأحد مرتكزات سياسته الإقليمية، وقدّم نفسه طرفاً داعماً “للمقاومة”، مستمراً في إشغال الداخل السوري بالقضايا الخارجية تحت شعار “لا صوت يعلو على صوت المعركة”، بدلاً عن همومه الداخلية.
بعد نكبة 1948، استقبلت سوريا عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، توزّعوا على مخيمات عدة داخل البلاد. كما قدّمت السلطات السورية دعماً لفصائل فلسطينية عدة في إطار سياقٍ سياسي وعسكري يهدف إلى الحفاظ على دورٍ إقليمي فاعل في الصراع العربي–الإسرائيلي.
بقي موضوع التطبيع بين سوريا وإسرائيل موضع جدَلٍ مستمرٍّ في الأوساط السياسية طوال العقود الماضية. وبعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تجددت التساؤلات حول مستقبل هذه العلاقات، وإمكانية انتقالها من حال الجمود إلى مرحلةٍ جديدة من التطبيع، في ظل تحولاتٍ واسعة تشهدها المنطقة.
ورغم تهرّب السلطات الانتقالية في دمشق من الحديث عن أي تطبيع مباشر مع إسرائيل، فإن أول اجتماعٍ أمني سوري –إسرائيلي عُقد في العاصمة الأذربيجانية باكو في ديسمبر الماضي، أعقبه تصريحٌ من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع قال فيه إن “التفاهم الأمني المرتقب بين البلدين ليس خياراً بل ضرورة”. واضحٌ أن السلطات الانتقالية لا تملك الكثير من الخيارات في هذه القضية الحساسة.
فرغم الدعمين الدولي والإقليمي اللذين تحظى بهما السلطات الانتقالية، فإنهما يبقيان غير مستقرين في ظل استمرار سوريا في التهرب من التطبيع المباشر مع إسرائيل. ومؤكدٌ أن تعامل السلطات الانتقالية مع ملف التطبيع بطريقة نظام الأسد ذاتها لن يُكتب له النجاح ولا الاستمرار. فالسلطات الانتقالية تواجه خيارات معقدة، إذ لن تقبل إسرائيل بعد الآن بأي علاقات “من تحت الطاولة” كما كان الحال في عهد الأسد، خصوصاً بعد الحرب على إيران وأذرعها العسكرية في الشرق الأوسط، وفي مقدمها “حماس” بغزة و”حزب الله” بلبنان. والواقع يدل على أن إسرائيل اليوم تبدو أكثر “غروراً وثقة بنفسها” من أي وقتٍ مضى، بعدما حققته منذ “7 أكتوبر” أولاً، وبعد “اتفاقيات أبراهام” التي وقعتها مع عددٍ من دول الشرق الأوسط ثانياً، وانضمت إليها أخيراً كازاخستان.
في خضم ذلك، يعود اليوم ملف التطبيع إلى قلب المشهد لكن بظروف مختلفة: تضغط واشنطن ولندن على دمشق لتنخرط في ” مسار السلام”، فيما تبذل أنقرة قصارى جهدها لمنع الشرع من الدخول في تطبيعٍ مباشر مع إسرائيل، لأنها لا ترغب في سلامٍ سوري – إسرائيلي يقلّص نفوذها الجيوسياسي والتجاري في الشرق الأوسط. فأي تطبيع من هذا النوع يُعدّ تهديداً مباشراً لمكانة تركيا السياسية والاقتصادية في المنطقة، إذ يُضعف نفوذها الإقليمي الذي بنته خلال العقود الماضية عبر التدخل في الشمال السوري، ويمنح دمشق في الوقت نفسه فرصة استعادة دور جيوسياسي غائب، كأن تكون محوراً لنقل الطاقة والغاز إلى أوروبا عبر أراضيها. هذا التحول في موازين القوى “الاقتصادية” يسرق من أهمية العامل التركي في قطاع الطاقة والتجارة الإقليمية، ويُفقد أنقرة إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية التي مكّنتها من التأثير في ملفات الشرق الأوسط في العقدين الأخيرين.
كذلك، ترى تركيا أن أي سلامٍ سوري – إسرائيلي سيولّد اصطفافاتٍ جديدة في المنطقة تهمّش دورها وتُعيد ترتيب علاقاتها بالغرب. فعودة سوريا إلى المشهد الإقليمي بصفة دولة مستقرة ومنفتحة على الغرب، بدعمٍ إقليمي ودولي، تعني تقليصاً حتمياً لنفوذ أنقرة في الملف السوري، وحرمانها من ورقة الضغط التي تمثّلها الفصائل السورية المقرّبة منها. كما تخشى أنقرة من أن يؤدي التطبيع إلى إغلاق المجال أمام طموحها في لعب دور الوسيط بين العواصم العربية وتل أبيب، الدور الذي سعت إلى ترسيخه بعد “اتفاقيات أبراهام”، وإلى تظهيره أخيراً بدورها في إحلال السلام الهش في غزة بعد مؤتمر شرم الشيخ.
من يراقب الحراك التركي يرَ بالعين المجرّدة سعي أنقرة، على أكثر من مستوى، لتعطيل أي تقارب ممكن بين دمشق وتل أبيب: تدعم تيارات داخل السلطة الانتقالية السورية تعارض التطبيع، وتعمل على ربط مصالحها الاقتصادية والأمنية مع القوى الرافضة للسلام، وتوظّف وجودها العسكري في الشمال السوري ورقةً لزعزعة الاستقرار كيما تُتيح للسلطة الانتقالية فتح قنوات طبيعية مع الغرب… وأخيراً، تروّج أنقرة لمخاوف من أن يؤدي التطبيع مع إسرائيل إلى تمكين الأكراد، أو منح إسرائيل حضوراً استخبارياً مباشراً في الجنوب السوري.
في ضوء ذلك كله، يبدو أن أنقرة لا تنظر إلى مسار التطبيع السوري – الإسرائيلي بصفته خطوة نحو استقرار إقليمي دائم، بل ترى فيه تهديداً جوهرياً يحدّ من نفوذها السياسي والاستراتيجي في المشرق. ومن هنا، تسعى للحفاظ على معادلة المراوحة الراهنة في سوريا، فلا حرب تُحسم ولا سلام يُعقد، وهذا يضمن استمرار دورها فاعلاً رئيسيٍاً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية في المنطقة.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










