في تطور بارز على صعيد العلاقات بين دمشق وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، أكّد مسؤولون من الجانبين أن جولة تفاوضية جديدة ستُعقد قريباً في العاصمة السورية، في ظل أجواء وصفها مسؤولون بأنها “إيجابية جداً”.
ويشير ذلك إلى رغبة حقيقية من الطرفين بمواصلة التطبيق الفعلي لاتفاق مبادئ تم توقيعه سابقاً، يطال قضايا حسّاسة مثل دمج المؤسسات العسكرية والإدارية والاقتصادية.
ووفق بيان صدر بعد اجتماع تنسيقي مع الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديموقراطية (مسد) أن الحوار مع دمشق يحظى بجدية متزايدة، مؤكداً على أولوية الحلول السياسية لمعالجة الملفات الخلافية، لا سيما دمج “قسد” ضمن هيكل الدولة، وعودة المهجرين، وضمان تمثيل مختلف المكونات بآلية تنفيذ متفق عليها.
وفي تصريحات رسمية أخرى، شدّدت “قسد” على أن الحوار مع دمشق ليس مجرد تفاوض شكلي، بل خيار استراتيجي لإيجاد صيغة حكم محلية لامركزية داخل الدولة السورية، تضمن حقوق المكونات المختلفة، وتكفل مشاركة سياسية حقيقية دون اللجوء إلى العنف. وتضيف أن هذه الجولة تأتي في إطار التزامه بتنفيذ الاتفاق الموقع في آذار/مارس 2025، والذي ينصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية المدنية والعسكرية ضمن مؤسسات الدولة، شرط ضمان تمثّل عادل للمناطق ذات الأغلبية الكردية والحقوق الاقتصادية والثقافية.
وتُعد هذه المحادثات خطوة محورية في ملف توحيد سوريا بعد سنوات من التوتر، وتأتي في وقت تؤكد فيه دمشق على ضرورة بقاء البلد موحداً، في حين ترى “قسد” أن تطبيق الاتفاق يمكن أن يشكل نموذجاً لحكم لامركزي ديمقراطي يحقق الاستقرار ويأخذ بعين الاعتبار التنوع الإثني والديني.
وذكرت مصادر من الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، إن اندماج “قسد” الكامل بالدولة سيتم مع نهاية العام الجاري. وقال ممثل الإدارة الذاتية إلى دول الخليج سيهانوك ديبو، لصحيفة “إندبندنت عربية” إن “قسد والإدارة الذاتية تمتلكان الإرادة الوطنية والقرار المستقل من أجل الوصول إلى حل مستدام في سوريا”.
وأضاف، أن قرار الاندماج بالدولة حتى يكتب له الاستمرار ويمتاز بالقوة والصلابة، عليه أن يكون ديموقراطياً، وتتشكل من خلاله سوريا جديدة كدولة لا مركزية ديموقراطية تمثل عموم السوريين. وأشار إلى أن أهم بنود اتفاق العاشر من مارس العمل على تحقيق الاندماج قبل نهاية العام، ومن الواجب التركيز على نوعية الاندماج وشكله وآلياته أكثر منه على المدة الزمنية، وأن السوريون يراهنون على نوعية الحل أكثر بكثير من زمن إنجازه.
ولفت ممثل الإدارة الذاتية، إلى أن “المباحثات مع الحكومة السورية الانتقالية مستمرة والتفاوض لم ينقطع، رغم أن المحادثات بين الجانبين لا تبدو مثالية. وبدوره، أكد ممثل “مسد” في دمشق عبدالوهاب خليل أن اندماج “قسد” سيتم بالفعل قبل نهاية العام الجاري، وفق ما نقلته “إندبندنت”.
اقرأ أيضاً: “قسد” ودمشق.. البحث عن مخرج
ما رؤية الإدارة الذاتية؟
يقول آلان بيري، الكاتب السياسي وخريج كلية العلوم السياسية بجامعة فيينا والمقيم في النمسا لموقع “963+”، إن رؤية الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديموقراطية واضحة فيما يتعلق بمستقبل سوريا، إذ إنها مصرةً على أن يكون نظام الحكم في سوريا الجديدة لامركزياً، أي حكماً ذاتياً يتمتع بصلاحيات واسعة ضمن الدولة السورية الواحدة ذات السيادة المستقلة.
ويضيف بيري أن قوات سوريا الديموقراطية ترغب في أن يتم اندماجها ضمن الجيش السوري المستقبلي على شكل فيالق وفرق منظمة.
ويؤكد بيري أنه إذا تحدث عن “الدستور” فسيكون ذلك غير واقعي، موضحًا أن الدساتير لا تُحترم إلا في الدول التي ناضلت من أجل ترسيخ سلطة دولة القانون والاحتكام إلى الدستور عند حدوث الخلاف. ويشير إلى أن الدول التي تُصنف في علم السياسة على أنها “فاشلةً” أو “هشةً” لا يوجد فيها دستور فعلي سوى كتيب صغير، ولا يعكس أي حضور في الذهنية التي تدير مؤسسات الدولة أو في الوعي الجمعي للسكان.
ويضيف بيري أن الضمان يكمن في أن يكون شكل الدولة لامركزياً، مع نظام حكم تعددي برلماني يسمح بتداول السلطة بشكل سلمي، ويشير إلى ضرورة احتفاظ قوات سوريا الديمقراطية بهياكلها العسكرية ورأس المال البشري ضمن الجيش السوري المستقبلي.
ويؤكد بيري أن الإدارة الذاتية لا تسعى إلى احتكار الموارد الطبيعية، موضحًا أن هذه الموارد تخص جميع السوريين، ويضيف أن اللامركزية ستضمن توزيع هذه الثروات بشكل عادل، على عكس النظام المركزي الذي قد يسيء إدارتها لأنها ستكون متمركزةً بيد جهاز إداري واحد، قد يمنع الأطراف والأقاليم من الاستفادة منها.
ويلفت بيري إلى أن الوقت قد حان للتوصل إلى اتفاق شبه نهائي يمكن البناء عليه لبدء مرحلة جديدة في سوريا، موضحًا أن البلاد قد تخلصت إلى حد كبير من الحرب الأهلية، ويضيف أن المرحلة القادمة تتطلب تفاهم القوى الكبيرة، أي الحكومة المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية، على صيغة مشتركة للحكم، قبل الانتقال إلى ملف الساحل والسويداء، إذ إن مصيرهما مرتبط بمخرجات هذا الاتفاق.
اقرأ أيضاً: طارق وهبي لـ “963+”: دمشق ستغض الطرف عن بعض الأمور إذا حدث اتفاق بين “قسد” وتركيا
ملفات خلافية وحلول عملية
يقول الدكتور أحمد جاسم الحسين، محلل سياسي لـ”963+”، إن الملفات المعلنة تشمل المعابر والقوات العسكرية والإدارة المحلية وحياة الناس اليومية. ويضيف أن النقاط الخلافية ليست في هذه الملفات بالدرجة الأولى، بل في التفاصيل الصغيرة وخصوصية المناطق، مثل مطالب أبناء الأكراد، مشيرًا إلى أن هذه الملفات لن تكون عقبةً كبيرةً أمام التقدم في التفاوض.
ويؤكد الحسين أن الأولويات متفق عليها، ويضيف أن المجتمع الدولي أقر بأن إدارة السجون التي تضم عناصر داعش يجب أن تكون تحت إشراف الحكومة السورية. ويوضح أن الضمانات تتمثل في القانون والدستور والتفاهم بين الأطراف المتفاوضة، سواء من جهة الحكومة أو الإدارة الذاتية، ويشير إلى ضرورة وجود تغييرات أيديولوجية أحيانًا لتجاوز حالات الإقصاء، بما يتيح قبول جميع السوريين بعضهم البعض.
ويشير الحسين إلى أن جميع الأطراف السورية تتفق حاليًا على أن الحرب أو القتال هو أسوأ الحلول، ويضيف أن التفاوض أفضل بكثير من الصراع المسلح، موضحًا أن حصول أي طرف على نصف ما يريد عبر التفاوض أفضل من الحصول على كل شيء بالحرب.
ويؤكد الحسين أن المناطق الغنية بالنفط أو الغاز تحتاج إلى خدمات خاصة لحماية الموارد وتوظيف السكان المحليين، ويضيف أن هذه الآلية معروفة عالميًا وتم طرحها عدة مرات في سوريا لضمان انعكاس الفوائد بشكل إيجابي على سكان المنطقة.
ويختتم الحسين حديثه بالقول إن الملف السوري ملف دولي، وليس محلياً فقط، ويشير إلى أن الضغوط الدولية تهدف للوصول إلى حلول تدريجية، مضيفاً أن النوايا اليوم سليمة لدى جميع الأطراف، سواء في السلطة أو خارجها، مشدداً على أن التفاوض والاستجابة لمطالب الأطراف ضمن إطار الدولة السورية يمثل أفضل الحلول الممكنة.










