مثّلت زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى واشنطن في نوفمبر 2025 نقطة تحول لافتة في العلاقات السورية–الأميركية، بعد سنوات من القطيعة والتحولات الجذرية التي أعقبت تغيير السلطة في دمشق. واعتبر مراقبون أن الزيارة تمثل اختباراً لإمكانية إعادة بناء علاقة جديدة بين واشنطن ودمشق، ومحاولة أميركية لإعادة رسم التوازنات الإقليمية، خصوصاً في الجنوب السوري حيث يتقاطع النفوذ الأميركي والإسرائيلي والسوري.
وتركزت محادثات الشرع مع الإدارة الأميركية على رفع العقوبات وإمكانية إلغاء قانون قيصر، في ظل تعهّدات سورية بالتعاون في مكافحة الإرهاب والانضمام للتحالف الدولي ضد داعش. ورغم حرص واشنطن على مقاربة أمنية شاملة تشمل مناطق التوتر على الحدود السورية–الإسرائيلية، بدا واضحاً أن الشرع حضر إلى العاصمة الأميركية وهو مستعد للانفتاح السياسي مقابل ترتيبات تحفظ مصالح بلاده وتمنح حكومته استقراراً بعد مرحلة انتقالية صعبة.
وفي العلن، حافظ الشرع على خطاب حذر تجاه إسرائيل. فقد أكد في مقابلاته مع وسائل إعلام أميركية أن سوريا لا تفكر بالدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في الوقت الحالي، لكنه لم يغلق الباب أمام وساطة أميركية قد تفتح مسارًا تفاوضيًا غير مباشر حول الملفات الأمنية. هذا الموقف المزدوج، الرافض للتطبيع والصريح في التشديد على خصوصية الموقف السوري تجاه اتفاقيات إبراهيم، لا ينفي في الوقت نفسه، بحسب محللين، قابلية دمشق للتعامل مع تسويات أمنية محدودة، شرط أن تُدار تحت إشراف واشنطن، وبما لا يمس الثوابت الوطنية مثل الجولان والحقوق التاريخية للشعب السوري.
اقرأ أيضاً: صراع نفوذ أم إعادة تموضع.. إسرائيل تحشد في الشمال – 963+
تحولات جيوسياسية
في هذا السياق، يقول فراس مخيمر ياغي، الكاتب والمحلل السياسي المختص في الشأنين الإسرائيلي والفلسطيني في تصريحات لـ”963+”: “الزيارة الحميمية التي قام بها الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى البيت الأبيض، وما رافقها من مشهد “رش العطور”، تعكس بوضوح التحولات الجيوسياسية في سوريا بعد سقوط النظام السابق”.
ويضيف ياغي أن العلاقات السورية ـ الأميركية باتت قائمة على “المصالح المتبادلة” المرتبطة بتحقيق الأهداف الأميركية ومراعاة المتطلبات الأمنية الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن وافقت على رفع تدريجي للعقوبات “ضمن إطار مالي مراقب وإنساني”، وسط دعم إقليمي من دول مؤثرة كالسعودية وتركيا.
إلا أن ياغي شدد على أن المقاربات الإسرائيلية تجاه سوريا ولبنان وغزة “ما تزال تشكل عقبة كبيرة” أمام أي انفراج أميركي ـ سوري، مؤكداً أن أي ضغط أميركي على تل أبيب سيكون محكوماً بخدمة “المفهوم الأمني الإسرائيلي” وبآليات تتصل بالتعامل مع المسألتين الدرزية والكردية.
ويوضح أن التفاهمات الأميركية ـ الإسرائيلية بشأن العلاقة مع النظام السوري الجديد ستستند إلى ثلاث نقاط رئيسية: “أمنياً: توسيع منطقة فض الاشتباك لتصبح منطقة منزوعة السلاح الثقيل في جنوب سوريا، ووضع قيود على تسليح الجيش السوري وانتشاره، مع تعزيز الوجود العسكري الأميركي في قاعدة التنف وقواعد جوية قرب دمشق لضمان تنفيذ التفاهمات وتهيئة ظروف انسحاب إسرائيلي لاحقاً. دولياً وإقليمياً: إشراك سوريا في التحالف الغربي ضد داعش، وتنسيق الجهود بين واشنطن وتل أبيب ودول عربية معتدلة لمواجهة الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وحماس والفصائل الفلسطينية، بما يضع النظام السوري تحت الاختبار في مواجهة محور إيران. سياسياً: التوجه نحو اللامركزية أو توسيع الحكم المحلي بما يساهم في حل القضيتين الدرزية والكردية ضمن إطار وحدة الأراضي السورية”.
اقرأ أيضاً: سوريا وإسرائيل: مفترق السلام واختبار النوايا – 963+
تنسيق أمني
من جهته، يرى طلعت طه، المحلل السياسي وخبير الشؤون العربية، في تصريحات لـ”963+” أن الأشهر الستة الماضية شهدت مؤشرات واضحة على “نية كاملة لإقامة تنسيق أمني بين سوريا وإسرائيل”، مشيراً إلى أن زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن جاءت أساساً “لتنسيق أمني مع إسرائيل”، في خطوة تمهّد لتطبيع كامل وتعاون شامل بين الطرفين.
ويضيف طه أن الصفقة الأميركية ـ الإسرائيلية ـ السورية تمنح الشرع تثبيتاً في الحكم لولاية جديدة ليصبح “الحاكم الفعلي” لسوريا، مقابل تنفيذ مطالب أميركية ـ إسرائيلية مشتركة.
وحول مصالح إسرائيل، يقول طه إن تل أبيب تسعى إلى “تدمير حزب الله بالكامل، تأمين حدودها، وتوسيع نفوذها العسكري واللوجستي في المنطقة”، إضافة إلى وضع لبنان في موقف ضعيف عبر الضغط على عمقه الاستراتيجي في سوريا.
ويوضح أن ملف الحدود السورية يشهد أيضاً تنسيقاً أمنياً، حيث “تمت تصفية عناصر داعشية خلال الشهرين الماضيين”، متوقعاً أن تصبح سوريا “إحدى المحطات الأساسية في الحرب الدولية على داعش” ضمن هذا التنسيق.
ويلفت طه إلى أن الاتفاق المقترح يشمل ملفات حساسة مثل الجولان المحتل، الذي “لن يعود لسوريا، بل سيُحوَّل إلى منطقة مفتوحة أو حديقة عامة وفق الاتفاق المطروح”.
اقرأ أيضاً: كيف تعيد أنقرة صياغة معادلة الأمن الإقليمي في سوريا؟ – 963+
هدوء واستقرار
في المقابل، يشدد بسام السليمان، الكاتب والباحث السياسي المقيم في دمشق، في تصريحات لـ”963+” على أن الجنوب السوري “سيبقى سورياً”، مؤكداً أن إسرائيل قد تحاول إثارة التوتر والضغط على دمشق، إلا أن أي تدخل خارجي لن يغير هوية المنطقة.
ويضيف السليمان أن الحكومة السورية تعتمد حالياً على الدبلوماسية النشطة وتتجنب الانجرار إلى أي مواجهة مباشرة أو الدخول في اتفاقية سياسية واسعة مع إسرائيل، موضحاً أن تل أبيب تسعى لفرض اتفاق خلال “مرحلة الضعف” التي تمر بها سوريا، وهو ما تعتبره دمشق خطراً يهدد مصالح الشعب السوري وحقوقه في وطنه.
ويشير السليمان إلى أن سوريا “تحاول قدر الإمكان عدم التورط في صراع عسكري”، وفي الوقت نفسه ترفض اتفاقيات سياسية واسعة قد تُفرض عليها بشروط لا تخدم مصالحها، لذلك تفضل دمشق اتباع سياسة الانفتاح الديبلوماسي وضبط النفس.
ويؤكد أن أي انفتاح دولي على سوريا ورفع تدريجي للعقوبات سيمنح الدولة شرعية أوسع، الأمر الذي سيحدّ من قدرة إسرائيل على استهدافها عسكرياً، قائلاً: “عندما تنخرط سوريا يوماً بعد يوم في المجتمع الدولي، تصبح عملية استهدافها أكثر صعوبة على إسرائيل”.
كما يصف السليمان الاتصال الأخير بين الرئيس الشرع والقيادة الأميركية بأنه “مهم”، معتبراً أن التعاون مع واشنطن يخدم هدفاً مشتركاً يتمثل في تحقيق الهدوء والاستقرار في الجنوب والمنطقة عموماً.
على الأرض، تشهد المناطق الجنوبية إعادة رسم هادئة لخريطة النفوذ العسكري، مع ترتيبات أميركية لإقامة دوائر أمنية متفاوتة، تشمل مناطق منزوعة السلاح الثقيل مع بقاء الشرطة السورية فقط، بينما تبدي إسرائيل قلقاً متزايداً من هذا التقارب، لكنها تواجه ضغوطاً أميركية لإعادة ضبط خطوط التماس.
ورغم أن التطبيع لا يزال بعيداً، إلا أن التفاهمات الأمنية في الجنوب تشكل قاعدة لتسويات جديدة توازن بين مصالح دمشق، واشنطن، وإسرائيل، مع تركيز سوريا على سيادتها واستقرارها الداخلي دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.










