بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على صدور قانون منع جمع وتشغيل الأموال رقم /8/ لعام 1994، حسمت الهيئة العامة لمحكمة النقض الجدل القائم حول مدلول كلمة “جمهور” الواردة في القانون، وقررت أن المقصود بها عشرة أشخاص فأكثر.
هذا القانون، الذي جرّم جمع الأموال من الجمهور وتشغيلها وتوزيع الأرباح عليهم واعتبرها جناية، كان قد أثار خلافاً بين المحاكم؛ فبعضها اعتبر أن الجمهور يبدأ من ثلاثة أشخاص، بينما ذهب آخرون إلى اشتراط عدد أكبر، ليتساءل أحدهم “إذا جمع من ٩ أشخاص يعني القانون لا يجرمه؟!”
مدى صلاحية القانون في العصر الحالي
المحامي نزيه بشير يرى في تصريحات لـ”963+” أن القانون رقم /8/ لعام 1994 يعد علامة فارقة في تاريخ التشريع المالي في سوريا، ولكن بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، يصبح السؤال عن صلاحية القانون أمراً جوهرياً، وللوهلة الأولى، يمكن القول إن المبدأ الأساسي للقانون (حماية المدخرات العامة ومنع النصب المالي عبر كيانات غير مرخصة) يظل سارياً وضرورياً في أي وقت، فالحاجة إلى حماية المستهلكين من مخططات الاحتيال الهرمية أو الوهمية لا تنتهِ.
اقرأ أيضاً: الليرة السورية تسأل: هل يكفي رفع العقوبات؟ – 963+
ويضيف: لكن، على مستوى التفاصيل والأدوات والشمولية، فإن القانون قد عفا عليه الزمن ويواجه تحديات جمة: منها التقادم التكنولوجي، فقد صدر القانون قبل عصر الإنترنت الواسع والعملات الرقمية ومنصات التداول العالمية، ومصطلحات مثل “جمع الأموال” و”التشغيل” كانت مرتبطة بالمعاملات المادية والمكاتب، بينما اليوم يتم الاحتيال عبر تطبيقات ومنصات عابرة للحدود، وأيضاً هناك غموض في التعريفات، فقد لا تتضمن تعريفاته الحالية ما يُعرف بـ”الاستثمار في الأصول الرقمية” أو “التمويل الجماعي” بصورته الحديثة، مما يجعل القانون قاصراً عن ملاحقة مرتكبي الجرائم المالية الرقمية، إضافة إلى تغير البيئة الاقتصادية، وأصبحت الحاجة إلى أدوات استثمارية جديدة ومرنة تتجاوز القنوات التقليدية البيروقراطية قد تجعل هذا القانون، في صرامته، عائقاً أمام بعض أنواع الابتكار المالي المشروع إن لم يُعدّل.
ويؤكد بشير أن القانون لا يزال مهماً كمرجعية إجرائية، ولكنه يحتاج إلى تعديلات جذرية أو استبدال بقانون جديد شامل للجرائم المالية الرقمية والمستحدثة، يطلق عليه “قانون مكافحة الجرائم المالية الحديثة”.
اقرأ أيضاً: كيف سينعكس التمويل القطري للرواتب على الأوضاع الاقتصادية وسعر صرف الليرة السورية؟ – 963+
حكاية شركات المضاربة التي هزت الثقة
بالمقابل يرى الخبير القانوني عماد الدين شهاب في تصريحات لـ”963+” أن الظروف التي أدت لصدور القانون هي ظهور شركات المضاربة المالية الكبرى في مطلع التسعينيات، والتي وعدت بعوائد خيالية وأدت إلى إفلاس آلاف العائلات، فالقانون جاء ليسد فراغاً تشريعياً خطيراً، ويشكل رادعاً قوياً ضد جمع الأموال بشكل علني وغير مرخص، والقانون وضع حداً فاصلاً بين العمل المصرفي المرخص والنشاط المالي غير المشروع، وحقق قدراً من الاستقرار المالي في حينه.
ويضيف: “بعد أكثر من 30 عاماً ظهرت ثغرات الزمن والتحدي الرقمي، وأصبح قانون ورقي في عصر التطبيقات الالكترونية، مما أدى إلى صراع المشرّع مع أدوات الاحتيال الجديدة، أي فشل القانون في التعامل مع مخططات النصب الحديثة، كالاحتيال عبر الاستثمار الوهمي في العملات الرقمية والـ”فوركس”، وشركات التسويق الشبكي التي تستغل ثغرات في القانون لجمع الأموال تحت ستار بيع المنتجات، وكذلك الاستثمار عبر الحدود وعبر الإنترنت حيث يصعب تطبيق الولاية القضائية المحلية”.
ويشير شهاب إلى أن القانون الحالي يفتقر إلى آليات استرداد الأموال المهربة عبر الشبكة العنكبوتية، ويركز على العقوبة دون التعويض الفعال للضحايا، مبيناً أن “الطريق نحو التحديث هو أن المشرّع أمام خيارين: إما الترقيع أو قانون مالي جديد وشامل، حيث أن دول العالم المتقدمة تعاملت مع تحدي الجرائم المالية الرقمية (قوانين الجرائم الإلكترونية، قوانين مكافحة غسيل الأموال الحديثة)، وفي سوريا هناك ضرورة لتعديل تعريف “جمع الأموال” ليشمل أي نشاط مالي يهدف إلى تحقيق عوائد استثمارية، بغض النظر عن وسيلة الجمع (رقمية أو مادية)، وتشديد العقوبات بما يتناسب مع حجم الجريمة المالي في العصر الحالي، وتضمين آليات تعاون دولي لملاحقة المتهمين عبر الإنترنت”.
ويدعو شهاب إلى الإسراع في صياغة تشريع مالي جديد، يكون متكاملاً مع قانون مكافحة غسيل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، ليصبح القانون رقم /8/ لعام 1994 وثيقة تاريخية تُحترم لدورها الرائد، ولكنها تُستبدل بأداة قانونية أكثر فاعلية.










