“الحرق اليومي للنفايات أصبح جزءاً من حياتنا، والدخان يخنق أنفاس أطفالنا الصغار”، تقول سعاد جابر، ربة منزل في حي الزهراء بمدينة معضمية الشام، لـ”963+” بينما تتصاعد سحب الدخان من أكوام القمامة المنتشرة في الشوارع. المدينة، الواقعة غربي دمشق، تغرق في أزمة نفايات متفاقمة، حيث يعتمد الأهالي على الحرق كحل سريع، فيما تبقى الجهات المعنية عاجزة عن تقديم حلول مستدامة.
وتشهد معضمية الشام أزمة نفايات حادة نتيجة ضعف البنية التحتية، ونقص الآليات، وتراجع الإمكانات المالية للمجلس المحلي. هذا الواقع دفع السكان إلى اللجوء للحرق أمام المنازل والمحلات، مولّداً دخانًا كثيفًا وروائح خانقة تؤثر مباشرة على الصحة العامة، وتزيد من انتشار الحشرات والقوارض، ما يحول المشهد إلى معاناة يومية تتجاوز حدود الخدمة إلى تهديد بيئي وصحي ملموس.
محمد طه (55 عاماً)، أحد سكان المدينة، يقول لـ”963+” إن الوضع أصبح لا يُطاق، فالحرق أصبح عادة يومية أمام الحاويات وفي الأزقة، والدخان الكثيف يملأ الأجواء مساءً، فيما الروائح المنبعثة تخنق المنازل وتزيد من معاناة السكان.
ويضيف أن القلق يتصاعد لدى الأسر التي لديها أطفال أو كبار سن يعانون من أمراض صدرية، إذ تترك موجة الدخان أثرًا مباشرًا على صحة المتضررين.
اقرأ أيضاً: معالجة المياه وإدارة النفايات.. آثار كارثية على النظام البيئي – 963+
مختار المدينة، علي الرضوان (54 عامًا)، يؤكد لـ”963+” أن تراكم القمامة لم يعد مجرد مشكلة خدمية، بل أصبح عبئاً يومياً يرهق السكان ويهدد صحتهم.
ويضيف: “المشهد مألوف في الأسواق والأحياء المكتظة، حيث تغيب عمليات الترحيل المنتظمة، ويؤدي ذلك إلى انتشار الحشرات والقوارض وانبعاث الروائح الكريهة”.
ويشير الرضوان إلى أن الأهالي باتوا يلجؤون إلى الحرق كحل مؤقت، غير أن هذه الممارسة أفرزت مشكلة أكبر، إذ ينتج عنها دخان كثيف يتسلل إلى المنازل والمحال، ويسبب حالات اختناق وسعال متكرر، خصوصاً عند الأطفال وكبار السن. ويضيف أن المجلس المحلي عاجز عن التعامل مع الكميات المتزايدة بسبب نقص الآليات وضعف الإمكانات اللوجستية، ما دفع البعض إلى تبني حلول بدائية وخطيرة.
الأزمة، بحسب الرضوان، تتطلب تدخلاً عاجلاً من الجهات المعنية لتوفير الدعم اللازم، وتأمين معدات جمع وترحيل النفايات، وإيجاد حلول مستدامة تحافظ على سلامة السكان والبيئة، إذ أن المشكلة تجاوزت الطابع الخدمي لتصبح تهديدًا حقيقيًا لحياة المواطنين واستقرار المدينة البيئي.
مصادر محلية لـ”963+” تؤكد أن الانقسام بين المجلس المحلي والجهات الخدمية الأخرى زاد من تعقيد الأزمة، حيث كل جهة تلقي باللوم على الأخرى، بينما تبقى النفايات مكدسة دون حلول فعالة.
وفي الجانب الصحي العام، باتت المستشفيات عاجزة عن استيعاب الزيادة الكبيرة في مراجعات المرضى الذين يعانون من أعراض تنفسية وجلدية، ما يجعل الأزمة مشكلة معقدة تتجاوز حدود المشهد الخدمي إلى تهديد حقيقي للصحة العامة.
الطبيب سامر الخطيب، اختصاصي الأمراض الصدرية في ريف دمشق، يحذر من خطورة حرق النفايات في الأحياء السكنية، مشيراً إلى أن المواد البلاستيكية والمعادن الثقيلة تنتج عند حرقها مركبات سامة ومسرطنة تؤثر على الرئة والجهاز العصبي والمناعي.
ويضيف لـ”963+” أن استنشاق الدخان يفاقم حالات الربو والتهابات الشعب الهوائية ويزيد خطر أمراض القلب والأوعية الدموية، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن والحوامل، فيما تترسّب الجزيئات الدقيقة على المزروعات والتربة ومصادر المياه، مسببة تلوثًا غذائيًا طويل الأمد.
ويشير الخطيب إلى أن الدراسات الحديثة أثبتت أن التعرض المتكرر لهذه الملوثات يضاعف خطر الإصابة بسرطانات الجهاز التنفسي ويضعف وظائف الرئة مع مرور الوقت، محذرًا من أن استمرار الحرق في بيئة مغلقة مثل معضمية الشام ينذر بكارثة صحية إذا لم تُتخذ إجراءات فورية.
ويؤكد أن الحل لا يكون في التعايش مع الظاهرة أو التخفيف من آثارها، بل في وقف الحرق نهائيًا وإيجاد بدائل منظمة لجمع وترحيل النفايات، إضافة إلى حملات توعية واسعة توضح خطورة إشعال القمامة قرب المنازل، لأن كل حريق صغير قد يترك أثرًا طويل الأمد على صحة جيل كامل.
اقرأ أيضاً: اندلاع حرائق حراجية غربي سوريا وجهود لإخمادها – 963+
الأزمة لا تقتصر على الصحة والبيئة، بل تمتد إلى الجانب الاجتماعي والاقتصادي، إذ أن ارتفاع الأعباء على الأسر نتيجة انتشار الأمراض وزيادة الحاجة للرعاية الصحية يفاقم الفقر والضغط المعيشي، ويخلق شعورًا بالإحباط تجاه قدرة الجهات الرسمية على إدارة الخدمات الأساسية.
سعاد جابر تضيف: “حتى الملابس والفراش تتشبع برائحة الدخان، وتصبح الحياة شبه مستحيلة، خصوصًا عندما لا نجد من يحرك ساكناً لإيجاد حل دائم. نحن لا نطالب بمعجزات، كل ما نريده حماية أطفالنا وعائلاتنا، وأن تتحرك الجهات المعنية لإنهاء هذه الظاهرة قبل أن تدمر صحة الجميع”.
وتؤكد جابر أن الأزمة ليست مجرد ضيق يومي، بل تمس الجانب الصحي والاقتصادي، فزيارات الأطباء المتكررة والتكاليف الطبية تضاف إلى أعباء الأسرة، في حين لا توفر الجهات الرسمية أي دعم أو حلول مستدامة، ما يزيد من شعور الإهمال والإحباط لدى النساء اللواتي يتحملن مسؤولية الأسرة بالكامل.
الناشط الحقوقي حسام عكاش (40 عاماً) يشدد على أن أزمة النفايات لم تعد تحتمل التأجيل، وأن الحلول الترقيعية لم تعد مجدية بعد أن تحولت المشكلة إلى تهديد واضح لصحة الناس وبيئتهم.
ويوضح لـ”963+” أن الخطوة الأولى والأكثر إلحاحًا هي إيقاف الحرق العشوائي فورًا، عبر فرض رقابة ميدانية مشددة ومنع إشعال النفايات في الأحياء، مع تنظيم حملات توعية وغرامات فورية على المخالفين، وإنشاء محطات تجميع مؤقتة بعيدة عن الكتلة السكنية، مزودة بحاويات محكمة الإغلاق، مع نقل يومي أو شبه يومي للنفايات بما يتناسب مع الكثافة السكانية، خصوصًا مع وجود أعداد كبيرة من المهجرين داخلياً.
اقرأ أيضاً: جفاف عين الفيجة يُغرق دمشق في العطش.. أزمة مياه هي الأسوأ منذ عقود – 963+
ويحذر عكاش من أن استمرار الأزمة من دون إجراءات عاجلة يعرض السكان لمخاطر صحية وبيئية مستمرة، ويزيد من الإحباط الشعبي تجاه الجهات المسؤولة، مؤكّدًا أن الحلول الفعلية تتطلب دمج الإدارة المحلية مع دعم الدولة لضمان جمع النفايات بشكل منتظم والحد من الحرق العشوائي الذي أصبح تهديدًا يوميًا لحياة الأهالي وصحة البيئة.
وفي سياق متصل، يضيف الرضوان أن الحلول البسيطة غير كافية: “المجلس المحلي يحتاج إلى خطط قصيرة وطويلة الأمد، بدءًا من رفع النفايات بشكل دوري، وتوفير آليات حديثة، إلى تخصيص مساحات آمنة للتخلص من القمامة بعيدًا عن المناطق السكنية”.
المشكلة، بحسب الأهالي والخبراء، لم تعد قضية نفايات فقط، بل أصبحت كارثة بيئية وصحية واجتماعية واقتصادية. فالمدارس تعاني من انقطاع النشاط في بعض الأوقات بسبب الدخان، والمحال التجارية تضطر إلى إغلاق واجهاتها لتجنب تلوث البضائع، كما أن الحركة في الشوارع تتأثر بشكل ملحوظ، ما يضاعف المعاناة اليومية للسكان.
الأمر يثير تساؤلات حول جدوى الرقابة المحلية، وقدرة الجهات الرسمية على مواجهة هذه الأزمة المستمرة منذ سنوات، مع تزايد الكثافة السكانية وارتفاع أعداد المهجرين داخليًا، ما يجعل الحاجة إلى حلول عاجلة ومستدامة أمرًا لا يحتمل التأجيل أكثر من ذلك.
في ختام حديثه، يشدد حسام عكاش على أن “الأزمة بحاجة إلى استراتيجيات واضحة، تشمل التوعية، وإدارة النفايات بشكل منظم، وتفعيل العقوبات ضد المخالفين، لأن استمرار الحرق العشوائي يهدد حياة آلاف السكان يومياً، ويترك أثاراً طويلة الأمد على البيئة والصحة العامة”.
وتفاقمت أزمة النفايات في سوريا خلال الأعوام الماضية بشكل غير مسبوق، فبحسب دراسات، لا يُعالَج سوى 12% من النفايات في مراكز فرز وتدوير، فيما تُحرق الكميات المتبقية بشكل عشوائي بسبب ضعف خدمات الجمع والنقل. هذا الواقع أدى إلى ارتفاع مستويات التلوث الهوائي بمؤشرات جسيمات دقيقة (PM2.5) تفوق الحدود الآمنة بخمس مرات، وانبعاث غازات سامة مثل الديوكسين والفورمالدهيد، مما تسبب بزيادة واضحة في الأمراض التنفسية والجلدية وانتشار أوبئة مثل الليشمانيا والتيفوئيد. وتشير تقارير وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية إلى ارتفاع الإصابات بالأمراض الصدرية بنسبة 40% والجلدية بنسبة 25% في المناطق المتأثرة بالحرق.
من جهة أخرى، تُظهر بيانات منظمات بيئية وإنسانية مثل الهلال الأحمر السوري وUNDP أن نحو ربع السكان باتوا يعتمدون على الحرق للتخلص من النفايات نتيجة تدمير أكثر من 60% من البنية التحتية لإدارة النفايات ونقص الدعم البلدي. كما تفيد دراسات ميدانية بأن 72% من السوريين يتنفسون هواءً ملوثاً بمستويات خطرة، ما يهدد بارتفاع طويل الأمد في أمراض القلب والسرطان.










